فيصل بسمة
بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
في الليلة البارحة ، كما في ليالي سابقات ، أبت النفسُ و رفضت الإستجابة لداعي النوم و الإرسال إلى أجلٍ مسمى ، و لما طار النعاس من العيون دخلت النفس في أطوار و أحوال ، و تبعتها في ذلك الذاكرة ، و معلومةٌ الصلةُ الوثيقةُ ما بين الإثنتين ، و يبدو أن النفس في تلك الليلة كانت تتأرجح ما بين الهم و الغم و الإضطراب و الإكتئاب ، لذلك لم يكن من المستغرب أن تلجأ إلى مخزونِ ذاكرتها تستخرج/تستدعي منه أحداثاً غير سارة و مؤلمة و أخرى من شاكلة الهَلَاوِيس و الهَردَبِيس…
هذه التَّخرِيمَات و التَّبرِيمَات هي محاولة لإيجاد رابط أو تفسير لتلك الإستدعآءات ، و حتى لا تصبح مطولة و مملة فقد تم إختزالها إختزالاً عظيماً و إبعاد كل ما هو غير مناسب و مفارق للمعقول…
و أولى تلك الأحداث المختارة هي أغنية كانت ترددها فرقة الكَارُوشَة الغنآئية المنتمية إلى فريق ود أزرق في مدينة ود مدني السني ، و التي يقول مطلعها:
بَرَايَ يا خِلَّا…
أنا من عيني نوم قَلَّ…
و التي تلتها إستدعآءات لأغاني مشابهة/مماثلة تدور معانيها حول السهر و معاناة السهارى ، و يبدو أن النفس المجهدة من السهر قد ظنت/إعتقدت أنها المجهدة الوحيدة في الكون التي جافها النوم!!! ، لكن سرعان ما تبين خطل ظنها/إعتقادها و ذلك عندما تذكرت أن السهارى كثرٌ و خُشُوم بيوت ، و يفوقون في أعدادهم الهم في القلب ، و أنهم يمتدون من عند عاشقي الإناث مروراً بجماعات الحب العذري و محبي الطبيعة و إنتهآءً بناس اللَّالُوب و العشق الإلهي ، و ما بين هذه و تلك و أولئك هنالك: حيران و شيوخ و مجاذيب و مجانين و مماليك و سلاطين ، لكن يبدو أن هنالك فصيل من السهارى شغلتهم أنواع محددة من الحب/العشق ، و دفعتهم إلى مُصَاقَرَة النجوم و عَدَّهَا ، و يظن/يعتقد صاحبنا أنه ربما قد إنتمى إلى هذا الفصيل في زمانٍ ليس بالسحيق ، لكن الشاهد و قرآئن الأحوال تشير إلى أن الدهر و عوامله قد أدخلوا تعديلات عديدة و جوهرية في منظومات قلب و فؤاد و عقل صاحبنا جعلت الخطوط بين أنواع الحب عنده متداخلة و غير واضحة و متماهية حتى إنتهى بها الحال إلى نوع أوحد من الحب يسوق الأنفس سوقاً إلى عوالم الحقيقة و الرضا و الإطمئنان…
و بالرجوع إلى أصل الحكاية/الموضوع و حالة صاحبنا و نسبة لأحوال الطقس و المناخ و طرز البنآء و التصاميم المعمارية لم يُتَاح لصاحبنا ، السهران الذي فارق النوم جفونه ، فرصة النظر المباشر إلى السمآء و معاينة النجوم و مُصَاقَرَتِها و من ثم عَدَّها ، كما أن حالة النفس لم تكن مهيأة للسباحة و الغوص في بحور الرِّيد ، و لذا كانت الإستعاضة و السلوى في المرور/الطواف على الذاكرة و زيارة مخازنها العديدة…
و من تلك الزيارات كان الإستدعآء لواقعة تم ترديدها كثيراً في فترة حكم الطاغية جعفر محمد نميري ، الذي إستولى على السلطة و الحكم بإنقلاب عسكري في الخامس و العشرين (٢٥) من شهر مايو (٠٥) سنة ١٩٦٩ ميلادية ، و لا يستطيع أحد أن يجزم إن كانت الحادثة المروية واقعية أو من تأليف و إخراج خيال شخص لم يكن راضياً عن الطاغية أو نظامه ، و تقول الرواية أن حاجاً سودانياً ينتمي إلى قبيلة الشَّايقِيَة و بعد أن فرغ من الطواف حول الكعبة أسند يده إلى جدار البيت الحرام ، و خاطب رب البيت قآئلاً:
يا الله… الدُّنقُلَاوِي حكم البلد… قيامتك شِنْ رَاجِيبَا…
و ترجمة هذه العبارة من اللسان السوداني إلى اللسان العربي تعني:
يا الله… ما الذي يدعوك إلى إرجآء قيام الساعة و بلاد السودان قد تقلد زمام السلطة و الحكم فيها شخص ينتمي إلى قبيلة الدَّنَاقلَة؟!!!…
كما انتقت الذاكرة واقعة أخرى هي تصريح/عبارة لشخص عراقي في تسجيل متداول في الوسآئط الإجتماعية يبدو أنه من فترة ما بعد سقوط مدينة الموصل و هزيمة مقاتلي دولة الخلافة الإسلامية في العراق و الشام (داعش) حيث قال:
و اللهِ الدواعش …… …
و العبارة بالغة البذآءة و خادشة للحيآء ، لكنها تبدو تعبير صادق و أمين عما كان عليه الحال في فترة حكم (داعش) الباطش…
أما الإختيار الأخير فقد كان من نصيب واقعة شخصية الرجل الإسباني النبيل الذي دفعه/ساقه الإنغماس العميق في قرآءة الأساطير و الروايات القديمة إلى تقمص شخصية دُون كِيشُوت أو دون كِيخُوتِي الفارس الوهمي الذي يختلق المواقف البطولية و خوض المعارك حتى و لو كانت ضد طواحين الهوآء…
و يعتقد صاحبنا أن إنغماسه في السياسة و إنشغاله العظيم بها و معاناته منها و من تفاعله العميق مع الأزمة/المحنة السودانية هو العامل الأساسي و المشترك الذي يجمع ما بين جميع هذه الوقآئع/الإستدعآءات و حالة الإكتئاب التي تصيبه بين الفينة و الأخرى ، و مما لا شك فيه إن إنشغال النفس و معاناتها و أحاسيس الألم يقودها أحياناً إلى مجافاة النوم و السهر ، و إلى الإبحار/السباحة في فضآءات تتخطى خطوط الزمن و المعقول ، و يبدو أن هذا هو ما قاد صاحبنا إلى إستدعآء واقعة الحاج الشَّايقي و إنطباع الرجل العراقي و مغامرات دون كيشوت/كيخوتي و غيرها من مخزونات الذاكرة…
القرآءة الأولية لمخاطبة الحاج الشَّايقِي لرب البيت ، تبين أنها مخاطبة جلفة ، غير لبقة و خالية من الأدب و التهذيب ، و قد قادت إلى عدة إستنتاجات/إحتمالات ، منها أن سياسات: التطهير و التأميم و المصادرة و القمع و الإعتقال و التعذيب و السجن و الإعدامات التي إنتهجها نظام الطاغية جعفر نميري قد طالت الحاج الشَّايقِي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، و سببت له الإحساس بالظلم و المعاناة ، و أفضت به إلى تبني موقف معارض متشدد رافض لنميري و نظامه ، أو ربما أن إنتمآء النميري إلى قبيلة الدَّنَاقِلَة قد هيج كوامن عنصرية/عرقية في نفس الحاج المنتمي إلى قبيلة الشَّايقِيَة لم يقوى إسلامه و إيمانه على طمسها أو تهذيبها ، و أن الغيرة و الغل و اليأس قد بلغت بالرجل مرحلة عصيبة و متقدمة حتى أصبح لا يطيق وجوده في حياةٍ رئيسه فيها دُنقُلَاوِي!!!…
و الشآئع هو أن هنالك عداوة تأريخية ما بين قبيلتي الشَّايقِيَة و الدَّنَاقلَة ، و الغالب أن تلك ”العداوة“ هي من باب التنافس و التغامز و أنواع الدعابة الإجتماعية التي تنشأ ما بين المجموعات الإنسانية و الأقوام التي جمعها الزمان و تشاركت المكان ، و بالنظر إلى ما يدور الآن في الساحة السودانية فهنالك الكثيرون من أفراد الشعوب السودانية دفعهم الإحساس بالغبن من سياسات الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) و أذنابها و ما ترتب على ذلك من النزعات القبلية و الجهوية و العنصرية و العرقية إلى شعور و قناعات تطابق أو ربما تفوق في جلافتها و عدم لباقتها/تهذيبها و فظاعتها شعور ذلك الحاج الشايقي بمراحل عديدة…
و يعتقد كثيرٌ من السودانيين أن ما تسببت به الجماعة الكيزانية خلال عقودها الأربعة من حكم بلاد السودان و ما مارسته و تسببت به من: الفساد و الظلم و القتل و الإبادات الجماعية و التشريد و النزوح و اللجوء و شظف العيش و المعاناة يفوق كثيراً ما عاناه ذلك العراقي من (داعش) ، و أن ما تفوه به ذلك العراقي يقل كثيراً في بذآءته عما تعزم/تريد/تود أن تعبر به الشعوب السودانية عن إحساسها/شعورها و تجربتها و معاناتها من حكم الجماعة و إفرازاتها من حكومات الأمر الواقع في بورتسودان و نيالا…
أما إستدعآء شخصية دون كيشوت/كيخوتي فما هي إلا تجسيد لحالة/لواقع العجز التي أصابت صاحبنا ، و آخرين ، فجعلتهم يتقمصون حالات المصلحين النبلآء الساعين إلى نشر مكارم الأخلاق و الداعين إلى محاربة الظلم و الفساد و إلى إقامة دولة القانون و العدل التي تعمل على تثبيت الأمن و السلام و تحقيق النمآء و الرفاه لجميع الشعوب السودانية في أزمنة علت فيها قيمة السلاح و القتلة و المأفونين و قلت فيها حيلة الحادبين و عجز فيها القادرون عن القيام بواجباتهم و سادت فيها الفوضى حتى قدلت في الساحات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الإعلامية و الرياضية جماعات: العَوَالِيق و العُوقَات و الرَّبَّاطَة و الأرزقية و الأراذل و الأَورَال ، و هذه الكآئنات الغريبة و الأجوآء المحبطة هي ما جعلت صاحبنا ، و آخرين ، يبدون و كأنهم دون كيشوتيون/كيخوتيون يحاربون طواحين هوآء…
و لا شك أن الكثيرين من السودانيين سوف يشكون بثهم و حزنهم إلى الله سبحانه و تعالى ، و يتضرعون إليه طمعاً في رحمته و لطفه و رفع البلآء و المعاناة عن الشعوب السودانية ، و لا شك أنهم ، في تضرعهم ، سوف يكونون أكثر تأدباً و تهذيباً و أقل جلافةً و بذآءةً من الحاج الشَّايقِي و الرجل العراقي ، و يحسبون/يأملون/يعتقدون أن تضرعهم لن يضيع سدى أو يتبخر في الهوآء…
و الحمدلله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
فيصل بسمة
fbasama@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم