ثاقب الطبول تدحره الوحدة … بقلم: منى عبد الفتاح

كيف لا

 

moaney [moaney15@yahoo.com]

 كانت "مشاوير" قناة "النيل الأزرق" ليلة أمس وحدوية بمعنى الكلمة ، إذ حكت عن قصص زواج بين قبائل سودانية في تمازج جنوبي شمالي فريد.مرت بخاطري سريعاً ذكرى الشاعر ليوبولد سيدار سنغور.لا أدري لماذا "سنغور" بالذات ولكن أذكر جيداً أنني عندما ناقشت قصته مرة مع أحد المهتمين قال لي متهكماً : أنه عندما جاءت لحظة الحسم ، توكل سنغور على الحي القيوم وتزوج بفرنسية.لا تقتصر المسألة على عظمة "سنغور" وحدها ولكن الشاهد هنا هو عظمة زوجته الفرنسية التي عندما تزوجها لم يكن قد بلغ المجد الرفيع بعد وهو صاحب الروائع  "ليلة ليلاء" ، "ثاقب الطبول" وغيرها . سليل الزنوجة وفيلسوفها ومؤسس جمهورية السنغال الحديثة دفع الثمن وهو راض ٍكل الرضا وكان تنقله حتى رحيله ما بين داكار ونورمندي بفرنسا.المقاربة غير حصيفة ، ولكن دعونا نجرب، فمثلاً  لو كانت محل الفرنسية زوجة سنغور أو الأمريكية زوجة حسين أوباما إحدى بنات" جعل"  ، إذن لدفن "الغريب" حياً في المحمية.

 عندما تم حسم قضية أبيي في بروتوكول خاص في إتفاقية نيفاشا ، كان من المؤمل أن تأتي بحلول لقضية التمازج بين قبائل بحر العرب من دينكا ومسيرية ورزيقات التي فرقتها الحرب بعد ما كانت مطمئنة في مراعيها.ولكن هذا المأمول كان سياسياً فقط بين أضابير المؤتمرات وكلام الساسة ، بينما كان المجتمع هناك وهو من اكتوى بنار الحرب يقوم بما عجزت عنه السياسة . لا أذكر  أنه جاء على مسامعي ذكر أبيي دونما تُُذكر قصة حب أو زواج جنوبي شمالي ، ولا تُذكر أبيي دون أن يظهر هذا  التمازج والتصاهر بين قبائلها المختلفة.

 إذا كان هناك واجب للتكفير عن بعض خطايا المجتمع السوداني تجاه بعضه البعض ، فدعونا نفتحها صفحة ناصعة يُزال منها كل ما علق بالذاكرة الحية وبتفاصيل علاقاتنا الاجتماعية وما يتردد من أفكار حول شرف القبيلة ووضاعتها على اعتبار جهتها أو لونها.أول ما يجب إزالته ومن غير رجعة هو الأناشيد الشوفينية الموجودة في مكتبة التلفزيون ، مثل "هاك من دار جعل" التي تؤديها فرقة الصحوة ، فأي صحوة هذه التي تنتن أجواء البلد بفتنة طائفية مقيتة. خط الوهم هذا نجده واضحاً بكثافة في قصص الدفاع الشعبي وفي عقائدية الإنقاذ الأولى التي فرقت بين دين ودين وبين قبيلة وأخرى وبين شمال وجنوب. المجتمع السوداني مجتمع مسالم لا توجد في قلبه نوايا خبيثة ولارغبات دفينة في الإيذاء ولكنها سياسة الإنقاذ التي خلقت العدو بذلك الشكل ووحدت كل قبائل الشمال ضده. ثم حسّنت من صورة الحرب إذ جعلتها جهاداً ، وصعدت هي بالوكالة إلى الجنة ثم رجعت لتروي لزوجات القتلى من المحاربين هناك أن أزواجهم هناك مع الحور العين  وتقيم أعراسهم الأرضية أمام ناظري ذات الزوجات المكلومات مرتين.

  انطلاقاً من هذه الخلفية فإننا نحاكم التاريخ لأنه تسبب في وضع تقاليد أقسى من الجلاميد ، ونحاسب الحاضر لأنه ركن إلى سربلة الحقائق بالأوهام وتسبب في الأذى الجسيم للتراث السوداني ومجتمعه الذي من المفترض أن يكون سعيداً بتعدد قبائله . ليلة "النيل الأزرق" انتبهت إلى أن الوحدة عندما فشل خلقها بالسياسة فلا بد من سريانها بعلاقات الدم والمصاهرة.إننا بحاجة جماعية إلى تطهر نفسي أشبه بالتطهر الإغريقي . ومهما تأسينا فيجييء مثل منتدى الوحدة الذي غطته قناة "النيل الأزرق" ليكسر حواجز العلاقات بين القبائل ، وقد لا يطول الأسى ولكن نعزي أنفسنا بقصص كمثل قصة شمالي يتزوج بجنوبية من  أبيي أو العكس.

"أيها الرجل المشؤوم

ذو المنقار الفولاذي

يا ثاقب الفرح

إني أمتلك أسلحة وثيقة

كلماتي الصلبة القاطعة

ستدميك

رقصي، ضحكي، ديناميت يهذي

الكل ينفجر كالقنابيل

سأرديك قتيلا

أيها الغراب الأسود

يا ثاقب الطبول

يا قاتل الحياة"

" ثاقب الطبول لسنغور"

عن صحيفة "الأحداث"

 

 

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً