زرياب عوض الكريم
تعقيباً على المقال الذي كتبه الأخ العزيز الدكتور الوليد مادبو حول (أوهام نيروبي) في نقد إجتماع (إعلان المبادئ) ذي الطابع المدني ، الموقع بتاريخ 24 مايو الجاري ، من قبل قوي حقوقية وسياسية فاعلة في مدينة نيروبي ، بمُشاركة مؤثرة من القائد (عبدالواحد محمد نور).
المُمثل الوحيد الحاضر لقوى الهامش في المؤتمر ، إلى جانب واجهات يسارية وبعثية سابقة من قوات المركز السياسية المدنية (المجمع الحربي الصناعي الإحتكاري للنخبة الشمالية) المُهيمنة ، يمكن وصفهم بأنهم تجمع مُنشقي اليسار والبعث الشمالي.
السمة الرابطة بين أغلب هؤلاء القوى المُتكتلة (السنهوري / فيصل / الدقير أو خالد سلك) ، هو أنهم قوات مدنية من داخل المركز ، لا تحمل السلاح ، لكنها لا تزال تحمل أوهام الكتلة الإستيطانية في الخرطوم سابقاً ، من تحالف جُزء السودانيين المُلونيين ، مع الأقليات البيضاء. في شرق وشمال السودان.
أوهامهم عن الشرعية الإستعمارية والسيادة الأصلية على الشُعوب السودانية ، التي حصلوا عليها منذ الأربعينيات ، في أعقاب هزيمة حركة على عبداللطيف – عبيد حاج الأمين (1924).
ومن حُسن الحظ أن عائلات الأحزاب الطائفية المنشغلة هذه الأيام ، بالمساومة مع الجيش ومشاركته دولة الغنيمة ، لم تشارك في هذا الإعلان.
أشار الوليد مادبو ، إلى أن نقطة ضعف هذا الإعلان هي (الخطابة السياسية) وطبيعة (الحركة الإجتماعية) التي تقف وراءه.
وبالتالي لا يُمكن لهُؤلاء الذين تعودوا على الموائد السياسية وأعتادت على تسكُعهم في حواريها الدولية والإقليمية والإستعمارية إلخ منذ الأربعينيات ، إيقاف هذه الحرب الأهلية الشاملة أو إمتلاك القوة الحاسمة critical mass ، لسد (فجوة الفعل) التي يعانون منها.
لكنه أهمل مُذهلاً عن مسألة مهمة للغاية يجدر بنا توضيحها ، وهي فشل قوة الدعم السريع خلال عامين تقريباً في الخرطوم ، وعامين آخرين في نيالا والفاشر والنهود والكرمك وبارا إلخ. في الإستيلاء على السُلطة من (المركز).
عامين من إعلان تحالف تأسيس (المشؤوم) في فبراير 2025 ، رغم توافُر الإمداد المتحرك له ، من أربعة دول حدودية مجاورة لغرب السودان وجميع دول شرق إفريقيا قاطبة.
.. من بناء منطقة آمنة واحدة أو منطقة مُحررة في خدمة المواطنين والمُقاتلين معاً ، إقامة حُكم محلي راشد ، في الهامش الريفي.
(نموذج صوماليلاند أو بونت لاند أو كردستان العراق ، أو حتي جُمهورية مخيمات البوليساريو الصحراوية).
ولم نقل شيئاً عن نماذج كوبا الثورية (النماذج الكوبية) ، من بيونغ يانغ إلى إريتريا.
الذي يوازيه أيضاً فشل الجيش الشمالي (جُمهورية الضباط الشماليين منذ 1958) ، عن تحويل حاضنته الإجتماعية في جُمهورية بورتسودان ، التي تنحصر مساحتها في ستة ولايات إقليمية لا أكثر في طريقها للتناقُص ، بما يُشكل ثُلث مساحة السُودان فقط.
.. عجزه الظاهر عن تحويل منطقته الآمنة المذكورة ، إلى (نموذج كوريا الجنوبية) التنموي ، أو حتى (جُمهورية جنوب فيتنام) الساقطة.
بدلاً عن الإستثمار في إخضاع الحواضن الإجتماعية ، المُتمردة على سيادته الإثنية (ماقبل الويستفالية).
المُتمردة على نُخبته العسكرية والمدنية منذ السبعينيات للمفارقة ، في كردفان المحاذية لحدود أم درمان وكوستي وجبل المقينص.
.. عن الإستثمار التنموي – التاريخي ، في لحظة المُساعدات المفتوحة والإمداد اللوجستي المفتوح ، من الدول التركية / المصرية / الجزائرية / السعودية / القطرية / الكويتية ، ومن دول آسيوية أخرى وقليل من الدول الإفريقية.
وهذا لا يمكن أن يتحقق بدون (تمدين) المركز (جمهورية الضباط الشماليين) ، أو نزع نموذجه – الستاليني- منذ (1958) ، ونزع – النزعة العدوانية – لنظامه العسكري الهجين , Diarchy system.
الأمر الذي يجب أن يحمله ويُساعده بسرعة أقل مما إستغرق الأمر في جنوب السودان ، على الإعتراف بسيطرة قوات (حكومة تأسيس). على إقليمي غرب السودان ، الحركة الشعبية على جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ، كقُوة أمر واقع مُوحدة ، يسهُل التفاوض معها.
(على أن يُترك أمر التمثيل الإجتماعي لشعوب هذه المناطق كشأن داخلي و تدبير الأمم المُتحدة كوسيط نزاعات).
الأمر الذي سيجعل من حُكومة تأسيس الأولى المؤقتة ، حكومة إقليمية مُتعددة الأطراف (حميدتي – الطاهر حجر – سليمان صندل – الهادي إدريس – عبدالعزيز الحلو) ، لا حكومة وطنية في المنفى ، تنازِع على إغتصاب عرش الحاكم العام الإستعماري سابقاً ، في (الخرطوم).
ويُسهِّل من أمر إنتقال الضباط المهنيين خريجي مدرسة الكلية الحربية و دفاع السودان سابقاً ، في الجيش من أبناء غرب السودان ، إلى الطرف الآخر والضفة الأخرى.
لتأسيس جيش مهني في حاميات غرب السودان الساقطة ، بقيادة الجنرالات الكباشي وإبراهيم جابر والغالي والصادق وهارون الخ إلى جانب عزت كوكو وآخرين ، بما يُنهي مشروع الميلشيات القبلية والمأجورة (مُرتزقة الريف) ، الذي يقوده حميدتي وشقيقه ، خُصوصاً بعد صراعهما الأخير الدامي مع عشيرة المحاميد.
(ومُقابله صراع الحلو / عزت مع قبيلة الأطورو).
بدلاً من مشروع البرهان المحفوف بالمخاطر ، لنقل السُلطة جزئياً ، إلى إبراهيم جابر وقيادة الجيش إلى شمس الدين كباشي.
الذي يطيل من أمد الحرب الأهلية (سياق الإنتهاكات المفتوح) ويقود إلى إمكانية إغتيال البرهان نفسه على يد المُتطرفين الشماليين (الإسلاميين) ، على غرار تجربة أنديرا غاندي وراجيف غاندي لاحقاً ، أكثر مما يُساعد الجيش في الشمال على العبور غرباً.
مُهمة هذا الإجتماع المَشكُور في نيروبي ، مهما إختلفنا معه في لغته أو حدود الشجاعة والإعتراف في خطابه ، أو أبدينا ملاحظاتنا على التركيب الإجتماعي لحركته.
هي تحريك المياه الراكدة ، وسد ((فجوة الفكرة)).
التي تمكن هذه القوات المدنية (المُؤثرة) من مُخاطبة الخارج والداخل ، عن هواجس جمهورية الضُباط الشماليين الأساسية ، حول الإنتحار الطبقي (بتعبير أمليكار كابرال) ، الذي تتضمنه بحسبهم المُساومات السياسيَّة الجاهزة المطروحة من (جدة إلى جنيف).
وتحفيز الضمانات الدولية الغائبة ، التي منعت الضُباط المهنيين ، وحتى النُخب المتعلمة (المتعلمين) educated elites ، من أبناء وبنات غرب السودان.
في حاميات الخرطوم والفاشر ونيالا والضعين وبابنوسة والأبيض. في الجامعات والوظيفة الحكومية.
خلال حرب الخرطوم ، من الإنحياز الآلي ، إلى مُجتمعاتهم وإرادتها التاريخية وقياداتها التقليدية (غير المتعلمين) ، منذ عام (1964) ، في الإستقلال الفيدرالي ، عن هيمنة المركز في الشمال.
بالتالي غرض هذا الإجتماع وإعلانه السياسي بتجريد المركز من أدواته (نظام الحكم العسكري – الإرهاب الإسلامي والتطرف الديني – نظام الحكم المركزي إلخ. ).
هو سد فجوة الفكرة في الخارج حول (توحيد أنماط الإستيلاء على السلطة) الغائب ، بعد إنهيار العقد الإجتماعي الآحادي ، على يد نظام الإنقاذ في 1989/1991 ، وتصدير الحل السياسي الممكن مستقبلاً إلى الداخل. (تذليل توحيد أطراف البلاد بطريقة سلمية).
Northernwindpasserby94@gmail.com
