باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 28 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

ثمانون شمعة وسط الركام: الحزب الشيوعي السوداني بين مجد التأسيس وتكرار السقوط في اللحظة الحاسمة

اخر تحديث: 27 أغسطس, 2026 10:08 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يقدم هذا المقال تحليلاً نقدياً عميقاً لتاريخ الحزب الشيوعي السوداني خلال ثمانين عاماً من عمره (1946-2026)، مركزاً على المفارقة المركزية التي تطارد الحزب: قدرته الاستثنائية على صناعة اللحظات الثورية الكبرى وإسقاط الأنظمة الاستبدادية، مقابل عجزه المتكرر عن تحويل ذلك الرصيد النضالي والتعبوي الهائل إلى نفوذ سياسي مؤسسي دائم، وإلى ترتيبات سياسية توافقية مستدامة في مرحلة ما بعد سقوط النظام. ينطلق المقال من رفض القراءات الاختزالية التي تتراوح بين التمجيد غير النقدي والإدانة الشاملة، ويدعو إلى قراءة أكثر اتزاناً ترى في الحزب مؤسسة ذات إرث مزدوج: قدرة فائقة على التنظيم والعمل السري والنقابي والتعبئة الجماهيرية، يقابلها قصور بنيوي في إدارة الانتقال من المعارضة إلى التأثير المؤسسي، ومن التعبئة إلى التسوية السياسية، ومن النقاء الأيديولوجي إلى التحالفات العملية الواسعة. يوضح المقال أن هذه الإشكالية ليست معزولة عن السياق السوداني الأوسع، الذي اتسم بتكرار دورات الثورة الشعبية، ثم التسوية الانتقالية الهشة، ثم عودة المؤسسة العسكرية إلى مركز السلطة، مما يجعل تقييم الحزب جزءاً من إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة التاريخية بين المجتمع المدني والعسكر والقوى التقليدية والحركات المسلحة والإسلاميين.

يتتبع المقال نشأة الحزب في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها الاستعمار والحكم الثنائي، مثل نشوء المدن الحديثة، والسكك الحديدية، والتعليم النظامي، ومشروع الجزيرة، والتي خلقت قطاعاً اجتماعياً حديثاً لم يندمج في البنى الطائفية والقبلية التقليدية، مما أتاح مساحة للحركة الشيوعية للنمو. ويشير إلى خلاف المصادر حول تاريخ التأسيس الدقيق، حيث تتراوح بين 1946 و1949، مع إجماع على أن الحركة تطورت تدريجياً من “الحركة السودانية للتحرر الوطني” إلى الحزب الشيوعي السوداني الرسمي بعد نحو عقد. ويركز المقال على أن الحزب انجذب منذ البداية إلى العمال والطلاب والمزارعين والمثقفين في القطاع الحديث، محققاً نجاحاً تنظيمياً ملحوظاً جعله بحلول الستينيات من أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا، مع تقديرات لعضويته تراوحت بين 50 و80 ألفاً بحلول 1971. لكن هذه القوة ظلت محصورة إلى حد كبير في البيئة الحضرية والنقابية، بينما ظلت القوى التقليدية والطائفية مهيمنة في الريف السوداني الواسع، مما شكل قيداً بنيوياً استمر لعقود. كما يناقش المقال استقلالية الحزب الفكرية ومحاولاته تطوير ماركسية سودانية خاصة، والجدل الداخلي المستمر حول سرعة الانتقال إلى الاشتراكية وطبيعة التحالفات الممكنة، مما عكس ازدواجية الحزب ككيان ماركسي وأداة وطنية مناهضة للاستعمار، وحمل بذور صراعاته المستقبلية بين البراغماتية والنقاء الأيديولوجي.

ثم ينتقل إلى ثورة أكتوبر 1964، معتبراً إياها حصيلة تراكم سياسي ونقابي طويل تحت حكم عبود العسكري، حيث طور الحزب استراتيجية الإضراب السياسي العام والعصيان المدني التي أثبتت نجاحها في إسقاط النظام. ويؤكد المقال أن الحزب لم يصنع الثورة وحده بل شاركت قوى متعددة، لكن دوره كان محورياً في التنسيق والتعبئة، مما جعل هذه التجربة نموذجاً للحركات الاحتجاجية اللاحقة. لكن أكتوبر حملت أيضاً بداية مشكلة تحويل الحركة الاحتجاجية إلى قوة قادرة على إدارة التعددية السياسية، مما أدى إلى صراعات مع الأحزاب الطائفية والتقليدية. وفي هذا السياق، يسلط المقال الضوء على الإنجاز النسائي المتمثل في انتخاب فاطمة أحمد إبراهيم عام 1965 كأول امرأة سودانية وأفريقية في البرلمان، ودور الاتحاد النسائي السوداني المرتبط بالحزب في النضال من أجل تعليم المرأة وحقوقها السياسية والاجتماعية، مع الإشارة إلى أن هذه الريادة لم تخل من نقاشات حول استقلالية الحركة النسائية عن الحزب، وأنها تمثل أحد أكثر جوانب الإرث الحزبي قابلية لإعادة التقييم في السودان الحديث.

يتناول المقال بعد ذلك المحطة الأكثر مأساوية في تاريخ الحزب، وهي كارثة يوليو 1971، التي تمثل أقصى حدود التناقض بين قدرته الجماهيرية ومغامرته العسكرية. فبعد انقلاب مايو 1969 بقيادة نميري، الذي ضم عناصر يسارية، دخل الحزب في صراع داخلي حول طبيعة التحالف مع العسكريين، وقاد ضباط شيوعيون بقيادة هاشم العطا انقلاباً مضاداً في 19 يوليو 1971، استمر أياماً قبل أن يستعيد نميري السلطة ويعدم القيادات التاريخية مثل عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق. ويحلل المقال هذه الكارثة كمحصلة لسوء تقدير استراتيجي لطبيعة المؤسسة العسكرية، وللتفاعل المعقد بين العوامل الداخلية والإقليمية والدولية في سياق الحرب الباردة، ويخلص إلى أن الدرس الأهم المستفاد هو أن العمل الجماهيري لا يمكن استبداله بتحالفات عسكرية، وأن الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن يقوم على افتراض ولاء الضباط المتحالفين.

بعد هذه الضربة القاصمة، يتابع المقال مسار الحزب خلال فترة العمل السري الطويلة تحت حكم نميري، ثم عودته إلى الواجهة في انتفاضة أبريل 1985 التي أسقطت نميري، مستخدماً خبرته النقابية في التعبئة. لكن الانتخابات التي تلت الانتفاضة عام 1986 كشفت عن فجوة كبيرة بين القوة النضالية والتمثيل البرلماني، حيث حصل الحزب على مقعدين أو ثلاثة فقط، مما أظهر أن التنظيم النقابي لا يترجم تلقائياً إلى قاعدة انتخابية وطنية، خاصة في ظل أزمة اقتصادية عميقة وحرب أهلية وانقسامات طائفية، كما عانى الحزب من غياب برنامج اقتصادي بديل مفصل وقابل للتنفيذ. ثم انتهت الديمقراطية الثالثة بانقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة الإسلاميين، ليدخل الحزب في ثلاثين عاماً جديدة من القمع في ظل نظام الإنقاذ الذي كان أكثر قدرة على اختراق المجتمع وإعادة تشكيل مؤسساته. ويشير المقال إلى أن سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 شكل ضربة إضافية، لكن الانكماش لم يكن نتيجة الحرب الباردة وحدها، بل للتغيرات الاجتماعية العميقة في السودان، مثل تراجع الطبقة العاملة التقليدية وصعود الإسلام السياسي والحركات المسلحة والهويات الإقليمية، مما جعل الحزب يعتمد على مقاطعة الانتخابات، مما خلق إشكالية استراتيجية في الحفاظ على صلته بالمواطنين.

يتناول المقال مشاركة الحزب في ثورة ديسمبر 2018، التي أسقطت عمر البشير، من خلال تحالف قوى الحرية والتغيير الذي جمع قوى مدنية متعددة. لكن الخلاف سرعان ما نشب حول معنى الثورة، حيث رأى الحزب أن مشاركة العسكريين في مجلس السيادة تعني إعادة إنتاج النظام القديم، بينما رأت قوى أخرى أن التسوية الانتقالية ضرورية واقعياً. اختار الحزب الانسحاب من هياكل التحالف في نوفمبر 2020، مبدياً تشدداً مبدئياً تجاه الترتيبات التي اعتبرها ناقصة، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان الانسحاب هو أفضل وسيلة لتصحيح المسار، أم أن استراتيجية مزدوجة من المشاركة الداخلية والضغط الجماهيري الخارجي كانت أكثر فاعلية. ويتطرق المقال إلى لجان المقاومة كابتكار سياسي واجتماعي مهم، مؤكداً أنها لم تكن تحت سيطرة الحزب، لكن الحزب ساهم في إنتاج المناخ السياسي الذي فضل القطيعة على التسوية، مما قد يكون قد عمق الانقسام المدني. ويخلص إلى أن انقلاب أكتوبر 2021 أثبت أن المخاوف من العسكريين كانت مبررة، لكنه أثبت أيضاً أن المعارضة المدنية المنقسمة عجزت عن بناء بديل مؤسسي سريع.

في تحليله للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، يصف المقال الكارثة الإنسانية الهائلة التي خلفتها، ويدرك موقف الحزب الرافض للحرب ولطرفيها، والداعي إلى وقف القتال والمساعدات الإنسانية والحكم المدني. لكنه يشير إلى أن هذا الموقف، رغم مبدأيته، يحمل خطر التحول إلى عزلة سياسية إذا لم يقترن بجهد لبناء جبهة مدنية واسعة والتفاوض مع الأطراف الفاعلة. ويناقش المقال إشكالية تحالف “تقدم”، التي انقسمت الآراء حولها بين رؤية ترفض أي تقارب مع القوى المسلحة ورؤية ترى في وجود المدنيين على طاولة المفاوضات ضرورة، ويشير إلى تطور خطاب الحزب نحو مشاركة أكثر وضوحاً في المشاورات السياسية ومطالبته بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، مع بقاء السؤال حول قدرته على تحويل هذا الخطاب إلى تحالف عملي.

ثم يغوص المقال في مأزق القاعدة الاجتماعية والجغرافية، مؤكداً أن الحزب ظل قوياً في المدن والقطاعات الحديثة وضعيفاً في الأطراف الريفية حيث تسيطر الحركات المسلحة والطرق الصوفية والإدارات الأهلية. ويشير إلى أن الحرب أعادت رسم الخريطة السياسية، مما يجعل التمدد إلى هذه المناطق ضرورة لبقاء الحزب كقوة وطنية. كما يلفت إلى تغير بنية الطبقة العاملة بفعل توسع الاقتصاد غير الرسمي والهجرة والبطالة، مما يستدعي إعادة تعريف مفهوم الطبقة والعمل ليشمل شرائح جديدة، وإلا سيخاطب الحزب مجتمعاً لم يعد موجوداً.

يقدم المقال مقارنة دولية موسعة، مستخلصاً دروساً من تجارب الحزب الشيوعي العراقي الذي راهن على الخيار المسلح فأضعفه، والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي الذي نجح في التحالف الطويل مع المؤتمر الوطني، والتجربة الإيطالية التي أظهرت قيمة التسوية التاريخية كاستراتيجية لا استسلاماً، والتجربة المصرية التي أكدت ضرورة التكيف مع المجتمع المتغير، وتجارب اليسار الجديد في البرازيل وإسبانيا واليونان التي بينت مخاطر التوسع دون الحفاظ على الهوية والشفافية. ويخلص إلى أن الدرس السوداني يكمن في التوازن بين الانفتاح على التحالفات والحفاظ على آليات القرار والمساءلة.

في فصله عن التجديد، يحدد المقال عشرة مستويات للإصلاح: تجديد فكري يشمل قضايا الاقتصاد الرقمي وغير الرسمي والبيئة واللامركزية؛ تجديد تنظيمي يقلل المركزية ويفتح المجال للشباب والنساء؛ إعادة بناء العلاقة مع النقابات ولجان المقاومة كقوى مدنية مستقلة؛ الانفتاح على الهامش والأطراف؛ إعادة تعريف التحالفات بأنواعها؛ برنامج اقتصادي قابل للحساب والتنفيذ؛ سياسة واضحة تجاه المؤسسة العسكرية تهدف إلى جيش مهني واحد؛ سياسة تجاه الحرب تجمع بين وقف القتال والمساءلة؛ والتحول من حزب الذاكرة إلى حزب المستقبل القادر على مخاطبة الأجيال الجديدة بمشروع طموح.

في تقييمه النهائي، يتبنى المقال منهجاً متعدد المعايير، معترفاً بقوة سجل الحزب في مقاومة الاستعمار والاستبداد، وريادته النقابية والنسائية، لكنه ينتقد تشدده إزاء الديمقراطية التعددية في بعض المراحل وضعفه في الوصول إلى السلطة وبناء التحالفات الواسعة والتكيف مع التحولات الاجتماعية. ويؤكد أن الحزب لم يكرر السقوط في اللحظة الحاسمة بنفس الطريقة في كل مرة، فلكل مرحلة خصوصيتها، لكن التشابه البنيوي يكمن في كونه أقوى في الإسقاط منه في البناء. ويختتم المقال بخاتمة نقدية تدعو إلى احتفال نقدي لا يحصن الحزب من المساءلة، مع إقرار بأن الحزب يتحمل مسؤولية بعض خياراته لكن لا يمكن تحميله وزر انهيار الانتقال أو الحرب وحده، فهي نتاج تراكمات أوسع. ويؤكد أن النقد الأكثر إنصافاً هو نقد “القدرة الضائعة”، حيث كان يمتلك رأس مال سياسي وتنظيمي لم يستطع تحويله إلى نفوذ مؤسسي، ويدعو إلى إعادة تعريف الماركسية السودانية من الداخل، وإدماج الديمقراطية التشاركية والتعددية واللامركزية وحقوق النساء والأقاليم والاقتصاد الحديث والبيئة والرقمنة في جوهر المشروع. ويختتم المقال بالتأكيد على أن السودان يحتاج إلى نظام سياسي جديد قادر على كسر دورة الانقلاب والحرب، وأن أعظم تكريم لثمانين عاماً من تاريخ الحزب ليس الاحتفال بل المراجعة النقدية التي تحوله إلى قوة مدنية ديمقراطية واسعة، وليس مجرد حارس لذاكرة ثورية. ويطرح السؤال المصيري: هل يستطيع الحزب أن يتحالف ويتفاوض ويحكم ويبني المؤسسات دون أن يفقد هويته؟ والإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت الذكرى الثمانين بداية مرحلة جديدة أم خاتمة عصر.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية نقدية: ثمانون عامًا بين القدرة على صناعة اللحظة والعجز عن تحويلها إلى نظام سياسي مستدام

يحتفل الحزب الشيوعي السوداني في أغسطس 2026 بمرور ثمانين عامًا على لحظة تأسيس حركته التنظيمية في 1946، وهي مناسبة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد ذكرى حزبية أو مناسبة احتفالية داخلية، لأن تاريخ الحزب أصبح، منذ منتصف القرن العشرين، جزءًا من التاريخ السياسي والاجتماعي السوداني نفسه. فقد كان الحزب أحد أكثر التنظيمات الشيوعية تأثيرًا في العالم العربي وأفريقيا، واحتل موقعًا استثنائيًا في تاريخ الحركة الوطنية السودانية، والحركة النقابية، والطلاب، والنساء، والثورات الشعبية، كما ترك أثرًا عميقًا في النقاشات المتعلقة بالاشتراكية والديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن الحركة الشيوعية السودانية بدأت في سياق الحركة المناهضة للاستعمار، وأن الحزب لم يكن مجرد فرع مستورد من تجربة خارجية، بل تطور داخل سياق سوداني شديد الخصوصية، محاولًا الجمع بين التحرر الوطني والتحول الاجتماعي (Kurita, 2019).
لكن الاحتفال بالذكرى الثمانين يفرض، في الوقت نفسه، سؤالًا أكثر صعوبة من سؤال الإنجاز التاريخي: لماذا تمكن الحزب مرارًا من المشاركة في صناعة اللحظات الكبرى للتحول السوداني، ثم عجز مرارًا عن تحويل هذا الرصيد التعبوي والتنظيمي إلى نفوذ سياسي مستدام وإلى ترتيبات مؤسسية قادرة على حماية نتائج الثورة؟ هذه المفارقة هي المدخل الأكثر إنتاجية لفهم الحزب. فالمشكلة ليست في إثبات أن الحزب كان مؤثرًا؛ الأدلة التاريخية لا تترك مجالًا كبيرًا للشك في ذلك. وليست المشكلة كذلك في إثبات أن الحزب تعرض لقمع استثنائي؛ فهذا موثق على نحو واسع. وإنما تكمن المشكلة في تفسير التباعد المتكرر بين قوة الحزب في مرحلة التعبئة والمقاومة وبين ضعفه النسبي في مرحلة التسوية وبناء المؤسسات وإدارة التحالفات.
ومن هنا، لا يتعامل هذا المقال مع الحزب بمنطقين اختزاليين متناقضين: لا باعتباره “حزبًا مجيدًا” يجب أن تُمحى أخطاؤه باسم تضحياته، ولا باعتباره “حزبًا فاشلًا” ينبغي أن تُمحى إنجازاته باسم أخطائه. فالقراءتان كلتاهما غير تاريخيتين. القراءة الأكثر اتزانًا هي التي ترى الحزب بوصفه مؤسسة سياسية ذات إرث مزدوج: قدرة استثنائية على بناء التنظيم والعمل السري والنقابي والتعبئة الجماهيرية، يقابلها قصور متكرر في إدارة الانتقال من المعارضة إلى التأثير المؤسسي، ومن التعبئة إلى التسوية، ومن النقاء الأيديولوجي إلى التحالفات السياسية الضرورية.
وتزداد أهمية هذه القراءة لأن السودان نفسه لم يعرف منذ الاستقلال مسارًا خطيًا للديمقراطية. فقد تكررت فيه حلقات الثورة الشعبية، ثم التسوية الانتقالية، ثم عودة الجيش أو القوى المسلحة إلى مركز السلطة. ومن ثم فإن تقييم الحزب يجب أن يُدرج داخل مشكلة أوسع هي العلاقة التاريخية بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية والقوى التقليدية والحركات المسلحة والإسلاميين واليسار. وقد أظهرت دراسة أكاديمية عن الحزب والديمقراطية الليبرالية خلال 1946-1969 أن قاعدة الحزب الاجتماعية كانت متركزة بصورة أساسية في “القطاع الحديث” من المجتمع السوداني، ولا سيما العمال والطلاب والمهنيين، وأن الحزب واجه منذ وقت مبكر مشكلة العلاقة بين القطاع الحضري الحديث والقطاعات التقليدية الريفية واسعة السكان (Gaddal, 1995).
وتكشف المقارنة التاريخية كذلك أن الحزب لم يكن دائمًا أسيرًا للنقاء الأيديولوجي؛ ففي مراحل مبكرة مارس تحالفات سياسية مرنة، وشارك في العمل الوطني والنقابي، واستخدم الإضراب السياسي العام باعتباره أداة جماهيرية لا عسكرية. ومنذ 1961 أصبح “الإضراب السياسي العام” أحد محاور استراتيجيته في مواجهة الحكم العسكري، وقد نجحت هذه الأداة لاحقًا في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 (Berridge, 2009). لكن الحزب نفسه دخل في 1971 في أخطر تجربة عسكرية في تاريخه، بما أفضى إلى إعدام قيادته التاريخية وتدمير جزء كبير من بنيته التنظيمية. وهنا تظهر المفارقة: الحزب الذي بنى قوته عبر العمل الجماهيري السلمي ارتبط، ولو بصورة مركبة ومتنازعًا عليها داخليًا، بمحاولة عسكرية للاستيلاء على السلطة.
وتتكرر المفارقة بعد 1985، ثم بصورة أكثر تعقيدًا بعد 2018-2019. فقد شارك الحزب في الثورة ضد البشير وفي بناء البيئة المدنية التي أسقطت النظام، لكنه دخل في صدام متزايد مع ترتيبات المرحلة الانتقالية، ثم انسحب من مؤسسات التحالف المدني الأوسع، وفضّل في لحظات حاسمة العمل من خارج التسويات التي اعتبرها ناقصة أو خاضعة للعسكر. وتشير الأدبيات الحديثة عن الانتقال السوداني إلى أن الانقسام المدني، وضعف المؤسسات الانتقالية، واستمرار نفوذ العسكريين، وتناقضات قوى الثورة نفسها، كلها ساهمت في إفشال الانتقال الديمقراطي (Berridge et al., 2022).
ولا يعني ذلك أن الحزب كان سببًا في الانقلاب العسكري في 2021 أو في الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023؛ مثل هذا الاستنتاج سيكون اختزالًا غير علمي. لكن الحزب كان أحد الفاعلين داخل البيئة السياسية المدنية، ولذلك يمكن مساءلته عن خياراته الاستراتيجية مثلما تُساءل القوى الأخرى. والأهم أن الحرب الحالية أعادت إنتاج السؤال نفسه بصورة أكثر قسوة: هل يستطيع الحزب بناء جبهة مدنية واسعة تتجاوز الانقسام بين المواقف المبدئية والممكنات السياسية الواقعية؟
وتُظهر مواقف الحزب المنشورة في 2024 و2025 و2026 أن الإجابة ليست ببساطة “لا”. فقد دعا الحزب إلى وقف الحرب، ورفض التسويات الثنائية بين العسكريين، وطالب بسلطة مدنية وبمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، كما دعا إلى أوسع تحالف جماهيري لاسترداد الثورة. وفي يونيو 2026 قدم مذكرة إلى مشاورات أديس أبابا حول تصميم العملية السياسية، مؤكدًا اهتمامه بوقف الحرب والمساعدات الإنسانية والتحول الديمقراطي (Sudanese Communist Party, 2026). وفي أكتوبر 2025 دعا إلى تحقيق دولي مستقل في جرائم قوات الدعم السريع في بارا والفاشر ومحاسبة المسؤولين عنها، مع التأكيد على حماية المدنيين ووقف الحرب (Sudanese Communist Party, 2025).
وعليه، فإن فرضية هذا المقال ليست أن الحزب “يفشل دائمًا”، ولا أن تاريخه عبارة عن سلسلة انتصارات ثورية. الفرضية الأدق هي وجود ازدواجية بنيوية متكررة: قدرة مرتفعة على التنظيم والتعبئة وبناء الشرعية الأخلاقية في لحظات المقاومة، تقابلها صعوبة متكررة في تحويل تلك الشرعية إلى ترتيبات سياسية توافقية واسعة ومستدامة في مرحلة ما بعد سقوط النظام. وتتداخل في إنتاج هذه الازدواجية عوامل موضوعية وأخرى ذاتية: طبيعة الدولة السودانية، قوة المؤسسة العسكرية، التركيبة الاجتماعية، ضعف الطبقة الوسطى، الطائفية السياسية، الحروب الإقليمية، الحرب الباردة، انهيار الاتحاد السوفيتي، القمع الطويل، تغير بنية الطبقة العاملة، صعود الحركات المسلحة، وتغير وسائل الاتصال والعمل السياسي. لذلك لا يمكن تفسير المسار كله بخطأ حزبي واحد أو بعقيدة واحدة.
ويقوم بناء المقال على تسلسل سببي-زمني يبدأ بتكوين الحركة الشيوعية داخل التحولات الاجتماعية والاستعمارية، ثم ينتقل إلى صعود الحزب النقابي والجماهيري، فإلى ثورة أكتوبر، ثم مأساة 1971، ثم إعادة التكوين بعد 1985، فالانكماش في عهد الإنقاذ، ثم ثورة ديسمبر والانتقال، وأخيرًا الحرب الحالية وأزمة التحالفات. ويُستكمل هذا المسار بتحليل بنيوي لمشكلة القاعدة الاجتماعية والجغرافية، ثم مقارنة دولية، قبل الانتقال إلى مقترحات التجديد والحكم النهائي على معنى الذكرى الثمانين. وهذا الترتيب لا يضع الفصول كجزر منفصلة، بل يجعل كل مرحلة تفسيرًا جزئيًا للمرحلة التالية.

الفصل الأول: من الحركة المعادية للاستعمار إلى حزبٍ سوداني ذي هوية مستقلة — كيف وُلدت القوة من فراغ القطاع الحديث؟

لا يمكن فهم الحزب الشيوعي السوداني من نقطة 1946 وحدها، لأن جذور الحركة الشيوعية السودانية تعود إلى التحولات التي أحدثها الاستعمار والحكم الثنائي في بنية المجتمع السوداني، ولا سيما نشوء المدن الحديثة، والتعليم النظامي، والسكك الحديدية، والوظيفة العامة، ومشروع الجزيرة، والجيش، والنقابات، والطلاب. فقد خلقت هذه التحولات قطاعًا اجتماعيًا جديدًا لم يكن مندمجًا بصورة كاملة في البنى الطائفية والقبلية التقليدية، ووجدت فيه الحركة الشيوعية مساحة للعمل السياسي والاجتماعي (Kurita, 2019).
وتختلف المصادر حول بعض التفاصيل الدقيقة لتاريخ التأسيس الرسمي، وهو اختلاف ينبغي عدم إخفائه. فبعض المصادر تضع التأسيس في 1946، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن الشكل الحزبي الرسمي تبلور لاحقًا، ولا سيما مع المؤتمر الأول في 1949، في حين أن أطروحة أكاديمية حديثة عن تاريخ الحزب تؤكد أن الحركة تأسست أصلًا عام 1946 باسم “الحركة السودانية للتحرر الوطني” قبل أن تصبح الحزب الشيوعي السوداني بصورة رسمية بعد ذلك بعشر سنوات تقريبًا (Himmat, 2021).
هذه التفاصيل مهمة لأنها تمنع تحويل التاريخ إلى رواية احتفالية جامدة. فالحركة لم تظهر في فراغ، ولم يكن اسم “الحزب الشيوعي السوداني” منذ اللحظة الأولى مؤسسة مكتملة؛ بل كانت هناك مراحل من التكوين والتجريب والتوسع وإعادة التنظيم. وكان ذلك جزءًا من تطور طبيعي لحركة سياسية جديدة تحاول بناء خطاب يجمع بين الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي.
ومنذ البداية، لم يكن السؤال المركزي هو الاشتراكية المجردة، وإنما كيف يمكن للسودانيين بناء حركة وطنية مستقلة عن الاستعمار وعن الهيمنة الطائفية في الوقت نفسه. ولذلك انجذب الحزب إلى العمال والطلاب والمزارعين والمثقفين، وخصوصًا في السكك الحديدية وعطبرة ومشروع الجزيرة والخرطوم. وتوضح الدراسات التاريخية أن هذا التركيز على “القطاع الحديث” كان مصدر قوة الحزب، لكنه أصبح لاحقًا مصدرًا لواحد من أعمق قيوده البنيوية: فقد كان الحزب أكثر قدرة على تنظيم قطاعات حديثة صغيرة نسبيًا من المجتمع من قدرته على بناء قاعدة اجتماعية ريفية عريضة (Gaddal, 1995).
وقد استطاع الحزب أن يستثمر هذه المساحة الاجتماعية بمهارة تنظيمية ملحوظة. فالنقابة لم تكن بالنسبة إليه مجرد أداة للمطالبة بالأجور، بل مدرسة سياسية لبناء العضوية والقيادة والانضباط والتنظيم. وفي هذا السياق ارتبط الحزب بالحركة النقابية، وخصوصًا في السكك الحديدية، التي كانت في ذلك الوقت أحد أهم قطاعات الاقتصاد الحديث والدولة الاستعمارية.
كما ارتبط نشاطه بمزارعي مشروع الجزيرة، الذي كان أحد أكبر مشروعات الزراعة المروية في أفريقيا، وبعمال بورتسودان وعطبرة، وبالطلاب والمثقفين. ومن هنا نشأت قوة الحزب التي جعلت بعض الباحثين يعدونه، بحلول الستينيات، من أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا. وتشير دراسة طارق إسماعيل إلى تقديرات تراوحت بين 50 و80 ألف عضو ومؤيد بحلول 1971، مع امتداد إلى العمال والمزارعين والمثقفين وحتى بعض الشخصيات الدينية (Ismael, 2011).
غير أن هذه القوة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تمثيلًا نسبيًا للسكان السودانيين كافة. فالسودان ظل مجتمعًا ريفيًا واسعًا، وكانت القوى التقليدية والطائفية ذات حضور قوي في الريف، بينما تمركز الشيوعيون في قطاعات التعليم والعمل النقابي والمدينة. وهنا بدأت المشكلة التي سترافق الحزب طويلًا: كيف يمكن لحزب حديث أن يصبح حزبًا وطنيًا شاملًا في مجتمع لا تزال فيه الأغلبية مرتبطة ببنى اجتماعية ودينية وسياسية تقليدية؟
لقد حاول الحزب حل هذه المعضلة عن طريق العمل في الاتحادات الزراعية والمناطق الطرفية، وليس صحيحًا اختزال تاريخه في الخرطوم وحدها. فقد كانت له أنشطة في الجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق والشرق ومناطق أخرى، وارتبط ببعض الحركات الاجتماعية المحلية. لكن نجاحه في هذه المناطق لم يكن بالعمق نفسه الذي حققه في البيئة الحضرية والنقابية، وهو ما سيصبح أكثر وضوحًا بعد 1971، حين فقد جزءًا كبيرًا من بنيته التنظيمية.
كما أن استقلالية الحزب الفكرية كانت أكثر تعقيدًا مما توحي به الصورة النمطية عن الأحزاب الشيوعية العربية. فقد حاول قادته تطوير قراءة سودانية للماركسية بدل نسخ التجارب الخارجية بصورة ميكانيكية، وكان الجدل حول علاقة الثورة الوطنية الديمقراطية بالاشتراكية حاضرًا بقوة. وهذا ما يفسر استمرار الخلافات داخل الحزب حول سرعة الانتقال إلى الاشتراكية، وحول طبيعة التحالفات الممكنة مع القوى الوطنية الأخرى.
وفي هذا السياق، كان الحزب في الوقت نفسه حزبًا ماركسيًا وأداة للحركة الوطنية المناهضة للاستعمار. وهذه الازدواجية كانت مصدرًا لقوته، لكنها حملت بذرة صراعاته المستقبلية: هل الأولوية لبناء جبهة وطنية ديمقراطية واسعة، أم لبناء حزب طليعي يقود التحول الاجتماعي؟ وهل التحالف مع قوى غير شيوعية خطوة ضرورية، أم تنازل أيديولوجي يمكن أن يؤدي إلى إفراغ الحزب من هويته؟
كانت الإجابة في بعض المراحل براغماتية، وفي مراحل أخرى أكثر تصلبًا. وهذه الحركة بين البراغماتية والنقاء الأيديولوجي هي أحد الخيوط الناظمة لتاريخ الحزب كله.

الفصل الثاني: عندما تحولت النقابة إلى ثورة — من الإضراب السياسي العام إلى أكتوبر 1964 والريادة النسوية

لم تكن ثورة أكتوبر 1964 حدثًا مفاجئًا ظهر من العدم، بل كانت حصيلة تراكم سياسي ونقابي طويل. فقد عانى السودان تحت نظام الفريق إبراهيم عبود، الذي وصل إلى السلطة في 17 نوفمبر 1958، من إلغاء الأحزاب والحريات السياسية وتشديد القيود على الحركة النقابية. وفي مواجهة ذلك، طوّر الحزب الشيوعي استراتيجية الإضراب السياسي العام والعصيان المدني، التي أصبحت أكثر وضوحًا منذ 1961 (Berridge, 2009).
كان جوهر هذه الاستراتيجية أن النظام العسكري لا يُهزم بالضرورة بمواجهته عسكريًا، بل يمكن إسقاطه إذا تعطلت قدرته على إدارة المجتمع والدولة عبر إضراب شامل وعصيان مدني واسع. وقد أثبتت ثورة أكتوبر قوة هذه الفكرة بصورة استثنائية. فقد تحولت الاحتجاجات الطلابية إلى حركة جماهيرية، ثم اتسعت لتشمل النقابات والمهن والطبقة الوسطى وقطاعات واسعة من السكان، وانتهت بسقوط نظام عبود.
وهنا ينبغي التمييز بين “صناعة الثورة” و”احتكار الثورة”. لم يصنع الحزب أكتوبر وحده؛ فقد شاركت فيها قوى سياسية ونقابية وطلابية واجتماعية متعددة. لكن الحزب كان من أكثر القوى تنظيمًا وإصرارًا على استراتيجية الإضراب السياسي العام، ولذلك فإن إنكار دوره سيكون غير تاريخي، كما أن نسب الثورة إليه وحده سيكون غير دقيق. وقد أكدت دراسات تاريخية أن الحزب لعب دورًا رئيسيًا في إسقاط النظام العسكري عام 1964، لكنه دخل بعد ذلك في صراع شديد مع القوى التي حاولت تقليص نفوذه (Gaddal, 1995).
وتبرز هنا واحدة من أهم نقاط القوة التاريخية للحزب: أنه استطاع تحويل التنظيم النقابي إلى قوة سياسية وطنية. وهذه الخبرة لا تزال ذات أهمية بالغة للسودان المعاصر، لأن الثورات السودانية اللاحقة، وخاصة 1985 و2018-2019، أعادت استخدام أدوات شبيهة، وإن تغيرت البنية الاجتماعية والتنظيمية.
لكن أكتوبر حملت أيضًا بداية مشكلة أخرى: كيف تتحول الحركة التي تجيد إسقاط النظام إلى قوة قادرة على إدارة التعددية بعد سقوطه؟ هنا ظهرت تناقضات بين الحزب الشيوعي وحزب الأمة والاتحاديين والقوى الدينية والتقليدية، وتفاقم الصراع حول شرعية الحزب وموقعه في النظام البرلماني. وفي 1965 جرى انتخاب فاطمة أحمد إبراهيم، وهو إنجاز بالغ الأهمية في تاريخ المرأة السودانية والإفريقية.
لقد كان للاتحاد النسائي السوداني دور مهم في النضال من أجل تعليم النساء وحقوقهن السياسية والاجتماعية والصحية، وبرزت فاطمة أحمد إبراهيم باعتبارها إحدى أبرز قياداته. وتشير مصادر تاريخية إلى أنها انتُخبت عام 1965 كأول امرأة سودانية في البرلمان، بينما تصفها مصادر أخرى بأنها أول امرأة منتخبة في برلمان أفريقي، وهي صياغة أدق من تعميم عبارة “أول امرأة في الشرق الأوسط” التي تختلف المصادر في نطاقها الجغرافي والتعريف القانوني لها (Davies, 2013).
والأهم أن التجربة النسائية السودانية لم تكن مجرد ملحق بالعمل الحزبي. فقد خاض الاتحاد النسائي معارك حول تعليم البنات، والزواج، والأجر والعمل، ومحو الأمية، والصحة، ومشاركة المرأة السياسية. وتكشف التجربة أن قضية المرأة كانت في السودان جزءًا من الصراع الوطني والاجتماعي منذ وقت مبكر، وأن الحزب الشيوعي كان من أكثر القوى السياسية استعدادًا لتبنيها مؤسسيًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه الريادة إلى صورة رومانسية غير نقدية. فقد ظلت العلاقة بين الاتحاد النسائي والحزب الشيوعي موضع نقاش، كما سعت فاطمة أحمد إبراهيم نفسها إلى توسيع استقلالية الحركة النسائية وإشراك نساء من خلفيات مختلفة. وهذا يوضح أن أفضل ما في التجربة لم يكن مجرد “حزبية نسوية”، بل قدرة الحركة على تحويل قضية المرأة إلى قضية عامة.
ومن هذه الزاوية، يمثل تاريخ الحزب في مجال المرأة واحدًا من أكثر جوانبه قابلية لإعادة التقييم في السودان الحديث: ليس لأن النموذج الحزبي القديم يمكن استنساخه، بل لأن إدماج قضايا النساء في التنظيم السياسي منذ مرحلة مبكرة يبين أن اليسار السوداني كان قادرًا أحيانًا على تجاوز البنية الاجتماعية المحافظة قبل كثير من القوى السياسية الأخرى.

الفصل الثالث: من التحالف مع مايو إلى كارثة يوليو — كيف تحولت قوة التنظيم إلى أضعف لحظاته؟

إذا كانت أكتوبر تمثل ذروة قدرة الحزب على العمل الجماهيري، فإن 1971 تمثل أقصى حدود التناقض بين هذه القدرة وبين استراتيجية الاستيلاء على الدولة من خلال الجيش. فقد جاء انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري في سياق أزمة سياسية واقتصادية وبرلمانية حادة، وضم في بدايته عناصر من اليسار والقوميين العرب والضباط الأحرار وقوى أخرى. وقد كان الحزب الشيوعي جزءًا من البيئة السياسية التي دعمت الانقلاب، وإن كانت العلاقة بينه وبين نميري معقدة منذ البداية.
تكشف الأدبيات الأكاديمية أن الحزب كان منخرطًا في صراع داخلي حول طبيعة الثورة وموقع الجيش فيها، وأن عبد الخالق محجوب كان أكثر حذرًا من تحويل التحالف مع العسكريين إلى بديل عن بناء قاعدة جماهيرية واسعة. وتوضح دراسة عن العلاقة بين الضباط الأحرار والشيوعيين بين 1969 و1971 أن الحزب كان يعيش صراعًا داخليًا حول كيفية التعامل مع نظام نميري وحول العلاقة بين العمل الجماهيري والعمل العسكري (Berridge, 2009).
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الحزب الذي طور استراتيجية الإضراب السياسي العام منذ 1961، والتي أثبتت نجاحها في 1964، دخل بعد سنوات قليلة في منطق عسكري انتهى إلى كارثة. لكن اختزال أحداث 1971 في “انقلاب شيوعي خططت له القيادة كلها” ليس دقيقًا. فالمصادر التاريخية تشير إلى أن عبد الخالق محجوب لم يكن صاحب المبادرة المباشرة لانقلاب 19 يوليو، وأنه كان متحفظًا على المغامرة العسكرية، بينما قاد الانقلاب ضباط شيوعيون وعلى رأسهم هاشم العطا (Berridge, 2009).
استولى الانقلابيون على السلطة في 19 يوليو 1971، وبقيوا في موقع السيطرة أيامًا قليلة، قبل أن يستعيد نميري السلطة. وكانت النتيجة مدمرة للحزب. أُعدم عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وهاشم العطا، وقادة آخرون، ودخل الحزب مرحلة قمع عنيف واستئصال تنظيمي.
وكانت مأساة 1971 أكبر من مجرد فشل انقلاب. فقد فقد الحزب خلال أيام عددًا كبيرًا من قياداته التاريخية في وقت لم يكن فيه قادرًا على تعويضها بسرعة. كما أن القمع أضعف شبكاته النقابية والجماهيرية، وأجبره على العودة إلى العمل السري، وترك جرحًا استراتيجيًا عميقًا في علاقة الحزب بالمؤسسة العسكرية.
والأهم أن 1971 قدمت درسًا لا يزال صالحًا للسودان: لا يمكن لقوة سياسية ذات قاعدة اجتماعية محدودة نسبيًا أن تتجاوز ضعفها الجماهيري بالاعتماد على قطاع عسكري صغير، حتى لو كان بعض عناصره متعاطفًا معها. فالجيش ليس أداة محايدة يمكن لحزب أن يستخدمها ثم يعيدها إلى الثكنات بسهولة؛ حين تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة فإنها تدخل بمنطقها الخاص ومصالحها الخاصة.
وتؤكد الدراسات التي تناولت الحزب خلال هذه المرحلة أن مشكلته لم تكن تقنية فقط، وإنما اجتماعية وسياسية ودولية. فقد كانت قاعدته أقوى في “القطاع الحديث” لكنها لم تكن كافية لتغطية المجتمع كله، كما واجه انقلاب يوليو معارضة إقليمية ودولية قوية (Rassas, 2002).
وكان للبعد الإقليمي دور مهم أيضًا. فقد كانت مصر وليبيا والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي جميعًا تتحرك ضمن حسابات الحرب الباردة، ولم يكن انقلاب 1971 يعمل داخل بيئة سودانية محضة. ولذلك فإن سقوطه كان نتيجة تفاعل بين عوامل داخلية وخارجية، وليس مجرد فشل تنظيمي.
لكن المسؤولية السياسية للحزب لا تختفي بسبب هذه العوامل. فالقيادة التي سمحت، بدرجات مختلفة، بتراكم العلاقة مع العسكريين حتى أصبحت الحركة الشيوعية متورطة في صراع على السلطة داخل نظام عسكري تتحمل مسؤولية تاريخية عن سوء تقدير طبيعة المؤسسة العسكرية.
ومن هنا أصبحت “دروس يوليو” إحدى أكثر القضايا أهمية في تقييم الحزب: العمل الجماهيري لا يمكن استبداله بتحالفات عسكرية، والانتقال الديمقراطي لا يمكن أن يقوم على افتراض أن الضابط المتحالف مع اليسار سيظل ملتزمًا بالبرنامج المدني عندما تتغير موازين القوة.

الفصل الرابع: من بقايا الهزيمة إلى انتفاضة أبريل — لماذا لم يتحول النصر الشعبي إلى قوة انتخابية؟

بعد 1971 دخل الحزب مرحلة طويلة من العمل السري، وتعرضت كوادره للملاحقة والاعتقال والتعذيب، لكنه لم يختفِ. وهذه القدرة على البقاء التنظيمي في ظل نظام نميري الاستبدادي تمثل بحد ذاتها إنجازًا سياسيًا. وقد حافظ الحزب على هويته وشبكاته رغم القمع، ثم عاد إلى المجال العام عندما سقط نظام نميري في أبريل 1985.
وكانت انتفاضة مارس-أبريل 1985 من أهم اللحظات التي أعاد فيها الحزب استخدام خبرته التاريخية في التعبئة النقابية. فقد كانت الحركة النقابية عنصرًا أساسيًا في إسقاط نميري، واستُعيدت فكرة الإضراب السياسي العام بصورة واضحة، وإن كان المجتمع السوداني قد تغير كثيرًا منذ 1964.
وفي الانتخابات التي أعقبت الانتفاضة عام 1986، لم يترجم الحزب رصيده النضالي إلى قوة برلمانية كبيرة. وتختلف بعض المصادر في عدد المقاعد التي حصل عليها، وهو أمر ينبغي التنبيه إليه بدل تثبيت رقم واحد دون تدقيق؛ فبعض الجداول الأكاديمية تسجل مقعدين، بينما تورد مصادر أخرى ثلاثة، وهو اختلاف يرتبط أحيانًا بطريقة احتساب الدوائر أو المقاعد والنتائج النهائية (O.I.U., 2026).
المغزى السياسي أهم من الرقم ذاته: الحزب الذي شارك بقوة في إسقاط نظام عسكري لم يصبح قوة انتخابية كبيرة بعد سقوطه. وهذه ليست مشكلة سودانية خاصة بالحزب الشيوعي؛ فقد عانت منها قوى ثورية ونقابية عديدة في التاريخ. لكن بالنسبة للحزب، كانت المشكلة أكثر حدة لأن فلسفته السياسية كانت تمنحه ثقة كبيرة في التنظيم والوعي السياسي، بينما أظهرت الانتخابات أن التنظيم النقابي لا يساوي بالضرورة قاعدة انتخابية وطنية.
وكانت الديمقراطية الثالثة تعاني في الوقت نفسه من أزمة اقتصادية عميقة وحرب أهلية متصاعدة في الجنوب وانقسامات حزبية وطائفية. ولم يكن الحزب قادرًا على تقديم برنامج اقتصادي جماهيري عملي يربط بين العدالة الاجتماعية والإنقاذ الاقتصادي والإنتاج الزراعي والصناعي وإدارة الدين العام. كان نقد سياسات التقشف وصندوق النقد الدولي قويًا، لكنه لم يكن دائمًا مصحوبًا ببرنامج بديل مفصل وقابل للتنفيذ.
وهنا تظهر مسألة مهمة: الاعتراض على سياسة اقتصادية لا يكفي لتشكيل سياسة اقتصادية بديلة. يحتاج الحزب إلى أن يجيب عن أسئلة الإنتاج والضرائب والدعم وأسعار الصرف والزراعة والصناعة والديون والاستثمار والتجارة الخارجية. وهذه الفجوة بين النقد والبرنامج ستعود لاحقًا بعد 2019.
كما أن الحركة النقابية نفسها لم تعد كما كانت في الستينيات. فقد أعاد نظام مايو تشكيل المؤسسات العمالية والنقابية، وفرض بنى تنظيمية جديدة، وأضعف الاستقلال النقابي. ولذلك فإن إعادة بناء النقابات بعد 1985 لم تكن إعادة إنتاج بسيطة لتجربة الستينيات.
وبحلول 1989 كانت الديمقراطية الثالثة قد دخلت أزمة عميقة، واستطاع الإسلاميون وحلفاؤهم داخل الجيش تنفيذ انقلاب 30 يونيو 1989. دخل الحزب بعدها ثلاثين عامًا جديدة من القمع، وهذه المرة في ظل نظام أكثر قدرة على اختراق المجتمع وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة.

الفصل الخامس: ثلاثون عامًا من الإنقاذ وسقوط العالم الذي كان الحزب يعرفه — القمع، انهيار الاتحاد السوفيتي، وتقلص المجال الاجتماعي

كان نظام الإنقاذ مختلفًا عن الأنظمة العسكرية السابقة في قدرته على الجمع بين السيطرة الأمنية وإعادة هندسة المجتمع والدولة من خلال الحركة الإسلامية. لم يكن الحزب الشيوعي يواجه مجرد حاكم عسكري، بل منظومة سياسية وأمنية وأيديولوجية حاولت تفكيك قواعد المعارضة القديمة، بما فيها النقابات والاتحادات المهنية والجامعات والإعلام والخدمة المدنية.
وقد كان سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 ضربة إضافية. فقد فقد الحزب أحد أهم الأطر العالمية التي كان يتحرك داخلها فكريًا وسياسيًا. لكن من المهم ألا يُبالغ في تفسير الانكماش بالحرب الباردة وحدها؛ فالمشكلة الاجتماعية كانت أعمق. فقد تغير السودان نفسه، وازدادت أهمية الإسلام السياسي والحركات المسلحة والهويات الإقليمية، بينما تراجعت بنية الطبقة العاملة التقليدية.
وفي هذه المرحلة واصل الحزب معارضته لنظام البشير، لكنه أصبح أكثر اعتمادًا على المقاطعة السياسية والعمل المعارض خارج المؤسسات. ففي انتخابات 2010 و2015 قاطع الحزب الانتخابات ضمن تحالفات المعارضة، مستندًا إلى تقييم أن النظام غير ديمقراطي وأن المشاركة ستضفي الشرعية عليه. وهذا الموقف كان مفهومًا من منظور المبدأ، لكنه خلق مشكلة استراتيجية: كيف يمكن لحزب يريد تغيير موازين القوى أن يحافظ على صلته بالمواطنين إذا غاب بصورة متكررة عن المؤسسات الانتخابية؟
في انتخابات 2015، أعلن تحالف المعارضة مقاطعته، بينما أعلن النظام فوز عمر البشير بنسبة كبيرة جدًا من الأصوات. وتعرضت الانتخابات لانتقادات واسعة بشأن البيئة السياسية والحريات. ومن ثم لا يمكن اعتبار المقاطعة في ذاتها خطأً أخلاقيًا؛ لكن السؤال الاستراتيجي هو ما البديل الذي يرافقها.
فالمقاطعة الناجحة تحتاج إلى استراتيجية موازية: تنظيم اجتماعي، إعلام، عمل نقابي، بناء بدائل محلية، توسيع العضوية، واستعداد للانتقال السريع إلى الانتخابات عندما تتغير الظروف. أما المقاطعة دون بناء بديل مؤسسي فقد تتحول من أداة ضغط إلى نمط دائم من الابتعاد عن المجال السياسي.
وفي ظل الإنقاذ، استمر الحزب أيضًا في معارضة الحروب والانتهاكات، واحتفظ بسمعته كأحد الأحزاب التي لم تدخل في تحالف عضوي مع النظام. وقد أدى ذلك إلى استمرار اعتقال قياداته، وإلى بقاء كوادره في السجون والعمل السري. ولذلك ينبغي أن يكون تقييم هذه المرحلة مزدوجًا: القمع يفسر جزءًا كبيرًا من الانكماش، لكن القمع لا يفسر كل شيء.
فقد كان هناك أيضًا تغير اجتماعي كبير. السودان الذي خرج من 1989 لم يعد السودان الذي تأسس فيه الحزب عام 1946. توسعت الجامعات، تغيرت المدن، نمت الهجرة، توسع الاقتصاد غير الرسمي، ظهرت شبكات اجتماعية جديدة، وتغيرت طبيعة العمل. وفي الوقت نفسه ازدادت أهمية دارفور وكردفان والنيل الأزرق في الصراع السياسي، بينما ظل الحزب أكثر رسوخًا في المدن والقطاعات المهنية.
وهكذا دخل الحزب ثورة ديسمبر 2018 وهو يحمل رصيدًا تاريخيًا هائلًا، لكنه يدخلها أيضًا بقاعدة اجتماعية أقل اتساعًا مما كانت عليه في الستينيات، وبجيل جديد من الناشطين لا ينتمي بالضرورة إلى الأحزاب القديمة.

الفصل السادس: من صناعة ديسمبر إلى معضلة الانتقال — كيف أصبح الشريك الثوري خصمًا لجزء من ترتيبات ما بعد الثورة؟

كانت ثورة ديسمبر 2018 لحظة عودة كبرى للحركة الجماهيرية السودانية. فقد بدأت الاحتجاجات في ديسمبر 2018 في سياق اقتصادي واجتماعي متدهور، ثم تحولت إلى انتفاضة وطنية واسعة انتهت بإسقاط عمر البشير في 11 أبريل 2019.
شارك الحزب الشيوعي في البيئة السياسية والتنظيمية للثورة، وكان جزءًا من القوى التي شكلت قوى الحرية والتغيير. وقد قامت قوى الحرية والتغيير أصلًا كتحالف واسع يضم أحزابًا ونقابات ومنظمات مجتمع مدني وحركات وقوى ثورية مختلفة (Berridge et al., 2022).
وكان منطق التحالف نفسه مختلفًا عن منطق الحزب التقليدي: لم يكن المطلوب أن تتفق القوى كلها على الاشتراكية أو الليبرالية أو الإسلام السياسي، بل أن تتفق على إسقاط النظام وبناء انتقال مدني. وهذا النوع من التحالفات هو الذي سمح للثورة بأن تتجاوز حدود الحزب الواحد.
لكن بعد سقوط البشير بدأ الخلاف حول معنى “الثورة”. رأى الحزب الشيوعي أن مشاركة العسكريين في مجلس السيادة والحكومة الانتقالية تعني إعادة إنتاج النظام القديم، بينما رأت قوى أخرى أن ميزان القوة لا يسمح بإقصاء المؤسسة العسكرية دفعة واحدة، وأن التسوية الانتقالية قد تكون ضرورية لانتزاع السلطة تدريجيًا.
هنا ظهرت إحدى أعمق معضلات الحزب: هل المبدأ السياسي يجب أن يكون غير قابل للتفاوض، أم يمكن أن يكون هناك تفاوض تكتيكي دون التخلي عن الهدف النهائي؟
اختار الحزب بصورة متزايدة الخيار الأول. وفي نوفمبر 2020 انسحب من هياكل قوى الحرية والتغيير، معتبرًا أن التحالف انحرف عن أهداف الثورة. وأصبح الحزب ينتقد بشدة الشراكة المدنية-العسكرية، والتأخر في تفكيك بنية الإنقاذ، والتأخر في العدالة، والسياسات الاقتصادية، والعلاقة مع المؤسسات الدولية.
وكان في كثير من هذه الانتقادات عناصر قوية من الحقيقة. فالمرحلة الانتقالية كانت تعاني ضعفًا مؤسسيًا، واستمر نفوذ العسكريين الاقتصادي والسياسي، ولم تُحسم قضية إصلاح القطاع الأمني، ولم تتحقق العدالة بصورة مرضية، كما ظلت قضايا مجزرة فض الاعتصام وغيرها بلا حسم كامل.
لكن السؤال ليس: هل كانت الانتقادات صحيحة؟ بل: هل كان الانسحاب أفضل وسيلة سياسية لتصحيح المسار؟
هنا يمكن الاستفادة من الأدبيات الحديثة حول الانتقال السوداني. فقد أظهرت دراسة أكسفورد أن الحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك دخلت المرحلة الانتقالية وهي منقسمة، بينما احتفظ العسكريون بنفوذ كبير، وأن “المساومة” و”العمل السياسي المعتاد” أعادا إنتاج جزء من أنماط النظام القديم (Berridge et al., 2022). لكن هذا لا يعني أن الانسحاب من مؤسسات التحالف كان بالضرورة أفضل استراتيجية.
بل ربما كانت المشكلة في عدم وجود استراتيجية مزدوجة: المشاركة داخل المؤسسات مع بناء ضغط جماهيري خارجها. كان يمكن للحزب أن يفاوض من الداخل، ويرفض التنازلات الحمراء، ويستخدم قوته النقابية والجماهيرية للضغط، بدل أن يتحول تدريجيًا إلى مراقب من الخارج.
وتتضح المشكلة أكثر عند النظر إلى لجان المقاومة. فقد كانت هذه اللجان من أهم الابتكارات السياسية والاجتماعية في ثورة ديسمبر. لم تكن في بدايتها تنظيمًا شيوعيًا، بل شبكات محلية ذات جذور أفقية في الأحياء. وقد لعبت دورًا حاسمًا في مقاومة انقلاب أكتوبر 2021، كما واصلت لاحقًا تقديم خدمات الإغاثة والرعاية الصحية خلال الحرب (ACAPS, 2023).
وتبنت لجان كثيرة بعد انقلاب 2021 شعارات “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية”، وهو ما عبر عن رفضها للتسويات التي اعتبرتها إعادة إنتاج للحكم العسكري. وتشير الدراسات إلى أن اللجان أصبحت قوة سياسية واجتماعية مستقلة نسبيًا عن الأحزاب التقليدية (Abbashar, 2023).
ومن هنا فإن اتهام الحزب وحده بأنه “فتت” لجان المقاومة يحتاج إلى قدر من الحذر العلمي؛ فاللجان كانت متعددة الاتجاهات، وكانت لها خلافات داخلية حقيقية، ولم تكن تحت سيطرة حزب واحد. لكن الحزب شارك في إنتاج المناخ السياسي الذي فضل القطيعة على التسوية، ومن المشروع نقده إذا ساهم خطابه أو تنظيمه في تعميق الانقسام المدني.
والأكثر أهمية أن الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 أظهر أن المخاوف من العسكريين لم تكن وهمية. فقد أطاح البرهان بالحكومة الانتقالية، وأكد بذلك أن التحذيرات من استمرار النفوذ العسكري كانت جدية. وفي المقابل، أثبتت الأحداث أيضًا أن المعارضة المدنية المنقسمة لم تكن قادرة على بناء بديل مؤسسي سريع.
وهكذا خرج الحزب من مرحلة ديسمبر بمفارقة جديدة: ساهم في إسقاط النظام، لكنه لم يستطع التأثير بالقدر نفسه في شكل النظام الذي جاء بعده.

الفصل السابع: حرب 15 أبريل 2023 — الحزب أمام امتحان مختلف: كيف تقاوم الحرب دون أن تعزل نفسك عن السياسة؟

اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وتحولت خلال فترة قصيرة إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. وبحلول نهاية 2024، قدر تقرير الأمم المتحدة أن نحو 12 مليون شخص فروا من منازلهم، وأن نحو 30.4 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في 2025، أي ما يقارب ثلثي السكان، بينما انهارت أجزاء واسعة من النظام الصحي والتعليمي والخدمي (United Nations Sudan, 2025).
وفي فبراير 2025 قالت الأمم المتحدة إن نحو 12 مليون شخص نزحوا داخل السودان وعبر الحدود، وإن ما يقارب ثلث السكان أصبحوا نازحين، مع وجود ظروف مجاعة في عدة مناطق (United Nations, 2025). كما أدى النزوح الجماعي في شمال دارفور في أبريل 2025 إلى دفع ما يقدر بـ400 ألف إلى 450 ألف شخص نحو مناطق أخرى، مع تفاقم خطر الجوع والمرض نتيجة انقطاع سلاسل الإمداد والمساعدات (United Nations, 2025).
في هذا السياق، اتخذ الحزب الشيوعي موقفًا يقوم على رفض الحرب ورفض طرفيها، والدعوة إلى وقف القتال والمساعدات الإنسانية والحكم المدني. وفي يناير 2024 انتقد الحزب اتفاق أديس أبابا بين “تقدم” وقوات الدعم السريع، معتبرًا أنه يتجاوز هدف وقف الحرب ويفتح الباب أمام شراكة مع طرف عسكري (Dabanga, 2024).
ومن حيث المبدأ، هذا الموقف مفهوم. فالحزب لا يريد أن يصبح جزءًا من تحالف مع الجيش أو الدعم السريع. كما أن تجربة السودان التاريخية تقدم أسبابًا قوية للحذر من منح أي قوة عسكرية شرعية سياسية دائمة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المسافة الأخلاقية إلى عزلة سياسية. فالسياسة في الحرب لا تتعلق فقط بمن ترفض، وإنما أيضًا بمن تتفاوض معه، وكيف تبني جبهة مدنية، وكيف تمنع القوى العسكرية من احتكار المجال السياسي.
وقد ظهرت هنا “مشكلة تقدم”. فقد تأسست تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية في أكتوبر 2023، وعقدت مؤتمرها التأسيسي في أديس أبابا في مايو 2024 بمشاركة نحو 600 شخص يمثلون الولايات السودانية الثماني عشرة، وأصبحت أوسع تحالف مدني مناهض للحرب في ذلك الوقت (Chatham House, 2024).
لم ينضم الحزب إلى هذا التحالف، وانتقده، ولا سيما بعد توقيع إعلان أديس أبابا مع الدعم السريع. لكن يجب هنا تجنب القراءة الثنائية: “تقدم” لم تكن جسمًا مثاليًا، والحزب لم يكن مخطئًا في كل نقده لها. فقد واجهت “تقدم” بالفعل اتهامات بالابتعاد عن القواعد الشعبية، كما واجهت اتهامات من الجيش والإسلاميين بأنها منحازة للدعم السريع. وفي المقابل، أوضحت مصادر مستقلة أن “تقدم” أدانت انتهاكات الطرفين وسعت إلى بناء تحالف مدني أوسع (Chatham House, 2024).
وبالتالي فإن الخلاف الحقيقي لم يكن بين “حزب مبدئي” و”تحالف انتهازي” بصورة بسيطة، بل بين رؤيتين للاستراتيجية المدنية. الأولى ترى أن أي تقارب مع القوى المسلحة يهدد استقلال المدنيين، والثانية ترى أن وجود المدنيين على طاولة المفاوضات ضروري حتى لو تطلب ذلك التواصل مع القوى المسلحة.
وفي 2025 و2026 أصبحت هذه المشكلة أكثر تعقيدًا بعد انقسام “تقدم” وتشكّل تحالفات مدنية متنافسة. ومع ذلك، فإن الحزب نفسه بدأ يشارك بصورة أكثر وضوحًا في المشاورات السياسية، وهو ما يظهر في مذكرته المقدمة إلى اجتماع أديس أبابا في يونيو 2026 حول تصميم العملية السياسية (Sudanese Communist Party, 2026).
كما أن مواقف الحزب في 2025 و2026 تظهر أنه لا يكتفي بشعار “رفض الحرب”. ففي أكتوبر 2025 دعا إلى تحقيق مستقل في جرائم الدعم السريع، وطالب بمحاسبة كل من ارتكب أو أمر أو ساهم في الجرائم، ودعا في الوقت نفسه إلى توحيد القوى الديمقراطية والعمل السلمي لاستعادة الدولة المدنية (Sudanese Communist Party, 2025).
وفي فبراير 2026 أعاد الحزب التأكيد على رفض أي تسوية ثنائية بين الجيش والدعم السريع، ودعا إلى سلطة مدنية تستند إلى قوى الثورة ولجان المقاومة والنقابات والمجتمع المدني، مع تفكيك الدولة العسكرية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات (Sudanese Communist Party, 2026).
وهذا يعني أن الحكم على موقف الحزب في الحرب يجب ألا يكون ثابتًا على صورة 2023 وحدها. فهناك تطور في الخطاب نحو تصور عملية سياسية مدنية أوسع، وإن بقي السؤال قائمًا حول قدرة الحزب على تحويل هذا الخطاب إلى تحالف سياسي عملي واسع.

الفصل الثامن: الحزب الذي يعرف المدن أكثر مما يعرف الأطراف — مأزق القاعدة الاجتماعية والجغرافية

تظل مشكلة القاعدة الاجتماعية والجغرافية واحدة من أعمق المفاتيح لتفسير تاريخ الحزب. فمنذ بداياته حقق نجاحًا كبيرًا في القطاعات الحديثة، لكنه لم يتحول إلى حزب جماهيري واسع بالمعنى الجغرافي والاجتماعي الكامل.
وقد أكدت الدراسات الأكاديمية أن الحركة الشيوعية كانت قوية خصوصًا في القطاع الحديث، بينما بقيت القوى التقليدية ذات نفوذ أكبر في القطاعات الريفية. وهذه ليست مجرد مشكلة انتخابية؛ إنها مشكلة تتعلق ببنية المجتمع نفسه (Gaddal, 1995).
في الخرطوم وعطبرة وبورتسودان وبعض المراكز الحضرية، استطاع الحزب بناء شبكات نقابية وفكرية. أما في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ومناطق ريفية واسعة، فقد واجه منافسة من الحركات المسلحة، والطرق الصوفية، والإدارات الأهلية، والقوى الدينية، والتنظيمات المحلية.
ولا يعني هذا أن الحزب لم يعمل في الهامش. فقد كانت له محاولات تنظيمية في الجزيرة والشرق ومناطق أخرى، وشارك في قضايا المزارعين والنقابات. لكن المشكلة هي الاستدامة والعمق: هل استطاع بناء قيادات محلية مستقلة، مرتبطة بالمجتمعات نفسها، لا مجرد فروع مركزية تنقل خطاب الخرطوم؟
وهذا السؤال يصبح أكثر أهمية في السودان ما بعد الحرب. فالحرب أعادت رسم الجغرافيا السياسية والاجتماعية، وأصبحت دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق ووسط السودان عناصر حاسمة في أي تسوية وطنية. ومن ثم فإن الحزب الذي يريد أن يكون قوة وطنية لا يمكن أن يعتمد فقط على إعادة بناء خلاياه القديمة في الخرطوم.
وتزداد المشكلة بسبب تغير الطبقة العاملة نفسها. فالسودان لم يعد يعتمد على قطاع صناعي ونقابي بالصيغة التي عرفها الحزب في الخمسينيات والستينيات. توسع الاقتصاد غير الرسمي، وازدادت الهجرة، وارتفع حجم البطالة، وتغيرت علاقة الشباب بسوق العمل. لذلك يحتاج الحزب إلى تعريف جديد للطبقة العاملة يشمل العامل غير الرسمي، والمزارع الصغير، والموظف المؤقت، والعامل الرقمي، والمهاجر، والمرأة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي.
وهنا يمكن أن يتحول المأزق القديم إلى فرصة. فإذا كان الحزب قادرًا على إعادة بناء مفهوم الطبقة والعمل من الواقع السوداني الجديد، فقد يستطيع توسيع قاعدته بصورة لم تكن ممكنة في الماضي.
أما إذا استمر في مخاطبة “الطبقة العاملة” بلغة تشكلت في الخمسينيات، فقد يجد نفسه يتحدث عن مجتمع لم يعد موجودًا.

الفصل التاسع: المرآة الدولية — ماذا يتعلم السودان من مصر والعراق وجنوب أفريقيا وإيطاليا واليسار الجديد؟

تساعد المقارنة الدولية على منع الحكم على الحزب من داخل التجربة السودانية وحدها. فالأحزاب الشيوعية في العالم واجهت كلها تقريبًا مشكلة التوفيق بين الأيديولوجيا والبراغماتية، وبين الاستقلال التنظيمي والتحالف، وبين الثورة والديمقراطية.
الحزب الشيوعي العراقي: عندما يصبح الخيار المسلح بديلًا عن بناء القاعدة الاجتماعية
تقدم تجربة الحزب الشيوعي العراقي درسًا شديد الصلة بالسودان. فقد دخل الحزب في مراحل مختلفة في صراعات مسلحة وانقلابات وتحالفات مع العسكريين، وكان ذلك جزءًا من البيئة السياسية العراقية شديدة الانقلابية. وتوضح دراسة عربية حول الحزب الشيوعي العراقي بين 1958 و1968 أن الخيار المسلح كان أحد الأدوات الأساسية التي راهن عليها الحزب في تغيير النظام، قبل أن تؤدي الانقلابات والصراعات إلى إضعافه بصورة كبيرة (السنبسي، 2021).
المقارنة مع السودان لا تعني التطابق، لكنها توضح الخطر المشترك: حين تصبح السيطرة على الدولة هدفًا منفصلًا عن بناء التحالفات الاجتماعية والمؤسسات الديمقراطية، يمكن أن يتحول التنظيم الثوري إلى ضحية للانقلابات التي ساعد في إنتاج بيئتها.
جنوب أفريقيا: من الكفاح إلى التحالف المؤسسي
تقدم تجربة الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي مسارًا مختلفًا. فقد دخل في تحالف طويل مع المؤتمر الوطني الأفريقي والحركة النقابية، ولم يعتبر الحفاظ على النقاء التنظيمي سببًا كافيًا للانسحاب من التحالف. وكان جزءًا من عملية انتقال واسعة بعد سقوط الفصل العنصري عام 1994.
الدرس هنا ليس أن السودان يجب أن ينسخ جنوب أفريقيا؛ فالبنى الاجتماعية والتاريخية مختلفة. لكن التجربة تظهر أن الحزب الأيديولوجي يستطيع الحفاظ على هويته مع الانخراط في تحالفات واسعة إذا امتلك آليات واضحة لإدارة الخلاف.
إيطاليا وبيرلينغوير: التسوية التاريخية بوصفها استراتيجية لا استسلامًا
تقدم تجربة الحزب الشيوعي الإيطالي في عهد إنريكو بيرلينغوير نموذجًا أكثر تعقيدًا. فقد حاول الحزب تجاوز التبعية السوفيتية، وتطوير الشيوعية الأوروبية، وبناء تحالفات واسعة مع القوى الديمقراطية غير الشيوعية. وكان مفهوم “التسوية التاريخية” محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القوة الأيديولوجية والحكم الديمقراطي.
وهنا يبرز درس شديد الصلة بالسودان: التسوية ليست بالضرورة تنازلًا عن المبادئ؛ قد تكون أداة لتحقيقها إذا كانت لها حدود وأهداف وشروط واضحة.
مصر: ضرورة التكيف مع المجتمع السياسي
أما التجربة المصرية فتظهر صعوبة بقاء الحزب الشيوعي الصغير إذا ظل أسير البنية التنظيمية القديمة. وقد أعادت القوى اليسارية المصرية بعد 2011 النظر في التحالفات والعمل الجبهوي، وإن لم تحقق نجاحًا كبيرًا على مستوى السلطة. فالدرس ليس نجاحًا كاملًا، بل ضرورة التكيف مع مجتمع سياسي متغير.
البرازيل وإسبانيا واليونان: من الحزب إلى الحركة
وتقدم تجارب حزب العمال البرازيلي وبوديموس وسيريزا نماذج مختلفة للانتقال من التنظيم الأيديولوجي الضيق إلى حركة اجتماعية واسعة. لكن هذه التجارب تكشف أيضًا مخاطر مقابلة: فقد يؤدي التوسع الكبير إلى تمييع الهوية، والانقسامات الداخلية، وصعوبة إدارة السلطة.
ومن ثم فإن الدرس السوداني ليس “افتح الحزب بلا حدود”، بل “افتحه مع الحفاظ على آليات القرار والشفافية والمساءلة”.

الفصل العاشر: من حزب الأرشيف إلى حزب المستقبل — كيف يمكن تحويل ثمانين عامًا من الخبرة إلى قوة سياسية جديدة؟

إذا أراد الحزب الشيوعي السوداني أن يجعل الذكرى الثمانين نقطة تحول لا مجرد احتفال، فإنه يحتاج إلى تجديد متعدد المستويات.
أول هذه المستويات هو التجديد الفكري. فالاشتراكية في السودان لا يمكن أن تكون مجرد إعادة إنتاج لنصوص القرن العشرين. يجب أن تجيب عن أسئلة الاقتصاد الرقمي، والاقتصاد غير الرسمي، والذهب، والزراعة، والقطاع الخاص، والعدالة الضريبية، والتعليم، والصحة، واللامركزية، والبيئة، وتغير المناخ، وإعادة إعمار المدن، وتمويل الدولة.
وثانيها التجديد التنظيمي. يحتاج الحزب إلى هياكل تسمح بالنقاش الداخلي الحقيقي، وتقلل الاعتماد على المركزية الصارمة، وتفتح المجال أمام الشباب والنساء والقيادات المحلية. ويمكن للتقنيات الرقمية أن تساعد في ذلك، لكن مع مراعاة أمن الأعضاء في بلد لا تزال فيه السياسة عالية المخاطر.
وثالثها إعادة بناء العلاقة مع النقابات. فالحزب لا يحتاج إلى السيطرة على النقابات، بل إلى دعم استقلالها. وقد كانت أزمة تجمع المهنيين بعد 2019 تذكيرًا بأن التداخل الحزبي المباشر يمكن أن يضعف المؤسسات المدنية التي تحتاجها الديمقراطية.
ورابعها إعادة بناء العلاقة مع لجان المقاومة. يجب التعامل معها باعتبارها قوة مدنية مستقلة لا باعتبارها امتدادًا تنظيميًا للحزب. وقد أظهرت اللجان خلال الحرب قدرة استثنائية على تقديم الخدمات والإغاثة والحماية المحلية (ACAPS, 2023).
وخامسها الانفتاح على الهامش. لا يمكن بناء يسار سوداني وطني من الخرطوم وحدها. يجب أن يكون للقيادات المحلية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق ووسط السودان دور حقيقي في تحديد البرنامج، لا أن تكون المناطق مجرد موضوعات للبيانات السياسية.
وسادسها إعادة تعريف التحالف. يحتاج الحزب إلى التمييز بين التحالف الانتخابي، والتحالف الثوري، والتحالف التفاوضي، والتحالف الحكومي. ليس كل تحالف شراكة دائمة، وليس كل تفاوض شرعية، وليس كل مشاركة تنازلًا أيديولوجيًا.
وسابعها برنامج اقتصادي قابل للحساب. فالسودان بعد الحرب يحتاج إلى برنامج لإعادة الإعمار، وإعادة تشغيل الزراعة والصناعة، وإصلاح النظام المصرفي، وإعادة بناء التعليم والصحة، واستعادة الإيرادات العامة، وإدارة الذهب والموارد، ومعالجة الدين، وتحقيق حماية اجتماعية. لا يكفي أن يقول الحزب “ضد صندوق النقد”؛ عليه أن يقدم بديلًا ماليًا ونقديًا يمكن اختباره.
وثامنها سياسة واضحة تجاه المؤسسة العسكرية. يجب أن يبقى المبدأ واضحًا: لا حكم عسكريًا دائمًا، ولا مليشياوية، ولا جيش حزبي. لكن الوصول إلى جيش مهني واحد يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا وتفاوضًا وترتيبات أمنية واقعية، وليس مجرد شعار.
وتاسعها سياسة واضحة تجاه الحرب. ينبغي للحزب أن يحافظ على رفضه لتسليح المدنيين ورفضه تحويل الدولة إلى ميدان دائم للحرب، مع إدانة موثقة ومتسقة لجرائم جميع الأطراف. وقد أظهرت بيانات الحزب الحديثة اتجاهًا إلى هذا النوع من الجمع بين وقف الحرب والمساءلة (Sudanese Communist Party, 2025).
وعاشرها التحول من حزب الذاكرة إلى حزب المستقبل. فالمجد التاريخي لا يكفي لبناء قاعدة انتخابية جديدة. يجب أن يكون الحزب قادرًا على إقناع السوداني الذي لم يولد حتى في 1990 بأن لديه مشروعًا لمستقبله، لا مجرد تاريخ طويل من النضال.

الفصل الحادي عشر: ميزان الثمانين عامًا — ماذا يبقى من الحزب حين تُفصل الأسطورة عن الوقائع؟

بعد ثمانين عامًا، لا يمكن إصدار حكم واحد على الحزب الشيوعي السوداني. إنما يمكن إصدار أحكام مختلفة باختلاف معيار التقييم.
إذا كان المعيار هو المقاومة ضد الاستعمار والاستبداد، فإن سجل الحزب قوي جدًا. فقد ساهم في الحركة الوطنية، وواجه الدكتاتوريات، وكان لاعبًا مهمًا في ثورة أكتوبر، وانتفاضة أبريل، وثورة ديسمبر، ودفع ثمنًا بشريًا كبيرًا.
إذا كان المعيار هو النقابات والتنظيم الجماهيري، فإن للحزب تجربة رائدة في السودان، خصوصًا في مراحل صعود الحركة العمالية والنقابية.
إذا كان المعيار هو حقوق المرأة، فإن تجربة فاطمة أحمد إبراهيم والاتحاد النسائي تجعل الحزب جزءًا مهمًا من تاريخ التحديث الاجتماعي والسياسي السوداني، مع ضرورة الاعتراف بأن الحركة النسائية نفسها كانت أوسع من الحزب وأن لها ديناميكيات استقلالية خاصة.
إذا كان المعيار هو الديمقراطية التعددية، فالصورة أكثر تناقضًا. فقد دافع الحزب عن الحريات المدنية في مواجهة الدكتاتوريات، لكنه في مراحل معينة تبنى أو شارك في ترتيبات سياسية لم تكن ديمقراطية بالكامل، وكان متورطًا بصورة مركبة في بيئة انقلاب 1969، ثم في أزمة يوليو 1971. كما أن تشدده تجاه بعض التسويات الانتقالية بعد 2019 يثير سؤالًا مشروعًا حول الفرق بين الديمقراطية المبدئية والديمقراطية التفاوضية.
إذا كان المعيار هو الوصول إلى السلطة، فإن سجله ضعيف. فقد كان قريبًا من السلطة في الستينيات، وشارك في الحكومة بعد أكتوبر، وكان له نفوذ كبير داخل الدولة في 1969-1971، لكنه لم يتحول إلى حزب حاكم مستقر.
إذا كان المعيار هو القدرة على بناء تحالفات واسعة، فإن التاريخ يكشف نجاحات وإخفاقات. فقد نجح في بناء تحالفات وطنية ونقابية في مراحل مبكرة، لكنه انسحب لاحقًا من تحالفات مدنية كان يمكن أن تمنحه نفوذًا أكبر.
إذا كان المعيار هو القدرة على التكيف، فإن الحزب حافظ على بقائه بصورة مثيرة للإعجاب، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إعادة تعريف نفسه بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية العميقة في السودان.
ومن هنا فإن القول إن الحزب “كرر السقوط في اللحظة الحاسمة” يحمل قدرًا من الحقيقة، لكنه يحتاج إلى تدقيق. لم يكن الحزب يسقط وحده، ولم تكن اللحظات الحاسمة كلها متشابهة. 1964 كانت ثورة جماهيرية ناجحة، و1971 كانت مغامرة عسكرية كارثية، و1985 كانت انتفاضة ضد ديكتاتورية انتهت إلى ديمقراطية ضعيفة، و2019 كان انتقالًا معقدًا بين المدنيين والعسكريين، و2023 حربًا بين قوتين مسلحتين كبيرتين.
لكن التشابه البنيوي موجود: الحزب أقوى عندما يكون الهدف إسقاط سلطة غير ديمقراطية، وأضعف عندما يصبح المطلوب بناء ائتلاف واسع حول قواعد لعبة مشتركة.
وهذه هي الخلاصة الأكثر أهمية في الذكرى الثمانين.

الفصل الثاني عشر: خاتمة نقدية حول الازدواجية البنيوية التي لا تُبطل المجد ولا تعفي من المساءلة

يستحق الحزب الشيوعي السوداني الاحتفال بثمانين عامًا من الوجود السياسي، ليس لأن ثمانين عامًا تعني تلقائيًا النجاح، وإنما لأن الحزب يمثل إحدى أكثر التجارب السياسية استمرارًا وتأثيرًا في التاريخ السوداني الحديث. فقد ولد من رحم الحركة المناهضة للاستعمار، ونما داخل القطاعات الحديثة، وبنى شبكات نقابية وفكرية، وشارك في ثورة أكتوبر، وكان له إسهام بارز في الحركة النسائية، وصمد أمام القمع بعد 1971، وعاد إلى المجال العام بعد 1985، واستمر في معارضة نظام الإنقاذ، وشارك في ثورة ديسمبر، ثم حافظ على موقف مدني رافض للحرب والحكم العسكري.
لكن الاحتفال الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة تاريخية ضد النقد.
فالحزب مسؤول سياسيًا عن بعض خياراته، حتى عندما لا يكون مسؤولًا عن النتائج كلها. وكانت مأساة 1971 أكبر دليل على خطورة الاقتراب من المؤسسة العسكرية باعتبارها أداة لتسريع التحول الاجتماعي. وكانت انتخابات 1986 تذكيرًا بأن القوة الثورية لا تتحول تلقائيًا إلى قوة انتخابية. وكان الانسحاب من قوى الحرية والتغيير بعد 2020 اختبارًا لمشكلة التوفيق بين المبدأ والبراغماتية. وكانت الحرب منذ 2023 اختبارًا أشد قسوة لقدرة الحزب على بناء تحالف مدني واسع دون أن يضحي باستقلاله الأخلاقي والسياسي.
وفي المقابل، لا يجوز تحميل الحزب مسؤولية انهيار الانتقال وحده. فقد كان العسكريون أصحاب القوة المادية الأكبر، وكانت الدولة عميقة الاختراق من قبل مصالح أمنية واقتصادية، وكانت الحركات المسلحة جزءًا من المشهد، وكانت القوى المدنية نفسها منقسمة، وكانت البيئة الإقليمية والدولية شديدة التعقيد. كما أن الحرب الحالية لا يمكن تفسيرها بخلافات الأحزاب المدنية، بل هي نتيجة تراكم طويل من عسكرة الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، والتنافس على الموارد، والانهيار المؤسسي والتدخلات الخارجية.
ومن ثم فإن النقد الأكثر إنصافًا هو نقد القدرة الضائعة: الحزب كان يمتلك أحيانًا رأس مال سياسيًا وتنظيميًا أكبر من قدرته على تحويله إلى نفوذ مؤسسي. وفي كل مرة تقريبًا كانت هناك لحظة يمكن فيها تحويل هذا الرصيد إلى تحالف وطني واسع، ظهرت صعوبة في إدارة الاختلاف.
ولا يعني تجاوز هذه المشكلة التخلي عن الماركسية أو العدالة الاجتماعية. كما لا يعني تحويل الحزب إلى حزب ليبرالي أو انتخابي بلا هوية. بل يعني إعادة تعريف الماركسية السودانية من داخل المجتمع السوداني نفسه، وإدخال الديمقراطية التشاركية، والتعددية، واللامركزية، وحقوق النساء، وحقوق الأقاليم، والاقتصاد الحديث، والاقتصاد غير الرسمي، والبيئة، والرقمنة، في قلب المشروع السياسي.
والدرس الأكبر من التجارب الدولية ليس أن الأحزاب الشيوعية تنجح عندما تتخلى عن أيديولوجيتها، وإنما أنها تصبح أكثر تأثيرًا عندما تستطيع تحويل الأيديولوجيا إلى مشروع اجتماعي قابل للتحالف والتنفيذ. فالتجربة الإيطالية أظهرت قيمة التحالفات، والتجربة الجنوب أفريقية أظهرت قيمة العمل الجبهوي طويل المدى، والتجربة العراقية أظهرت مخاطر تحويل القوة المسلحة إلى بديل عن القاعدة الاجتماعية، بينما أظهرت التجارب العربية أن البقاء التنظيمي لا يكفي إذا لم يصاحبه تجديد اجتماعي وسياسي.
أما السودان، فهو يحتاج بعد الحرب إلى أكثر من حزب ناجح؛ يحتاج إلى نظام سياسي جديد قادر على منع عودة دورة الانقلاب والحرب والانهيار. وإذا أراد الحزب الشيوعي أن يكون جزءًا من هذا المستقبل، فإن أعظم تكريم لثمانين عامًا من تاريخه لن يكون مهرجانًا أو بيانًا احتفاليًا، بل مراجعة نقدية صادقة تعيد تعريف الحزب بوصفه قوة مدنية ديمقراطية واسعة، لا مجرد حارس لذاكرة ثورية عظيمة.
لقد أثبت الحزب أنه يستطيع أن يقاوم. وأثبت أنه يستطيع أن ينظم. وأثبت أنه يستطيع أن يعبئ. وأثبت أنه يستطيع أن يعيش رغم القمع. لكن السؤال الذي لم يحسمه التاريخ بعد هو: هل يستطيع أن يتحالف، ويتفاوض، ويحكم، ويبني المؤسسات، ويشارك في صناعة نظام ديمقراطي مستدام دون أن يفقد هويته؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون الذكرى الثمانون بداية مرحلة جديدة لا خاتمة عصر. وإذا كانت الإجابة لا، فإن الحزب سيظل مؤسسة تاريخية عظيمة، لكنها محكومة بأن تكون أقوى في ذاكرة الثورات من حضورها في بناء الدولة التي تأتي بعدها.
وهنا تكمن المفارقة النهائية: الحزب الشيوعي السوداني لم يفشل لأنه لم يصنع التاريخ؛ لقد نجح في صنع أجزاء مهمة منه. والمشكلة أنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل ذلك التاريخ إلى مؤسسات دائمة. وبين صناعة اللحظة وصناعة النظام تقع المسافة كلها بين مجد التأسيس وتكرار السقوط في اللحظة الحاسمة.

المراجع

  1. ابن إسماعيل، طارق. الحزب الشيوعي السوداني: الأيديولوجيا وسياسة الحزب. روتلدج، 2011. (Ismael, T. Y. The Sudanese Communist Party: Ideology and Party Politics. Routledge, 2011).
  2. بابو، تاج السر عثمان. “في ذكراه الثمانين: سمات وإرهاصات نشأة الحزب الشيوعي السوداني.” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  3. بابو، تاج السر عثمان. “في ذكراه الثمانين: أبرز معالم مسيرة الحزب الشيوعي السوداني.” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  4. بابو، تاج السر عثمان. “كيف تصاعد عمل الحزب الشيوعي بعد تأسيسه؟” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  5. السنبسي، خميس محمود شبيب. “الخيار المسلح لتغيير النظام السياسي لدى الأحزاب والتنظيمات السياسية في العراق 1958-1968: الحزب الشيوعي العراقي أنموذجًا.” مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، 2021؛ 17(3): 757-783.
  6. الراكوبة. “في ذكرى تأسيسه: كيف ارتبط الحزب الشيوعي بالواقع السوداني؟” صحيفة الراكوبة، 2025. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  7. الراكوبة. “الحزب الشيوعي السوداني والانقسام المدني: تحليل المواقف منذ ثورة ديسمبر وحتى حرب أبريل.” صحيفة الراكوبة، 2025. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  8. الراكوبة. “مبادرة الحزب الشيوعي السوداني لوقف الحرب واسترداد الثورة.” صحيفة الراكوبة، 2024. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  9. الراكوبة. “الحزب الشيوعي السوداني: من مدرسة التنوير الوطني إلى عزلة ما بعد الثورة.” صحيفة الراكوبة، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  10. الراكوبة. “الحزب الشيوعي يطرح رؤية شاملة لوقف الحرب في السودان.” صحيفة الراكوبة، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  11. رصاص، محمد سيد. الحزب الشيوعي السوداني 1946-1971. المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2003. أعيد نشره في سودانايل. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  12. ريكان، حسان؛ جعيجر، عبد الستار. “الحزب الشيوعي السوداني ونشاطه السياسي في السودان حتى عام 1971.” مجلة مداد الآداب، 2018؛ 8(15). تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  13. سودانايل. “الحزب الشيوعي السوداني: إرث النضال وأسئلة المصير في زمن الانهيار.” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  14. سودانايل. “الحزب الشيوعي السوداني من قلعة التراث إلى شبكة المستقبل.” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  15. سودانايل. “ما هي مواقف الحزب الشيوعي بعد ثورة ديسمبر؟” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  16. سودانايل. “دور الحزب الشيوعي السوداني في تفتيت الصف المدني بعد ثورة ديسمبر 2018.” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  17. شبكة سبلمن. “الحراك النسوي على مر تاريخ الدولة السودانية: ما بين التقدمية والمحافظة.” 2025. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  18. الشحات، سعيد. “ذات يوم: 28 يوليو 1971: إعدام زعيم الحزب الشيوعي السوداني عبدالخالق محجوب.” اليوم السابع، 2018. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  19. عبد الماجد، عادل. “تحية للحزب في عيده الثمانين.” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  20. الجزيرة نت. “أيقونة الثورة في خطر: الانقسامات تهدد تجمع المهنيين السودانيين.” الجزيرة نت، 2020. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  21. الجزيرة نت. “من السودان ومصر والعراق: عربيات رائدات اقتحمن الحياة العامة.” الجزيرة نت، 2021. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  22. كمير، الواثق. “النقابة والسياسة: دور الحركة النقابية في الانتقال السوداني.” سودان تربيون، 2021. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  23. إرم نيوز. “الحزب الشيوعي السوداني ينسحب من مفاوضات الإعلان الدستوري.” إرم نيوز، 2019. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  24. الأناضول. “الحزب الشيوعي السوداني يعلن انسحابه من الائتلاف الحاكم.” وكالة الأناضول، 2020. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  25. بوابة الاشتراكي. “انتفاضة مارس-أبريل 1985.” 2014. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  26. كورنيليو، إدوارد. “تجربة الحزب الشيوعي السوداني 1946-2026.” سودانايل، 2026. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  27. Beam Reports. “كيف شاركت النساء في ثورات السودان السلمية؟” بيم ريبورتس، 2022. تاريخ الوصول: 26 أغسطس 2026.
  28. Abbashar, H. “Resistance Committees and Sudan’s Political Future.” PeaceRep, 2023. Accessed August 26, 2026.
  29. ACAPS. “Khartoum Pre-Crisis Profile: Sudan.” ACAPS, 2023. Accessed August 26, 2026.
  30. Berridge, W. “The Free Officers and the Comrades: The Sudanese Communist Party and Nimeiri Face-to-Face, 1969-1971.” International Journal of Middle East Studies. Cambridge University Press. Accessed August 26, 2026.
  31. Berridge, W.; de Waal, A.; Lynch, J. Sudan’s Unfinished Democracy: The Promise and Betrayal of a People’s Revolution. Oxford University Press, 2022. Accessed August 26, 2026.
  32. Chatham House. “A Strong Civilian Coalition Is Vital to Avert Sudan’s Disintegration.” London: Chatham House, 21 June 2024. Accessed August 26, 2026.
  33. Chatham House. “Africa Aware: Tagadom’s Vision for Ending the War in Sudan.” London: Chatham House, 14 November 2024. Accessed August 26, 2026.
  34. Chatham House. “Civilian Priorities for Ending the War in Sudan.” London: Chatham House, 31 October 2024. Accessed August 26, 2026.
  35. Chatham House. “The War in Sudan Is Intensifying: Coordinated Pressure Is Needed to Prevent the Country’s Fragmentation.” London: Chatham House, 18 September 2024. Accessed August 26, 2026.
  36. Dabanga Radio TV. “Opposition Parties to Boycott Sudan Elections in 2020.” 2018. Accessed August 26, 2026.
  37. Dabanga Radio TV. “The Sudanese Communist Party Says Taqaddum Has No Right to Go Beyond Its Mandate to Stop the War.” 2024. Accessed August 26, 2026.
  38. Dabanga Radio TV. “Sudanese Communist Party: Samoud and Tasis Rely on External Change While We Rely on Internal Change.” 13 January 2026. Accessed August 26, 2026.
  39. Davies, C. “The Women of the Revolution: Forty Years of the Sudanese Women’s Union.” London-related historical documentation on Sudanese women’s political participation, 2013.
  40. Freedom House. “Sudan: Freedom in the World 2019 Country Report.” Washington, DC: Freedom House, 2019. Accessed August 26, 2026.
  41. Gaddal, M. S. A. “The Sudanese Communist Party and Liberal Democracy: 1946-69.” In: Mamdani, M.; Wamba-dia-Wamba, E., eds. African Studies in Social Movements and Democracy. CODESRIA, 1995: 69-98. Accessed August 26, 2026.
  42. Himmat, A. “A History of the Sudanese Communist Party.” PhD thesis, University of South Wales, 2021. Accessed August 26, 2026.
  43. International Crisis Group. “Sudan’s Calamitous War: Finding a Path toward Peace.” Brussels: International Crisis Group, 2025. Accessed August 26, 2026.
  44. International Crisis Group. “Divided Sudan, Elusive Peace.” Brussels: International Crisis Group, 2026. Accessed August 26, 2026.
  45. Ismael, T. Y. The Sudanese Communist Party: Ideology and Party Politics. Routledge, 2011. Accessed August 26, 2026.
  46. Kurita, Y. “The Sudanese Communist Movement.” Oxford Research Encyclopedia of African History. Oxford University Press, 2019. Accessed August 26, 2026.
  47. O.I.U. (مرجع غير مكتمل).
  48. Osman, M. “Elections 2015: Sudan’s Opposition Makes the Wrong Choice, Again.” African Arguments, 2015. Accessed August 26, 2026.
  49. Solidnet. “Sudanese Communist Party: Public Communiqué of the Secretariat of the Central Committee.” 2024. Accessed August 26, 2026.
  50. Solidnet. “Sudanese Communist Party: Memorandum Submitted to the Facilitation Committee at the Addis Ababa Meeting.” 2026. Accessed August 26, 2026.
  51. Solidnet. “Sudanese Communist Party: Statement on the Massacres by Rapid Support Forces in Bara and El Fasher.” 2025. Accessed August 26, 2026.
  52. Sudanese Communist Party. “Public Communiqué of the Secretariat of the Central Committee.” Solidnet, 7 September 2024. Accessed August 26, 2026.
  53. Sudanese Communist Party. “Statement on the Massacres by Rapid Support Forces in Bara and El Fasher.” Solidnet, 29 October 2025. Accessed August 26, 2026.
  54. Sudanese Communist Party. “Memorandum Submitted to the Facilitation Committee at the Addis Ababa Meeting.” Solidnet, 3 June 2026. Accessed August 26, 2026.
  55. Tareeq Al-Shaab. “The Sudanese Communist Party Renews Its Call to Stop the War and Recover the Revolution.” 2024. Accessed August 26, 2026.
  56. Tareeq Al-Shaab. “Sudanese Communist Party: Rejecting a Bilateral Settlement between the Army and the Rapid Support Forces.” 2026. Accessed August 26, 2026.
  57. United Nations Sudan. “Sudan Annual Results Report 2024.” United Nations, 2025. Accessed August 26, 2026.
  58. United Nations. “UN Urges Global Action to Protect and Support Civilians Devastated by Sudan’s War.” Geneva: United Nations, 17 February 2025. Accessed August 26, 2026.
  59. United Nations Office of the Humanitarian Coordinator for Sudan. “Forced Displacement in North Darfur Overwhelms Aid Operations and Increases Civilian Vulnerability.” Port Sudan: United Nations, 20 April 2025. Accessed August 26, 2026.
  60. UNICEF. “Report to the Executive Board: Sudan Humanitarian and Child Protection Situation.” United Nations, 2025. Accessed August 26, 2026.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الرياضة
مواجهات ملتهبة في دوري النخبة
يامآمن العسكر كرَجَّال، يامآمن المية في الغربال (1-3)
منبر الرأي
مولانا نعمات رئيسة القضاء مع الاحترام .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي
الثورة السودانية ومعضلتها الراهنة .. بقلم: جلبير الأشقر
منبر الرأي
الثقة… رأس المال الذي لا يظهر في الميزانيات

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

رسالة الي أهلنا المسيرية ودينكا نقوق .. بقلم: عبدالله محمدأحمد الصادق

طارق الجزولي
منبر الرأي

(حشد الوحدوي) يعلن عن تبنيه مبادرة “ميثاق شرف سياسي” لانجاح عملية الانتقال الديمقراطي

طارق الجزولي
منبر الرأي

الإتحاد الأوربي والأزمة السودانية .. !! .. بقلم: نور الدين عثمان

نور الدين عثمان
منبر الرأي

ليلة الجنرالات .. الطابور الخامس، ورابح ود قاسم .. بقلم: عمر جعفر السّــــوْري

عمر جعفر السـوري
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss