جرة نـم (2) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش
29 مايو, 2016
منشورات غير مصنفة
43 زيارة
كما ذكرت في النمة السابقة، فإن التراث والشعر الشعبي في دار الريح غني جداً من حيث المعاني والجوانب البلاغية والمفردات المعبرة عن مراد الشاعر أو الشاعرة. ونمة اليوم نقدمها من غناء الدلوكة. وكما هو معلوم فإن هذا أحد ضروب الفنون الرائجة في معظم أنحاء السودان مثل ديار الجعليين ووسط السودان، بيد أن منطقة دار الريح؛ خاصة المنطقة شمال بارا مثل البشيري ودميرة لها باع طويل في هذا المجال من حيث القالب الشعري والإيقاع المتميز الذي يختلف كثيراً عمل نجده في مناطق أخرى، واشتهرت بكثير من الحكامات مثل حوة بت تندل وأم نصر والتاية بت زمل. ولعل من أشهر أغاني الدلوكة في هذه المنطقة هي أغنية خال فاطنة التي صدح بها الموسيقار الكابلي وهي من كلمات الشاعرة أم كلثوم محمد عبد الرازق. وهنالك أغنية كاسر يا جرو الخلا أب ساجور للشاعرة حوة بت تندل. وعموماً أغاني الدلوكة ليست رباعية وليس عدد محدد من الأبيات ولذلك قد تطول أو تقصر وتستخدم في الغالب للوصف أو المدح وهي تتميز بالتطريب العالي لأنها تغنيها النساء مصحوبة بالإيقاع وربما “الزومة” من قبل الرجال. ونمة اليوم من كلمات الشاعرة أم نصر وهي شاعرة معروفة، صرفت شعرها لمدح الشيخ عبده عمر قش، ناظر الفراحنة، وقد كان رجلاً شجاعاً، كريماً ومهاباً، يكرم الشعراء ويغدق عليهم.
بيتك علم أم رخام
وسيفك برق الضلام
إت يا البِرزمْ سقيْ الاسهام
وهي تريد أن تصف بيته بأنه كالكعبة التي يحج إليها الناس لكثرة ما يرد عليه من الضيوف وبأنه فارس له سيف يلمع كما البرق في الليلة المظلمة وأنه كالمطر الذي يسقي مساحات شاسعة كناية عن كرمه. ويلاحظ أن الشاعرة تشبه بيت الممدوح بالكعبة، مع فارق الحال، وهي تحذف كل أدوات التشبيه وأوجه الشبه وتكرر ذات الشيء عند حديثها عن سيفه ولكنها تضيف بعداً بلاغياً في البيت الثاني إذ أنها تكني عن فراسة الممدوح وترمز لذلك بشيء من لوازمه وهو السيف الذي يلمع في الظلام (الضلام)، وإبدال الحروف عند العرب شائع جداً. ونلاحظ أن الشاعر تبلغ مدى غير مسبوق عندما تقول للممدوح (إت يا البرزم سقي الأسهام) وهنا أيضاً تحذف أدوات التشبيه وتشمل الممدوح بما يتصف به المطر من رعد (رزيم) وهي لعمري كلمة عربية فصيحة؛ وبحسب قاموس المعاني فإن الرزيم هو الزَّئير دون فتح الفم والرَّزِمُ: هو الغيثُ الذي لا ينقطعُ رعده أو هو صوت الرعد الشديد. وهذه كناية مكتملة الأركان تعطي القول قوة وجمالًا، كما أنها دلالة على فصاحة اللهجة في دار الريح وسعة خيال وتمكن هذه الشاعرة الفذة.