حامد فضل الله / البرليني
مدخل:
في زمنٍ تتراجع فيه مساحات الحوار الحر، وتضيق فيه المنابر المستقلة، يكتسب التذكير بالتجارب التي صمدت طويلاً معنى خاصاً. ومن بين هذه التجارب يبرز «منبر السودان»
، الذي ظلّ، على مدى خمسة وعشرين عاماً، مساحة مفتوحة للنقاش والتلاقي الثقافي والفكري بين السودانيين وأصدقائهم، بعيداً عن الاستقطاب والوصاية، وقريباً من روح المسؤولية والاحترام المتبادل.
وخلف هذا الجهد المتواصل وقفت السيدة الفاضلة مارينا بيتر، بمعية زميلها هيرمان، بإخلاص نادر ومثابرة يومية، فكان المنبر ثمرة عمل دؤوب وإيمان عميق بقيمة الكلمة الحرة ودور الثقافة في بناء الجسور بين الشعوب.
إن استحضار هذه التجربة اليوم ليس مجرد وفاءٍ للماضي، بل هو أيضاً تصحيحٌ لذاكرةٍ حاول البعض تشويهها. فقد شهدت سنوات حكم الإسلامويين نشر مقالٍ بقلم أحد صحفيي نظام الإنقاذ، تضمّن اتهامات ملفقة وحمَل لغةً تفتقر إلى المهنية والأخلاق، في نموذجٍ مؤسف لما يمكن أن تنحدر إليه الصحافة حين تفقد استقلالها ورسالتها.
ومع ذلك، واصلت مارينا حضورها الفاعل في الشأن العام؛ فشاركت قبل أسابيع في ندوة كبيرة نظمها حزب الخضر في برلين، بحضور واسع لسودانيين قدموا من بريطانيا والسويد وفرنسا، مؤكدةً أن دور المثقف الحقيقي لا ينفصل عن قضايا الناس ولا يتقادم بمرور الزمن.
وكان من المنتظر أن نلتقي بها مجدداً في الثاني عشر من فبراير/شباط 2026، ضمن فعالية ثقافية يستضيفها الديوان الثقافي بسفارة دولة قطر في برلين، لمناقشة كتاب الباحث الأكاديمي الألماني د. يوهانيس تسيلنغر الذي صدر حديثاً بعنوان «المهدي: الدولة الدينية في السودان (1881–1898)»، في حوارٍ مع البروفيسور د. أحمد إبراهيم أبوشوك قادماً من الدوحة \ قطر، على أن تدير مارينا الجلسة. غير أن الفعالية أُلغيت لأسباب وُصفت باللوجستية، بينما تبقى خلفيات الإلغاء أوسع من أن تُختزل في هذا التبرير.
يبقى الأهم أن التجارب الصادقة لا تُلغى، وأن أثرها لا يمحوه الغياب المؤقت. فـ«منبر السودان» لم يكن مجرد نشاط ثقافي عابر، بل كان شاهداً على قوة المبادرة المدنية، وعلى أن الحوار الحر يظل دائماً ممكناً، مهما تعاقبت الظروف.
كلمة أُلقيت في ندوة احتفالية سياسية بمناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا على منبر السودان
(31. أكتوبر – 2 نوفمبر 2012)
بدعوة من منبر السودان
، حيث نجتمع سنوياً في مدينة هيرمانزبورج (Sudan Forum) و Sudan Focal Point – Europe
هذه المدينة الصغيرة الهادئة الجميلة في ولاية ساكسونيا السفلى لنتحاور ونتناقش حول قضايا السودان.
على مدى ربع قرن كنت بينكم دائمًا مستمعًا جيدًا ومراقبًا دقيقًا للمحاضرات والمداولات، ولعل ذلك يرتبط بطبيعتي المهنية كطبيب. أمّا اليوم فأقف لأول مرة على هذه المنصة متحدثًا.
بدأنا عام 1987 مجموعة صغيرة، ثم أخذ عددنا يتزايد عامًا بعد عام، حتى ضاقت بنا القاعة الكبيرة. كان أغلب الحضور من السودانيين المقيمين في الغربة: من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا وأمريكا، ومن داخل السودان أيضًا، إلى جانب أصدقاء ألمان ومن جنسيات أخرى يهتمون بقضايا السودان، وبعضهم عمل في بلادنا خبراء وفنيين.
اتسمت المحاضرات، التي قدّمها خبراء وأكاديميون وسياسيون، بالتنوع والعمق والقيمة العلمية، وكانت المناقشات حادة أحيانًا، بل استفزازية أحيانًا أخرى. ومع ذلك، ظلت لقاءاتنا تسودها روح ودية دافئة، تمتزج فيها المحبة بالمرح، خاصة في أمسيات السمر وتجاذب أطراف الحديث. إنها، بحق، ظاهرة سودانية بامتياز.
ولولا مبادرة مارينا وهيرمان وجهودهما المتواصلة وإصرارهما لما استمرت هذه الندوة كل عام، بل ولما تطورت من عام إلى آخر. فقد كانا يختاران المحاضرين بوعي، ويؤمّنان الدعم من مؤسسات المجتمع المدني الألماني، ويبذلان من صحتهما ووقتهما وأسرتيهما الكثير. ما تحقق هنا لم يكن عملًا تنظيميًا فحسب، بل كان فعل محبة والتزام أخلاقي نادر.
ورغم سنوات الغربة الطويلة، ظل اهتمامي بالشأن السوداني حيًا، وكانت هذه اللقاءات تمدّني بمعلومات ثمينة، وتمنحني في كل مرة أصدقاء جدداً
ومن الطريف أن نلتقي أحيانًا بسودانيين كانوا يدافعون بشراسة عن الوضع القائم، ثم نراهم بعد سنوات في صفوف المعارضة، والعكس بالعكس. مراجعة المواقف أمر صحي وصادق، شريطة ألا تتحول إلى انتهازية أو مصلحة ذاتية أو ادعاء فارغ.
كنت ولا أزال من دعاة وحدة السودان، ولهذا كان يوم 9 يوليو 2011 يومًا حزينًا بالنسبة لي. لكن عندما يختار شعب جنوب السودان الانفصال بنسبة كاسحة بلغت 98%، وهو رقم يعكس حجم الظلم والتهميش الذي عاناه، فلا يسعنا إلا أن نحترم إرادته ونرجو له مستقبلًا أفضل. ولا أرى في ذلك تناقضًا، بل انسجامًا مع حق الشعوب في تقرير مصيرها.
صحيح أن الحزب الحاكم يتحمل المسؤولية الكبرى عن الانقسام وتدهور البلاد، لكن أزمتنا أعمق من حزب واحد؛ فهي تراكم تاريخي من الإخفاقات السياسية والفكرية منذ الاستقلال. وما تزال السلطة تستمد قوتها من ضعف المعارضة وتشرذمها وغياب رؤية موحدة بديلة.
وفي مواجهة هذه الأزمات، أتساءل بعفوية:
أين السياسي الصادق الذي يجمع ولا يفرق؟
أين المتدين الذي يستلهم دينه في نقاء ضميره لا في استغلال السلطة؟
أين اليساري الملتزم حقًا بقيم العدالة؟
أين المفكر الناقد الذي يهدم البالي ويشيّد الجديد؟
إنهم قلة في بلادنا.
لن نتقدم خطوة إلى الأمام ما لم نصالح أنفسنا مع الماضي ونواجه الحقيقة بلا تزييف.
يقول الشاعر الألماني هاينريش هاينه:
“المهمة الأساسية للأدب هي صياغة الأسئلة، فالأدب لا يقدم أجوبة”
وطرح السؤال الصحيح هو بداية الطريق إلى الإجابة الصحيحة، وهذا ما نفتقر إليه.
لشمال السودان وجنوبه تاريخ مشترك طويل لا يمكن محوه. وإمكانية استعادة الوحدة ليست خيالًا، لكنها لن تتحقق إلا في ظل ديمقراطية حقيقية تقوم على المساواة وحقوق الإنسان وتداول السلطة وحرية الضمير والعقيدة.
يقول الفيلسوف يورغن هبرماس إن حياد الدولة تجاه العقائد هو الضامن لحرية الجميع، فلا يحق للعلماني إنكار إسهام المتدين، ولا للمتدين إقصاء غيره.
كما أن كرامة الإنسان يجب أن تكون في صدارة القيم. ففي الدستور الألماني:
“كرامة الإنسان لا تمس، وكل سلطات الدولة ملزمة باحترامها وحمايتها.”
الخلاصة: الحرية أولًا… ثم الوحدة
وعندما أتحدث عن الوحدة أتذكر حلم جون قرنق.: سودان واحد
وأتذكر فيلي برانت وهو يقول بعد سقوط جدار برلين إن ما فُصل بالقوة سينمو معًا من جديد.
وأستحضر أبيات ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلًا من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
كلاهما يتحدث عن الشيء نفسه:
ألم الفراق… وأمل اللقاء.
أعلم أن حلم الوحدة بعيد المنال الآن، لكن التاريخ يعلمنا أن ما يبدو مستحيلًا اليوم قد يصبح واقعًا غدًا
وأخيرًا …. …
كما بدأت بالشكر، أريد أن أختم به
إذا كان لي أن أتحدث نيابة عن السودانيين جميعًا، فسأقول إن الكلمات تعجز عن التعبير عما نشعر به تجاه مارينا وهيرمان. ما قدّمتماه لنا لم يكن مجرد تنظيم لندوة سنوية، بل كان بيتًا معنويًا جمعنا، ومساحة حرية حافظت على صوت السودان في المنفى، وجسرًا إنسانيًا ربط بين شعبين بمحبة صادقة.
لقد منحتُمانا وقتكما وقلبكما بلا مقابل، وآمنتما بقضيتنا كما لو كانت قضيتكما الشخصية.
مارينا… هيرمان…
لسنا ممتنين لكما فحسب، بل نحمل لكما مودة عميقة ووفاءً دائمًا.
ستظلان جزءًا من ذاكرتنا ومن تاريخ هذا المنبر، ومن قصص صداقاتنا، ومن أجمل ما حملته لنا سنوات الغربة.
ومن القلب، وببساطة السودانيين التي تعرفانها:
شكرًا لكما.
E-mail: hamidfadlalla1936@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم