المارة يقولون: “الله يطّلِعنا من كترة (بَيِّن) والباقي هين،
(بَيِّن) يلاحقهم ويقول لهم بعد أن أخافهم:
بَيِّن مالَ، ما أخضر، طويل ولين.”
(أسطورة شعبيية)
لن أحوج القارئ إلي رسم بياني أو صورة ثلاثية الأبعاد كي أشرح له العلاقة بين المُنْبَّت والمقطوع (مقاطيع جمع مقطوع وهو تعبير دارجي لمّاح يشير لشاكلة المارقين الذين تجمعوا في القصر الجمهوري للاستماع لهرطقة المخبول إياه)، فالمُنْبَّت تحلل من القيم ولذا فقد سهل عليه الاستعانة بالمقطوع الذي انقطعت صلته بجماعته وعظمت حيرته فاستسهل الذنب ولم يجد رضا نفسه إلا في سعادة سيده. وها هو سيده يحبطه في كل مرة ويبين له أنه ليس على قدر المسؤولية، الأدهى أنه لا يمتلك الشجاعة للاعتراف بهذا الأمر.
تصوّر أن مجرماً تكاد تطاله محاكمة دولية يلقي خطاباً بالقصر الجمهوري عشية يوم الجمعة الموافق 22/فبراير/2019 يُنَصِّب فيه نفسه أباً روحياً مهمته استنقاذ البلاد من المحنة (بمعنى أنه يضع نفسه في خانة المهاتما غاندي وجورج واشنطن ومانديلا)، والجماهير لا تنفك تتظاهر يومياً مدة شهرين مطالبة إياها بالتنحي وهو بعد لم يكد يبرح خانته في الإفك. إن تنحي البشير ليس في مصلحة الجماهير لأنه يعطي “الجماعة” فرصة لاستعادة أنفاسها. وقد قلت ذلك مرارا وأشرت إلى أن الهزيمة البيّنة أفضل من نصف الانتصار. يجب أن لا نحث هذا المقطوع على الاستمرار في هذا العبط لكننا يجب أن نكون مدركين لتلكم الألاعيب التي تبتكرها المجموعة إياها وأن نكون مصممين على استئصال الداء، وإن عظُم على البعض تذوق مرارة الدواء.
يتسأل المرء عن طبيعة التحالف الذي كان يوماً بين الاسلاميين في السودان، هل كان تحالفاً عقائدياً المقصود منه استعادة دولة الخلافة؟ هل كان تحالفاً أخلاقياً المقصود منه تقوية الرابطة الإيمانية مثلما هو الحال بالنسبة للسادة المتصوفة؟ هل هو تحالفا مصلحياً القصد منه ترفيع طبقة معينة والترقي بها تدريجياً نحو مدارج النبلاء والوارثين؟ هل هي محض صدفة تاريخية التي أفرزت الانتهازية السياسية الحالية؟ كيف انحدر الأمر إلي درك سحيق جعل من كل هذه الغايات محض افتراء استغلها البعض وجَيَّرها لخلق تحالف من المُنْبَّتين الذين باتوا يخشون علي دولتهم من السقوط، أكثر من خشيتهم علي أنفسهم من المروق (بمعني الخروج من الملة)، أو مفارقة ثوابت الأمة المتمثلة في الحرية والكرامة الإنسانية.
لم يستطيع السودانيون التعافي واستعادة صفائهم الروحي وحيويتهم الاجتماعية إلاَّ بعد أن نفضوا الدرن الذي علق بجلباب دولتهم فاستحالت المهدية إلى فكرة وطنية. اليوم، وبحكم العلمنة التي حصلت للعقل الإنساني، يستطيع الفرد السوداني التنقل في ربوع المؤسسة دون وصاية، فقط الاحتكام إلي الدستور. إن التدافع يكسب النص الإلهي بشريته في التداول ويلهم الكائن البشري حجته في التعاطي مع شأن الحياة تلبية لحاجيات البشر واستنظارا لوعد الأخرة.
إن حضارتنا هي حضارة روحية، ودولتنا دولة رسالية خاضت حروبا وسيرت جيوشا وقفت على أعتاب فلسطين لكن ذلك لم يكن بدوافع كسبية نفعية أو توسعية إمبريالية. فما بال أقوام يتخذون من أرضنا منصة لفرض أيديولوجيتهم الدينية؟
إن الحديث عن الدولة المدنية هو رد فعل ساذج على المفهوم الثيوقراطي الذي مارسته العصابة في السودان، فالدولة لا تقوم فقط بمهام خدمية، بل إن من صميم رسالتها رعاية المؤسسات للقيام بدورها في بعث المكنون الأخلاقي والروحي للشعب. كلما انتقلنا إلى دائرة تصميم السياسات كلما كان الأمر واضحاً. مثلاً، بريطانيا يمكنها أن توفر نسبة مهولة من ميزانية الصحة لو أن الإنجليز امتنعوا عن شرب الخمر. لكن ذلك لا يمكن أن يتخذ مبررا لإغلاق البارات، فقط التعويل على التربية العلمية، والتنشئة الروحية والأخلاقية وكل حسب مرجعتيه. هذه هي العلمانية التي أدعو إليها، بل وأبشر بها. لا يمكن للفقه أن يتطور إلا في ظل نظام علمي ديمقراطي، لأن إجرائية اتخاذ القرار دينيا وبلورته فقهياً هي أقرب ما تكون اليوم لدورة تصميم وتنفيذ السياسات التي تأخذ في الاعتبار أهمية التنسيق بين الجوانب العلمية، القيمية المجتمعية والسياسية. وهذا المجهود الشوري هو مجهود قاعدي في المقام الأول، بيد أن المجموعات الإسلامية استخدمت مؤسسات الدولة الحديثة وسيلة لفرض وصاية أفقدت الفقه حيويته وجعلت من “الشريعة” أداة لقمع المواطنين.
عليه، يجب أن يتجاوز مشروعنا التنموي مشروعية النقد للإسلاميين. إذ لا يمكن أن تبني مجموعة مشروعها السياسي على نقض التجربة الإسلامية في الثالثين الماضية ولا حتى تتبع جذر المشكلة الذي يرجع الى 150 عاما وما قبل ذلك إلى أولئك النفر الذين كانوا يتوقفون الى الصلاة التي تتضمن الصلاة الإبراهيمية، يصلون على محمّد وال محمّد، وعندما يؤدون التحية يلتفون يمنة فيرون دم الحسين يَقْطُر من رأسه المحمولة في الجراب القابع في ظهر الجمل، ويلتفتون يسرة فيرون أل محمد أسرى مقيدين في الأغلال. هؤلاء الاسلاميين يتلفتون يمنة فيرون شبح الأستاذ محمود معلقا في الحبل ويلتفتون يسرة فيرون شعوب دارفور تقطن 70 معسكرا للنزوح. لابد من تفكيك هذا الماضي الأليم للنظر في كيفية التعاطي بموضوعية مع الفتوح التي حدثت للبشرية، مثل الديمقراطية، المؤسسية وحقوق الإنسان.
يُغْني الإسلاميون عن التفاكر في شأن الثورةِ التشاورَ في شأن العلل التي صحبت نشأة تنظيمهم، سيما التنقيب عن الخلل في منهجية تفكيرهم، والتباحث في العطب الذي تمكن من مرابط عقولهم ونفوسهم، فهذا من شأنه ان يساعدهم في التصالح مع ذواتهم، والتعرف علي سبل مثلى للتواصل الحيوي مع الأخرين، فلا معني لمصلحة يسعى المرء لتحقيقها دون أن يكون ورائها هدف أسمى، ولا مغزى من المحاولة لجبر الضرر دون أن تكون هناك محاولة أمينة للاستماع للمتضرر (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)(الأنفال: 23). المتضرر قالها واضحة، والجماهير فكّت شفرة النضال ووضعت حداً لمحاولات المقاومة الحلزونية التي اتبعتها المعارضة الشمالية والحركات الدارفورية طيلة الحقبة الإنقاذية بقولها: تسقط بس.
هذا الشعار ليس شعاراً عدمياً، بل هو شعار حيوي يرمي إلي غاية محددة: التخلص من المنظومة بأكملها: شخوصاً ومؤسسات ونماذج وأيدولوجيات وتحالفات. وقد عبروا عن هذه الفكرة بطرق عديدة وفي مناسبات وأماكن شتى. وها هو جمهور السودانيين يخرج في تظاهرة فريدة في شمال أمريكا وفي مدن أوروبية مختلفة معبراً عن وعيه السياسي العالي وعن تطلعاته الإنسانية السامية. وها هي السفارات التي من المفترض أن تمثل جسر التواصل الحضاري والإنساني بين الشعوب تستحيل إلي أوكار يحاصرها المهاجرون، وها هم السفراء الذين كان من المفترض أن يكونوا نجباء يسعون لتحقيق المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الحيوية للشعب السوداني يستحيلون إلي مخبرين تحاصرهم، بل تعزلهم النخب الواعية فلا يكادون يحضرون مسجداً أو مكاناً عاماً حتي تعلو الأصوات منددة بمواقفهم المخزية ضد الأمة السودانية خاصة وضد الإنسانية عامة.
عبّر السيد محمد الحسن محمد عثمان عن هذا الأمر بقوله: “وحقيقة لو وصفت مظاهرات واشنطن فهي مظاهرات الوحدة الوطنية والتلاحم صممت فيها هتافات لتداوى جراح الوطن هتافات لجبال النوبة وجنوب النيل الازرق ولدارفور وكانت لوحه رائعة مشاركة مواطني هذه المناطق مشاركة فاعلة وبحماس وتجاوزنا الجراحات وحقيقة كان عرس السودان حتى بسيرته فقد تحرك الموكب من امام الكونجرس حتى البيت الابيض والجميع يهتفون ويغنون ويشبه ذلك السيرة فى الأعراس السودانية وحقيقة كان الفرح طاغيا والسودان متوحدا يملأ شوارع واشنطن هتافا وغناء وتلاحما فقد وصل الحد بالإنقاذ انها بثت الفرقة بين ابناء الوطن الواحد” (سودانيز اون لاين، المقالة بعنوان عرس السودان امام الكونجرس والبيت الابيض).
لا يتخذ السودانيون موقفاً متشدداً إلاَّ وهم مرغمين، ولا يلجؤون إلي المواجهة إلاَّ وهم متحسرين، فليس المشاترة من طبعهم بل الموافقة والتفاكر في السبل المثلي التي يمكن أن تتطور بها المشتركات من أصلهم، بحكم التربية العشائرية والدينية الصوفية. وقد رأيتهم في مواقف كثيرة مرّت بي في حياتي الخاصة والعامة يحتفون بالشخص المسؤول، ويجلونه، لأن القيادة في تراثهم ارتبطت بالبسالة (الفكرية أو الميدانية) والنضج الأخلاقي والروحي. نحن نعيش أزمة نفسية ووجودية هذه الأيام لأننا باللجوء إلي تصرفات من مثل محاصرة السفراء ومجابهاتهم وإذا اقتضي الأمر إساءتهم، فإننا إنما نتخذ موقفاً لا يتماشى مع إرثنا تربيتنا، ومُثلنا العليا. لكننا مجبرون علي احتقار هؤلاء النفر لأنهم ارتكبوا فعلاً مشيناً يصعب علي المرء السكوت عنه دون الإحساس بالمضاضة، ألا وهو اختطاف إرثنا والإساءة إلى ضعفانا وفقرانا.
كان والدي يحرص عند زيارته لأيٍ من المدن التي يرتادها في أجازته الصيفية، أن يزور السفير المقيم، سيما إذا كان من الأشخاص المحترمين والذي ترقوا في سلم الوظيفة وتربوا علي قيم القبيلة (يعني ببساطة إذا كان ود قبايل). وقد كان السفير يتصرف كسيد العشيرة، اختارته يد الإرادة الجماهيرية، لا كمخبر اختارته سبل الاصطفاء الخبيثة. أذكر أنه اصطحبني أواخر السبعينات أو أوائل الثمانينات لزيارة المرحوم السفير أحمد التني، الذي كان وقتئذ سفيراً للسودان بواشنطن. لم يأت المساء حتي جاء أحمد رحمه الله لزيارة أسرتنا، وعندما هم بالانصراف اقترح على والدي استخدام سيارة السفير، فشكره والدي وأعتذر له بأنه يفضل أن يستخدم المواصلات العامة لأنها أسرع وأريح في تلك البقاع.
كان أحمد يرعى الأخوة ولم يكن ينظر إلي حُظوة، وذاك كان دأبهم جميعاً، فالسفير حسن عمر والذي أصبح من بعد نائباً عاماً لم يكن أقل حفاوة بأسرتنا وبالسودانيين عموما. يوم أن زرناه في نيروبي في السبعينات لم يبرح ساحتنا وظل يتفقدنا حتى غادرنا بعد ثلاثة أسابيع. هذا من الناحية الاجتماعية والتي لم تنتف بالكلية فهناك ما زال بعض السفراء المحترمين وإن كانوا قلة، أمّا من الناحية المهنية فكلهم خاسئن. هل يمكن أن نقارن بين أولئك السفراء أصحاب الإرادة الذين ينفذون قرارهم، وبين سفراء اليوم الذين يستطيع مندوب الأمن في اي سفارة أن يبتَّزهم؟
تخيل أننا ننتدب لقيادة سفارتنا في الولايات المتحدة أمنجي مثل محمد عطا لم ينل من تربيته في الإشلاك غير الحقد الطبقي (وقد كان حريّ به أن يحتفي بالتكافل وقيم الإخاء في تلكم المجتمعات البسيطة والعفيفة)، ومن انتمائه للحركة الإسلامية غير إتقان حيل التفاوت الاجتماعي (التي تمثلت في إقامته حفلاً مؤخراً لمباهات الدبلوماسيين في أرقي أحياء واشنطن في وقت لا تملك فيه الدولة عملة صعبة لشراء الدواء)، في وقت يجري فيه تعديل لنهج الخارجية في العالم كله وإعادة هيكلتها بحيث تمثل السفارات مستودعا فكرياً واستراتيجياً يرفد البلاد باحتياجاتها التي باتت تعتمد في اقتصاداتها علي عقد الشراكات مع الشركات عابرة القارات أكثر من اعتمادها علي بروتوكولات يمضيها رؤساء الدويلات.
قدمت نفسي للسفير البرازيلي في السودان في إحدى المناسبات باعتباري مستشارا للتنمية العالمية فدعاني للالتقاء به في مكتبه. ذهبت إليه وتفاكرنا عن إمكانية توطين البرازيل لتجربتها في تربية المواشي في الحزام السوداني، خاصة دارفور وكردفان، لا سيما أن تكلفة الوقود قد ارتفعت ولا يمكن للبرازيل أن تستمر في الخسارة للإيفاء بعقود تفوق قيمتها 7,2 بليون دولار، قيمة اللحوم التي توصلها للسعودية ومصر والجزائر. كما أن الأرض في البرازيل قد بلغت سعتها القصوى وأي زيادة ستكون على حساب البيئة. أرخى الرجل أذنه لسماع كلامي، فلمّا أن انتهيت قال لي: يا دكتور نعلم كل ذلك. قلت له: ما الذ يمنعكم إذن من الاستثمار؟ قال لي: حكومتكم. قلت له: حرامية مش كدا؟ قال لي: لا أخطر من ذلك …. لا يملكون رؤية. أفحمني الرجل فلم أشأ أن أواصل في الحديث، شكرته ولم أتواصل مع أي جهة دولية أو إقليمية بشأن التنمية في السودان منذئذ.
كنت أبادر بزيارة السفير متما حل بي الترحال في بلدة ما اقتداء بذات النهج الذي سار عليه والدي والذي كان ينظر للسفير على أنه سيد العشيرة في المهجر. حصلت عام 2002 علي منحة “الفل برايت” التي يشرف على إدارتها الكونغرس الأمريكي والتي تتيح للطلاب زيارة بلدان أجنبية لإجراء بحوثهم الأكاديمية، فاستطعت زيارة المغرب في اوائل الألفية الثالثة. قمت بزيارة السفير المرحوم أحمد مكي (حفيد السيد إسماعيل الولي وتقطن أسرته حاليا حي مكي بإمدرمان)، ونمت صداقة متينة بين اسرتينا رغم فارق السن، فكنت أحرص علي زيارته وأجلَّه لا لمنصبه فقط ولكن لجليل قدره وحسن منشئه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم