تناقض السر بابو ما بين الطرح النظري والموقف السياسي

صديق الزيلعي
أواصل الحوار مع الزميل والصديق السر بابو. وأؤكد، منذ البداية، انه شخص مهموم بالقضايا العامة، منذ ان كان طالبا بجامعة الخرطوم. ولكن ملاحظتي الأساسية حول طرحه، هي وجود تناقض واضح، بين موقفين. فهو عندما يجادل شخص آخر أو يكتب عن قضايا فكرية كلية، يكون معقولا رغم ميله للتجريد واطلاق الاحكام الشاملة، والتركيز على العناوين العامة، بدون الدخول أكثر في عمق القضايا وربطها بالواقع. ولكن في الممارسة السياسية يتحول الى ماركسي لينيني حازم، متمسك بكل أطروحات النظرية. خلال النقاش، في اطار المناقشة العامة التي ابتدرها الحزب الشيوعي، وأيضا خلال التحضير للمؤتمر الخامس للحزب، كتب بعض المقالات الممتازة والمتماسكة. لكن بعد المؤتمر السادس وفي كتاباته السياسية، الراتبة، نجد السر الآخر.، الذي لا يتزحزح، قيد أنملة، عن الموقف السياسي الماركسي اللينيني. واكثر الأمثلة وضوحا هو قيادته العملية ودعمه المطلق للخط اليساري الحالي للحزب الشيوعي، منذ الفترة الانتقالية وحتي الآن، خلال الحرب. والتمسك بموقف رافض لاي عمل مشترك مع القوى المدنية المناهضة للحرب.

كتب الزميل السر بابو فقرة ممتازة واتفق معها تماما، وهي:
” على أن العلاقة بين البنية التحتية والفوقية معقدة ومتشابكة وذات تأثير متبادل، صحيح ان البنية التحتية لها تأثيرها على البنية الفوقية، ولكن البنية الفوقية ايضا لها تأثيرها في البنية التحتية، فالعلاقة ديالكتيكية بحيث يصبح من الصعب الحديث عن ادنى واعلى وخاصة في مجتمعات ما قبل الرأسمالية”
رغم صحة الملاحظة أعلاه، نظريا، نأتي لملاحظة أساسية في نشاط أغلب الماركسيين السودانيين، وفي اطروحات الحزب الشيوعي نفسه، والسر احد قادته، مما يؤكد مسئوليته الشخصية عن ذلك المنهج، وهي اعتمادهم الصراع الطبقي كمحرك للتاريخ والعنصر الوحيد والمركزي في كل تحليلاتهم، وإلغاء كل العوامل الأخرى غير الاقتصادية. من يقرأ وثائق وبيانات الحزب الشيوعي، وكتابات السر يلحظ ذلك بوضوح. ونرى انه منهج، يتمسك بأساسيات الماركسية اللينينية، ويلغي أو يتجاهل اسهامات ماركسية أساسية مثل كتابات أنطونيو قرامشي ومدرسة فرانكفورت وتيار الشيوعية الاوربية واليسار الجديد. وهو تيار ينتمي لمدرسة الماركسية اللينينية التي تعتمد على كتابات لينين والتجربة السوفيتية، باعتبارها النموذج والبديل للنظام الرأسمالي.
يضيف الزميل السر حول المفهوم المادي للتاريخ ويكتب:
” أشار انجلز في خطابه على قبر ماركس أنه مثلما اكتشف داروين قانون تطور الأنواع بالانتخاب الطبيعي، اكتشف ماركس قانون تطور المجتمع البشري”
اعتقد ان ما قاله انجلز امام قبر صديق العمر هو تعبير صدر في لحظة انفعالية. فاذا كان ماركس اكتشف قانون تطور المجتمع، يصبح كل ما كتبه عن تطور المجتمع، جزء من القوانين العلمية التي اكتشفها. فمثلا مراحل تطور المجتمع، رغم مركزيتها الاوربية، الا ان الاشتراكية لم تحدث في اكثر المجتمعات التي تطورت فيها الرأسمالية، وكان ماركس يقول بان بريطانيا هي اول من سيتطور الى الاشتراكية. لكن التاريخ أوضح لنا أن الاشتراكية حدثت في اكثر بلدا اوربا تأخرا، وهو روسيا. وحتي في ذلك البلد تقهقرت وانهارت، رغم ان خروتشوف كان يقول ان الاتحاد السوفيتي سيدخل مرحلة الشيوعية في عام 1980م، أكرر عام 1988، سيبدأ المجتمع الشيوعي بكل ما كتبه ماركس عن نوع الحياة في ذلك المجتمع الذي يمثل الفردوس الأرضي. وكذلك أطروحة الثورة البروليتارية العالمية، والتي لم تتحقق، مما جعل ستالين ينظر لرؤية الاشتراكية في بلد واحد.
أضاف الزميل السر في حديثه عن المفهوم الماي للتاريخ، ما يلي:
” في علم الاجتماع على سبيل المثال كانت مساهمة عالم الاجتماع مورغان الذي درس المجتمعات البدائية للهنود الحمر بعد أن عاش وسطهم لمدة عشرين عاما، استند انجلز على تلك الدراسة في مؤلفه: أصل الدولة والعائلة والملكية الخاصة (1884)”
هذا مثال صارخ للتعامل مع كتابات ماركس وانجلز كنصوص نهائية. فمثلا أنجلز اعتمد على كتاب صدر في زمن سحيق، وحتى كتابه الشهير بعنوان: ” أصل العائلة والدولة والملكية الفردية” صدر في عام 1884م. ولا يزال معظم الشيوعيين، وضمنهم الزميل السر، يستخدمونه كمرجع أساسي حول قضية المرأة. يتم ذلك رغم تطور الحركات النسوية في العالم وظهور تيارات نسوية منها، ما يطرح المسألة في اطار العداء والتناقض مع الرجال، وأخريات من النساء السود يطرحون مفهوما مختلفا ينتقد النسويات الاوربيات وطرحهن، وهناك تيار نسوي إسلامي. كما ان هناك اقتصاديات ينظرن لقضية عمل المرأة، في المنزل، غير مدفوع الاجر، بل يحاولن اجراء حسابات اقتصادية بقيمة ذلك العمل المجاني. وغيرها من عشرات من الاجتهادات، التي يصيب بعضها، ويضمحل الآخر، ولكننا لا زلنا نقف في محطة كتاب انجلز الصادر في 1884م.
نواصل الحوار

siddigelzailaee@gmail.com

عن صديق الزيلعي

صديق الزيلعي

شاهد أيضاً

الحوار مع د. ناهد: أزمة المثقف والحزب الشيوعي

صديق الزيلعييتواصل الحوار مع الدكتورة ناهد محمد الحسن حول مقالها الهام: أين ذهب الرفاق؟ وتعرض …