تخاريف انتخابية بين الجد والهزل .. بقلم: خالد التجاني النور

لا يحيرني مساعي “المؤتمر الوطني” المحمومة لتمديد سلطة الطبقة الحاكمة عبر بوابة الانتخابات التي تصر على إجرائها خارج سياق البحث عن حلول جدية للأزمة الوطنية الخانقة, بل ما يثير الاستغراب حقاً كيف لجماعة لبثت في دست الحكم خمسة وعشرون عاماً حسوماً ومع ذلك لا يكاد يبين أنها تعلمت شيئاً من السياسة أو فن إدارة الحكم بأقل الخسائر الممكنة والحفاظ على الحد الأدنى من أسباب الاستقرار والسلام الاجتماعي. وها هم يحولون بجرأة يحسدون عليها “الانتخابات” من عملية يُفترض أن تتوفر لها كلها “أشراط” الجدية إلى مسرحية “هزلية” بما في ذلك تحويل التنافس على  مقام الرئاسة إلى مثار تندر بمرشحين, مع الاحترام لأشخاصهم, لكن لا أحد يأخذهم على محمل الجد, ولا حتى أنفسهم.
لا يحتاج المرء لعبقرية من أي نوع ليدرك أن معاناة السلطة الحاكمة الحقيقية “وتشويه صورتها” التي تتهم الآخرين بها يأتيها من داخل بيتها بأكثر مما يفعل معارضوها, مما يؤهلها لأن تصبح زعيمة المعارضة الفعلية من فرط كثرة “النيران الصديقة” التي يطلقها علية القوم على أقدامهم. خذ عندك مثلاً موضوع “الانتخابات” وأقرأ التصريحات التي يطلقها قادة الحزب الذين لا يعرف لهم أحد عدداً بشأنها, إذ سرعان ما تكتشف أن أسوأ دعاية ضدها هي “أقوال” وأحياناً “فعائل” هؤلاء السادة.
الأصل في الأشياء أن جميع الفرقاء السياسيين سواسية أمام أي استحقاق “انتخابي” جدي, بمعنى أن القيّم الوحيد عليها بما يضمن نزاهتها هي اللجنة المفوضة بإدارتها والمفترض أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع, ولكن أنظر يا هداك الله لحمى التصريحات التي يطلقها قادة “المؤتمر الوطني” حولها بثرثرة حتى يتأكد للجميع من البداية أنه ليس هناك “انتخابات” من البدء وأن المفوضية لا تعدو أن تكون آخر من يعلم, فهم يصرحون ويحددون المواقف بالنيابة عنها في كل شئ بداية من نتيجتها المحسومة لدرجة التصريح بأن من لا يشارك فيها لا مقام لهافي أية حكومة تعقبها, كيف ذلك ويريدون من الناس أن يصدّقوا نزاهتها؟.
قبل بضعة أسابيع ذهب أحد الوزراء إلى أديس أبابا في مهمته حكومية, وجاء فيالأنباء أنه أجرى مع مسؤولين في الاتحاد الإفريقي بصفته الحزبية الأخرى لإرسال مراقبين ل”الانتخابات”, عجبي ما شأن مسؤول حزبي أو تنفيذي بتجنيد المراقبين “للانتخابات”؟ ثم تتواتر التصريحات من المسؤولين في الحزب يحذرون من إقدام معارضين على تخريب “العملية الانتخابية” ثم يسارعون إلى التبرع بتأكيد أن السلطات الأمنية والشرطية ستقف بالمرصاد لأية محاولة لإفساد الانتخابات؟, حسناً ما شأنكم بذلك؟ إلا يُفترض بهذه الأجهزة الأمنية والنظامية أنها تابعة للدولة وليس ل”المؤتمر الوطني” حتى تتلقى الأوامر منها, أفهم أن تستعين المفوضية بهذه الأجهزة لتأمين العملية الانتخابية, لكن ما بال هؤلاء يحشرون أنوفهم في كل شئ. يُسرف هؤلاء السادة في كل مرة في التذكير بأن الانتخابات موعد دستوري لا يمكن أن يُخلف, ولكن ما بالهم ينسون ما يُعيب الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه, حسناً موعد الانتخابات في الدستور ولكن أليس هذا الدستور نفسه الذي يتضمن وثيقة الحقوق التي أحالها التضييق على الحريات أثراً بعد عين, ثم ما بالهم ينسون أن السلطة الحاكمة اليوم لم تنفرد بها إلا انقلاباً على دستور ديمقراطي,   هذه مجرد نماذج عابرة ولو ذهبت أتتبع سواقط التصريحات لما وسعنا الزمن, ولا الحيّز المتاح.
ألم أقل أن “المؤتمرالوطني” لم يتعلم حتى بعد ربع قرن في السلطة شيئاً ولم ينس شيئ, ألم يكن حريّاً بقادته بدلاً من ممارسة هذا “العك” الذي يثبت في كل كلمة تخرج من أفواههم أن هذه “الانتخابات” ليست عامة في شئ, ولكنها شأن خاص بهذا الحزب يديرها على النحو لذي يروق لها دون أي اعتبار لشروط موضوعية لا بد من توفرها حتى تكتسب شيئاً من المعقولية حتى وإن كانت النتيجة من باب تحصيل الحاصل لمبارة تجري بين فريق لا يواجه خصماً والمرمي خالياً والحكم متفرجاً.ألم يكن حرياً بهم أن يقولوا جملة واحدة مفيدة عن “البرنامج الانتخابي” لتبرير الإصرار على احتكار السلطة لأكثر من ربع قرن, بدلاً من الانشغال بالمعارك الكلامية مع المعارضة التي لا يرون لها وجوداً ومع ذلك تراهم غير مشغولين بغيرها. أين الشعب الذين يتغنون بحكمته في أجندتهم لماذا لا ينصرفون إلى تقديم برامجهم بين يديه أم أن الأمر لا يحتاج لأن كل شئ محسوم سلفاً؟.
على أية حال ليس في الأمر عجب, تجتهد الأنظمة السياسية الباحثة بأي شكل عن “مشروعية سياسية” تحاول التدثر بمسوح الديمقراطية من دون الاستعداد لكامل للأخذ بأسبابها ودفع استحقاقاتها إلى استلاف “الانتخابات” كوسيلة سهلة التطويع لتحقيق ذلك الهدف خارج سياق توفرالمعطيات الموضوعية والبنية السياسية والاجتماعية التي تجعلها أداة ذات صدقية كتلك التي تملكها المجتمعات الحر كآلية لقياس إرادة الناس في الأنظمة السياسية ذات المؤسسات المتجذرة والتقاليد العريقة في الممارسة الديمقراطية.
وبالتالي فإن “الانتخابات” وسيلة وليس غاية بحد ذاتها في النظام الديمقراطي الحقيقي, فهي مجرد بوابة شفّافة يتم من خلالها العبور إلى تجديد المشروعية بعد سلسلة من التنافس المتكافئ الفرص حول برامج يتبارى المرشحون في عرضها لجذب الناخبين والفوز بعقولهم وقلوبهم, ومؤسسات ضامنة وفي وجود مؤسسات محايدة ذات كفاءة تضمن إدارة العملية الانتخابية بنزاهة تجعل مردودوها محل قبول ورضا الرأي العام التّام ومن هنا تحديداً تتحقق شروط المشروعية السياسية التي تجعل للانتخابات معنى وقيّمة توفرّ استدامة الاستقرار.
ولذلك فإن الانتخابات التي تجري في هذا المنطقة في العالم وفي العديد من الدول التي تتخذ من الديمقراطية مظهراً فوقياً وستاراً حاجباً لطبيعة الأنظمة التسلطية تتحول عادة إلى مهرجانات للزينة هدفها الوحيد هو تكريس الأمر الواقع أو إعادة إنتاجه مع إضافة بعض المساحيق التي تنبئ عن شئ من إرادة شعبية يتم اعتسافها لتحقيق مشروعية متوهمة على النظام السياسي المتحكم في العملية برمتها, والنتيجة المنتظرة لهذا النوع من العملية “الديمقراطية” التجميلية هي إعادة إنتاج الأزمة بعناصرها الكاملة, لأن هدف توفير “المشروعية” لن يتحقق وبالتالي بدلاً من أن تكون مدخلاً للاستقرار تتحول إلى مربع استدامة الأزمة.
ولذلك تجد في هذا النوع من “الانتخابات” الملعوبة أشكالاً وألواناً شتى من الوسائل التي يتم اللجوء إلى استخدامها سلفاً لنفي تزييفها لإرادة الجماهير فتجد مثلاً استدعاء العشرات من المنظمات والآلاف من المراقبين الذين يتم حشرهم في ظروف تفتقر لأية آليات موضوعية للتحقق لإصدار شهادات نزاهة بحق عملية انتخابية ليسوا طرفاً أساسياً في مجرياتها حتى في الحدود الدنيا, ولكن تتخذ تلك الشهادات التي تحاول ان تبدو موضوعية بالإشارة إلى بعض الخروقات هنا وهناك بغرض إضفاء صدقية على تقاريرها.
ويتناسى الجميع أن الضامن الحقيقي لنزاهة أية عملية انتخابية هو وجود مؤسسات مرجعية يتحقق فيها الفصل بين السلطات وآليات دستورية وقانونية تضمن الرقابة المتبادلة والتوازن بينها كما تضمن ابتداءاً الحقوق والحريات العامة, ولذلك فمن الطبيعي في وجود هذه المؤسسات الديمقراطية الراسخة والمستقرة أن تتوفر المشروعية السياسية الناجمة عن الانتخابات بحسابانها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين الذين هم مطمئنون إلى أن المؤسسات هي التي تحكم في نهاية الأمر وتدير الأمور وتضمن عدم تغول الحكّام على حقوق المجتمع.
ولذلك ليس ضرورياً على الإطلاق في المجتمعات الديمقراطية أن تتحقق نظرية الأنظمة الشمولية “الحشدية” التي لا ترضى الفوز في انتخاباتها الملعوبة بغير تلك النسب التسعينية الخرافية المثيرة للرثاءوهو ما يضطرها في الغالب إلى عدم إتقان إخفاء آثار التطفيف الانتخابي فيأتي ثوبه مرقعاً بالعيوب التي لايمكن إخفاءها, ولذلك تقوم الانتخابات وتبقى الأزمة في غياب توفر عنصر المشروعية المحقق لاستدامة الاستقرار.
فقدمر وقت كانت فيه حكومات ممعنة في الديكتاتورية والتسلط تضيف لفظ “الديمقراطية” إلى اسم الدولة المعنية وكأن ذلك كان كافياً لتتنزل عليها بركات النظام الديمقراطي, ويذكر الناس حتى انتفاضة أبريل أن بلادنا كان اسمها جمهورية السودان الديمقراطية, وبالطبع يذكر الذين عاشوا تلك الحقبة جيداً نوع الديمقراطية التي كان يتمتع بها النظام المايوي, ومن الممكن على أي حال أن يكون له بعض المحاسن غير أنه من المؤكد أنه لا صلة له بتاتاً بهذا المعنى.
ثم جاء وقتنا الحاضر تخلصت فيه الدول القابضة على السلطة بقوة من تلك الموضة القديمة وتقدمت الأمور شيئاً ما وأصبح الموديل الجديد للتقرب إلى الديمقراطية زلفى هو اتخاذ “الانتخابات” مظهراً لها حيث أصبحت بعض الأنظمة تتفنن في “غسيل شرعية القوة” على طريقة غسيل الأموال بإجراء انتخابات لا يتوفر لها شئ من شروط صحة التعبير عن الإرادة الحرة إلا رسمها, و”أهو كلو عند العرب صابون” انتخابات والسلام والنتيجة معروفة سلفاً. يعرف الناس مصطلح “غسيل الأموال” الذي يتم فيه بحيل معينة إلباس الشرعية على أموال مكتسبة بطرق غير مشروعة, أما “غسيل الانقلابات”, فهي عملية مشابهة من الناحية الفنية يتم بموجبها توفير غطاء شرعي على نظام حكم يصل إلى السلطة ب”انقلاب عسكري” غالباً على حكم مدني وأحياناً على نظام عسكري وذلك ب”غسله” عبر عملية انتخابية متحكم بها توفر له مظلة شعبية يعتبر نفسه بعدها أنه مثله ومثل أي نظام منتخب وصل إلى السلطة بصناديق الاقتراع وليس بصناديق الذخيرة.
ولا أدري من أين جاءت تلك الفرية التي تختصر النظام الديمقراطي بكل خصائصه التي جعلت منه أفضل نظام لإدارة الحكم عرفته البشرية حتى اليوم في “صندوق” تصويت خارج سياق الممارسة الديمقراطية السليمة المستندة على قاعدة متينة من نظام يقوم على فصل السلطات واستقلالها, وسيادة حكم القانون, والعدالة, وتكافوء الفرص, والمساواة والمحاسبة والمساءلة, وأهم من تلك الضوابط المؤسسية للممارسة الديمقراطية السليمة توفر الإرادة السياسية الحريصة على استدامة وسيادة الإرادة الشعبية الحرة, وليس التحايل على استدامة كرسي الحكم للباحثين عبثاً عن الخلود في السلطة, ويعزز سياجها المتين توفر قاعدة اجتماعية متمتعة بثقافة ديمقراطية راسخة في السلوك الإنساني يحرص على احترام الرأي الآخر والدفاع عنه كما يحرص على رأيه والدفاع عنه.

tigani60@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً