ثلاث مشاهد … وثلاث جنرالات !! .. بقلم: محمد موسى حريكة


(اذا اشتعل حريقا في بيتك فكيف تلوم فزع الإطفاء او الذين هبوا لإطفائه) ذلكم هو المشهد الاول حينما بدا البرهان في هبته المضرية، وهو يخاطب حفل تخريج القوات الخاصة في (خلاء)المرخيات ، وحين اتي ذكره لما عرف بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في الأسبوع الماضي .
فقد ابتدر البرهان غضبته ليس علي الفئة العسكرية التي دبرت تلك المحاولة ،ولم يدين تلك المحاولة او حتي اشراك الشعب في فك طلاسم ذلك الانقلاب ،ولكنه وجه سهامه وصب جام غضبه علي محمد الفكي عضو المجلس السيادي ،والذي حمل وعلي عجل لواء مقاومة ذلك الانقلاب حينما خاطب الشعب في تغريدة علي (تويتر)ان هبوا للدفاع عن ثورتكم ،وذلك امر طبيعي تمليه واجبات القيادة ، وهو يستنهض شعبه لحماية ثورة ديسمبر المجيدة وفق تلك الوسائل المتاحة ،فهو لايملك دبابات ولا راجمات ،ولكنه يعتمد ما هو اقوي من ذلك بكثير ،وهو الجماهير التي لا زالت تكابد مشقة الطريق من اجل وصول ثورة ديسمبر الي غاياتها رغم ما نشهده من صعوبات الانتقال .
وتلك ليست هي المرة الأولي التي ينبري فيها فردا وطنيا مناديا علي شعبه في لحظة يقظة ثورية ، فلقد فعلها فاروق ابوعيسي في ثورة اكتوبر 1964،وهو ينطلق بدراجته النارية في احياء مدينة أمدرمان مستنهضا لجماهير الشعب وفيما عرف وقتها بليلة (المتاريس )،وقد استطاع الشعب في تلك الليلة هزيمة الردة التي كان يمثلها انقلاب القصر .ولم تكن هناك في ذلك الزمان تغريدات ميديا أو أجهزة اتصال حديثه.
لقد كان لتلك( التغريدة ) وقعها الذي لا ندرك مراميه بالنسبة للبرهان ، وردة الفعل العنيفة تلك، حيث انبري ليعلن (الوصاية) علي الشعب ، كاشفا عن ما يدور في وعيه الباطن من نزوة للاستبداد ، عبر عنها صراحة وليقول لمستمعيه لا احد غيركم يمتلك هذا الوطن ، (ولا شريك لكم )رغم كل تلك المواثيق والدساتير والحبر المراق في تلك النصوص التي تحكم مرحلة الانتقال .
وبهذا المشهد فقد دفع البرهان بالأمور نحو حافة الهاوية غير آبه بحساسية المرحلة ، ولكنه منحنا الفرصة لقراءة تفكيره البنيوي وهو يعيش مرحلة الانتقال بتلك الازدواجية التي ترقي لحالة الفصام او بمعني آخر شخصية (دكتور جيكل آند مستر هايد ).
اما المشهد الثاني الجدير بالملاحظةفقد سجله رفيقه الجنرال (حميدتي) في احتفائية بذلك المواطن الذي عفا عن قاتل ابنه في احدي ضواحي الخرطوم ، وكان لرمزية تلك الاحتفائية معني عظيما بالنسبة له ،اذ غادر الجنرال اجتماعا يجمعه بقائده البرهان ورئيس مجلس الوزراء وقطع الاجتماع في تلك اللحظة الأزمة التي تمر بها البلاد متوجها لتلك الضاحية .
فهناك وجه آخر لتلك المهمة ،ذلك ان هذه الاحتفائية تمثل لديه ،أهمية خاصة ليس بذلك الفهم المباشر لما يمثله العفو عن القاتل كقيمة اخلاقية ،او من جوف برامج العفو والمصالحة وتعزيز البناء الوطني والإنساني ، ولكن الذي يشغله دون شك هو تعزيز (الافلات من العقاب) والذي يمتد من ساحة الاعتصام ،والدهس بالسيارات ، وتصفية المناضلين واصطيادهم ،وليس انتهاء بمجزرة أطفال المدارس في مدينة الابيض اثناء ثورة ديسمبر ،فقد وعد باحتفال في القصر لاعلاء من قيمة ذلك الشخص الذي عفا عن قاتل ابنه ،مع العلم ان حالات العفو والدية والأعراف ،حالة تجري وبشكل عادي في قاموس المجتمع السوداني ، ولكن هذه المرة فان الحالة تقترن بحيثيات ودلالات تفتقد لعنصر البراءة.
ثم انبري الجنرال ليصب الزيت علي النار في تلك الأجواء الملتهبة أصلا ، ويمضي قائلا (الرهيفة تنقد). وهكذا يرتد الي جذره الثقافي في (الدواس)ضاربا بعرض الحائط كل قسم أداه من أجل الحفاظ علي المرحلة الانتقالية وحرج المرحلة وإيراد الي كهوف القبيلة وهو ما (مقطوع من شجرة)كما ذكر ،وهكذا تحدث نائب رئيس المجلس السيادي الانتقالي الجنرال حميدتي!!
المشهد الاخير يمثله الجنرال الكباشي الذي ذهب الي الشرق في أتون أزمة إغلاق الموانئ وأنابيب النفط ،الذي يقوم به (ترك)في اعظم كارثة لتهديد الأمن القومي والتجويع والإرهاب الذي يمثلها ذل ك الإغلاق ، فالمكون العسكري اعتبر ذلك العمل (سياسيا))بحتا،في حين انه تعامل مع المعتصمين وشهداء المتاريس كعمل تخريبي يرقي الي الاٍرهاب وكذلك الثورات الشعبية في الجنوب والنيل الأزرق وكردفان .الجنرال كباشي أثني بشده علي ترك وجماعته ،وأبدى تقديرا عاليا لذلك السلوك الذي وصفه بالحضاري ! دون ان يندد بذلك (الاختناق) الذي يجري علي شرايين البلد الحيوية ! وعاد ادراجه متأبطا ملف مطالب تلك الجماعات ،دون إشارة لحلول سياسية تنهي إغلاق الشرق .
المشاهد تلك تضعنا مع شركاء لفترة انتقالية ترمي لوضع البلاد علي أفق انتخابات نزيهة وديمقراطية مستدامة كما تقرأ المواثيق وإذا كان كل ذلك لا يدخل في تعريفات (الانقلاب )
إذن فما هو الانقلاب !

musahak@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك