باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 18 مايو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
خالد البلولة
خالد البلولة عرض كل المقالات

جمال حسن سعيد: الشاعر الذي خرج من عباءة المسرح

اخر تحديث: 14 مايو, 2026 10:12 مساءً
شارك

جمال حسن سعيد: الشاعر الذي خرج من عباءة المسرح
قراءة نقدية في تجربته الشعرية من خلال نماذج مختارة
خالد البلولة
لم يكن جمال حسن سعيد شاعراً تقليدياً يلجُ عالم الغناء عبر بوابة الموهبة الشعرية فقط لكنه ربيب المسرح السوداني كما يصف نفسه، جاء من أروقته الواسعة، محملاً بالحكايات الشعبية الاساطير واللغة السودانية الثرية والمثرية،فمنذ نشأته، كان قريباً من (الخشبة) يتنفس إيقاعها،ويختزن في ذاكرته تلك القدرة الفطرية على تحويل الكلمة والمواقف والذكريات المختزنة إلى مشاهد حية تنبض بالحياة.
أولا :بيئات متعددة وتكوين إبداعي متفرد:
انطلقت صرخته الأولى في الخرطوم مطلع ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتشكل ملامح تجربته الإنسانية والإبداعية عبر مسار حياتي وتعليمي متنوع. فقد تنوعت محطات نشأته بين كوبر والعباسية والموردة بأم درمان، ذلك الفضاء الشعبي والثقافي الذي ظل يمثل أحد أهم الحواضن الاجتماعية والفنية في السودان، بما يختزنه من ذاكرة شفاهية غنية وحيوية يومية انعكست بوضوح في وجدانه الشعري لاحقاً. تنقل جمال حسن سعيد في مراحل تعليمه الأولى بين مدارس وبيئات متعددة،وهو تنقل لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة معرفية وثقافية عميقة أسهمت في توسيع أفقه الإنساني والإبداعي.فقد أتاح له الاحتكاك ببيئات اجتماعية مختلفة أن يقترب من تنوع الشخصية السودانية ولهجاتها وتفاصيلها اليومية،الأمر الذي انعكس لاحقاً في لغته الشعرية المفعمة بالحياة والمشاهد الإنسانية والقدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى صور شعرية نابضة.أكسبه هذا التعدد في البيئات الدراسية حساً مبكراً بالملاحظة والانتباه للفروق الثقافية والاجتماعية،وهي عناصر ستغدو لاحقاً جزءاً أساسياً من بنائه الدرامي والشعري؛إذ تبدو شخصياته الشعرية دائماً وكأنها خارجة من قلب الحياة اليومية بكل تناقضاتها وأصواتها ودفئها الإنساني.واصل دراسته في أكثر من حقل معرفي، في دلالة واضحة على شخصية متعددة الاهتمامات تجمع بين الحس العلمي والعملي والوعي الفني.وقد أسهمت دراسته للموسيقى والدراما بصورة خاصة في تشكيل لغته الشعرية ذات البعد المسرحي، حيث تتداخل في نصوصه عناصر الحوار والمنولوج والصور الشعرية والسرد والإيقاع، فتبدو القصيدة عنده أقرب إلى مشهد حي يتحرك على خشبة المسرح.او صورة درامية.وتعددت بعد ذلك تجاربه الإبداعية بين التمثيل والإخراج والكتابة،ليصبح واحداً من الأسماء التي تركت أثراً واضحاً في الوجدان السوداني.غير أن اللافت في تجربته ليس هذا التنوع الإبداعي وحده، بل تلك البدايات المبكرة التي كشفت عن موهبة استطاعت أن تستوعب تأثيرات البيئة والتعليم والمسرح والحياة اليومية،وأن تصوغ منها تجربة شعرية وإنسانية ذات خصوصية واضحة وحضور متفرد في المشهد الثقافي السوداني.
أولا: قصيدة «آدم وحواء».. نبوءة الوعي المبكر: بينما كان وعي جمال حسن سعيد يتشكل، مواهبه الفطرية تتفتح في سن مبكرة،افلح وهو في الرابعة عشرة من عمره أن يكتب نصه الشهير (آدم وحواء) في تجربة مبكرة كشفت عن موهبة استثنائية وقدرة لافتة على التقاط التفاصيل الإنسانية الدقيقة، وصياغتها بلغة شعرية شفافة وعميقة.وقد مثّل هذا النص مؤشراً واضحاً على ميله المبكر إلى المزج بين الحس الشعري والرؤية المسرحية، وهو المزج الذي أصبح لاحقاً إحدى السمات الأساسية في مشروعه الإبداعي.ليعلن عن ميلاد صوت مختلف يمتلك حساسية فنية عالية ووعياً جمالياً سبق سنوات عمره.وقد اكتسب النص مكانته الخالدة حين تغنى به الفنان الكبير أحمد الجابري في مطلع ثمانينيات القرن الماضي عام 1982، ليتحول إلى واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ الغناء السوداني الحديث.وتكشف قصيدة (آدم وحواء)عن التكوين الفني المبكر للشاعر جمال حسن سعيد، إذ بدت ملامح لغته الخاصة واضحة منذ تلك المرحلة؛ يحمل النص فكرة عميقة تحمل بعدا فلسفيا ولغة تستمد جمالها من الحياة اليومية ومن التفاصيل الإنسانية البسيطة، لكنها ترتقي بها إلى فضاء شعري نابض بالعاطفة والمشهدية والإيقاع.وشكّل تعاون الفنان أحمد الجابري مع هذا النص لحظة مهمة في مسيرة الأغنية السودانية،حيث التقت خبرة الصوت والأداء عند الجابري مع موهبة شعرية شابة كانت في بدايات تشكلها، لتنتج عملاً ظل حاضراً في الذاكرة الفنية السودانية حتى اليوم.
ما أصلو قالوا الريدة ذاتا،،
بتعلّم الزول العبادة،،
حواء دايماً من بعيد،،
زايدة دايماً في عنادها،،
ما أصلو كان آدم بريدها،،
مسكين يطاوع في حلاتها،،
لما فات الجنة ذاتها،،
لذلك تبدو تجربة جمال حسن سعيد الشعرية ناضجة رغم صغر سنه؛ فهو يكتب بموهبة فطرية، وقد تشكل وعيه في منطقة تتقاطع فيها المسرحية مع تفاصيل الحياة اليومية.غير أن النص يبدو صادراً عن تجربة إنسانية مكتملة الرؤية، ليس عن مراهقة عابرة.
مسكين أبونا أصلو زول شايل المحنة،،
وبرضو رضيان بي مصيرو،،
وكل مناهو نعيش في جنة،،
والغريبة في الحكاية،،
دي قصة ما وجدت نهاية،،
ونحن عايشين في المظنة،،
شلنا من آدم محنة
لما قيس في عقلو جن
يمثل هذا المقطع نموذجاً واضحاً لرؤية جمال الشعرية التي تمزج بين الرمز الديني والهمّ الإنساني والاجتماعي، فتتحول شخصية آدم من مجرد شخصية دينية أو أسطورية إلى رمز للإنسان السوداني والعربي المثقل بالمحنة والأسئلة الوجودية.
مسكين أبونا أصلو زول شايل المحنة
وبرضو رضيان بي مصيرو
في هذين السطرين تتجلى صورة آدم بوصفه الأب الأول الذي ورث الشقاء الإنساني منذ لحظة الخروج من الجنة. غير أن الشاعر لا يقدمه باعتباره متمرداً أو ناقماً، بل إنساناً بسيطاً «رضيان بي مصيرو»، وهي عبارة سودانية تمنح النص بعداً شعبياً حميماً، وتجعل آدم قريباً من الإنسان العادي الذي يتحمل أعباء الحياة بصبر واستسلام للقدر. ..ثم ينتقل النص إلى الحلم الإنساني بالخلاص:
وكل مناهو نعيش في جنة
لا تمثل الجنة هنا مكاناً غيبياً فحسب، بل تتحول إلى رمز للحياة الكريمة والاستقرار والطمأنينة. فآدم ما يزال يحمل حلم الخلاص لأبنائه، وكأن الشاعر يشير إلى أن الإنسان يظل مشدوداً دائماً إلى فردوس مفقود، سواء كان فردوس العدالة أو الحب أو الوطن الآمن. ..ويعمق الشاعر البعد الدرامي بقوله:
والغريبة في الحكاية
دي قصة ما وجدت نهاية
هنا يتحول النص إلى تأمل فلسفي؛ فقصة آدم ليست حدثاً منتهياً في الماضي،بل حكاية إنسانية مستمرة تتكرر عبر الأجيال. إن الخطيئة، والتيه، والبحث عن الخلاص، كلها تتجدد في الواقع الإنساني، ولذلك تبدو “الحكاية” مفتوحة بلا نهاية، لأن الإنسان ما يزال يعيش التجربة نفسها بأشكال مختلفة. ويصل النص إلى ذروته الرمزية في قوله:
ونحن عايشين في المظنة
شلنا من آدم محنة
فالمظنة هنا تحيل إلى حالة الشك والقلق وعدم اليقين، وهي حالة وجودية تلازم الإنسان المعاصر في صراعه مع الحياة وأسئلتها الكبرى.ومن هذا المعنى تتجاوز تجربة جمال حسن سعيد البعد العاطفي المباشر لتلامس البعد الإنساني والفلسفي؛ إذ يبدو الإنسان في نصوصه وارثاً لقلق الوجود منذ لحظة آدم الأولى.وتحمل كلمة «المِحنة» في الوجدان السوداني دلالات ثقافية وإنسانية عميقة تتجاوز معناها القاموسي المرتبط بالمعاناة أو الابتلاء،فهي في التعبير الشعبي تشير إلى الرقة الإنسانية،وصفاء المودة،وحسن المعاملة،والشهامة،والتعاطف مع الآخرين ومساندتهم،وهذه القيم تشكل جزءاً أصيلاً من الشخصية السودانية.ومن هنا جاء وصف منطقة الجزيرة بأنها «أرض المِحنة»، كما وصفها الشاعر فضل الله محمد في اغنية للفنان محمد مسكين (من ارض المحنة من قلب الجزيرة) بوصفها فضاءً اجتماعياً عُرف أهله بفيض الكرم ودفء العلاقات الإنسانية وروح التضامن، خاصة في أوقات الشدة، حيث يتقاسم الناس الهمّ والعيش بروح جماعية تنبع من الإحساس العميق بالآخر. وهكذا تتحول «المحنة» في المخيال السوداني من مجرد ابتلاء إلى قيمة أخلاقية وإنسانية تكشف معدن الناس وقدرتهم على التماسك والتراحم.يكتسب توظيف جمال حسن سعيد لهذه المفردات بعداً ثقافياً يتجاوز المباشر،ويستدعي طبقات كاملة من الذاكرة الشعبية والوجدان الجمعي السوداني، ويعيد توظيفها شعرياً داخل تجربة إنسانية أوسع.
ثانيا :قيس بين جمال حسن سعيد وعز الدين هلالي
يقول جمال في نصه «آدم وحواء:
لما قيس في عقلو جن
هي إحالة إلى شخصية قيس بن الملوح، رمز العشق والجنون في التراث العربي.ويستثمر جمال حسن سعيد هذا التناص ليؤكد أن الإنسان حين يندفع خلف حلمه أو عاطفته العميقة قد يبدو “مجنوناً” في نظر العالم. وهنا يربط النص بين آدم وقيس: فكلاهما دفع ثمن الاختيار؛آدم وسوس له الشيطان اختار الحب والمعرفة فخرج من الجنة، وقيس اختار الحب حتى الجنون. وفي «طبع الزمن» يستدعي عز الدين هلالي شخصية قيس بوصفها رمزاً للعاشق الذي يعرف مسبقاً مآلات الحب، ومع ذلك يمضي إليه:
شوف نحن عارفين قيس شقي
وعارفنو كان تايه وحيد
ثم يقول:
وبرضو بنفكر نريد
أي أن الإنسان، رغم معرفته بثمن الحب،لا يتوقف عن السعي إليه. وهذه الرؤية تقترب من النزعة الوجودية في الشعر الغنائي السوداني، حيث يصبح الحب نوعاً من التحدي للمصير.أما جمال حسن سعيد، فقد تعامل مع الرموز التراثية، ومنها آدم وقيس، بطريقة أكثر درامية وسردية، متأثراً بخلفيته المسرحية.فقيس عنده يدخل ضمن بنية رمزية أوسع تربط بين المحنة الإنسانية والحب والاختيار والخسارة.ولذلك يبدو توظيف جمال أقرب إلى “المشهد المسرحي الشعري”،بينما يظل توظيف هلالي أقرب إلى الحكمة الوجدانية والغناء التأملي. يعتمد النص على عدة تقنيات بارزة؛ أبرزها الحكي الشعري، يسرد النص حكاية إنسانية متواصلة، إلى جانب توظيف اللغة الشعبية التي تمنح التجربة صدقها وقربها من المتلقي،يوظف التناص الديني والتراثي عبر استدعاء آدم وقيس،لتتحول الشخصيات التراثية إلى رموز للإنسان المعاصر. فإن «آدم وحواء» هنا ليس مجرد استدعاء لقصة دينية، بل قراءة شعرية للوجود الإنساني، تتقاطع فيه المحنة مع الحب، ويتحول الفردوس المفقود إلى حلم دائم يطارد الإنسان في واقعه اليومي. ثالثا :أزمة الهوية في نصوص جمال حسن سعيد: «مالي بقيت اتنين» نموذجاً: يعتمد جمال حسن سعيد في تجربته الشعرية عامة على تقنيات مسرحية خالصة،وفي جوهرها (الحكي) ويتجلى ذلك بوضوح في توظيفه للمونولوج الداخلي بوصفه أهم أدوات التعبير المسرحي ،فيمنح الشخصية فرصة للكشف عن صراعاتها وهواجسها العميقة من داخل النص. فقصائده تنطلق من فكرة وتفتتح حوارا ومشهداً نابضاً بالحركة،تتحرك داخله الشخصيات وتتفاعل ضمن بناء سردي متنامٍ. ويظهر ذلك بوضوح في نص:
أنا مالي بقيت اتنين
واحد ضدي والتاني معاي
واحد بهناك وواحد بي جاي
نفرين جواي ومختلفين
يستدعي الشاعر في مطلع هذا النص حالة من الصراع الداخلي الحاد، تكاد تقترب من صورة الفصام الرمزي إذ تتجسد الذات في شخصيتين متضادتين تسكنان جسداً واحداً.وهنا يعبر جمال عن صراع عميق بين قوتين: الخير والشر، أو بين انتماءين متنازعين، يخشى أن يقود احتدامهما إلى الاحتراب والدمار، وأن يمتد أثر ذلك ليهدد مشروع (الغابة والصحراء) بوصفه رمزاً لفكرة التمازج العربي الإفريقي في السودان، ورمزاً لهويته الثقافية والوجدانية.(او هكذا تصورت او فهمت المعنى البعيد الذي يرمي اليه) ويمثل قوله:
كراع في النار.. كراع في الطين
أنا خائف من تلك النعرة
أن تحرق في الغابة أو الصحراء
واحداً من أكثر الصور الشعرية كثافة في النص،لما يحمله من دلالات نفسية وثقافية واجتماعية عميقة. فالصورة تقوم على ثنائية حادة بين النار والطين؛فالنار ترمز إلى الألم والخطر والاحتراق، بينما يرمز الطين إلى الثقل والالتصاق بالأرض والتشبث بها وهو رمز الخصب والنماء ويفهم منه رمزية الوحل وهكذا يصبح الجسد معلقاً بين الاحتراق والغرق،في تعبير مكثف عن مأزق وجودي واضح. وعلى المستوى النفسي، تعكس الصورة حالة الانقسام الداخلي التي يقوم عليها النص؛ فالشاعر يشعر بأنه موزع بين هويتين أو انتماءين أو رؤيتين متعارضتين،فلا هو قادر على الانحياز الكامل إلى أحدهما،ولا على الانفصال عن الآخر. لذلك تأتي الصورة الشعبية «كراع في النار وكراع في الطين» بوصفها تعبيراً عن الإنسان الممزق بين قوتين متضادتين. أما على المستوى الثقافي، فإن العبارة تستند إلى المخزون الشعبي والأمثال الدارجة التي تصف الإنسان الواقع في مأزق شديد أو وضع معقد لا يملك فيه خياراً مريحاً.غير أن جمال حسن سعيد يرتقي بهذا التعبير من مستواه اليومي إلى مستوى رمزي أوسع، يتصل بأزمة الهوية السودانية نفسها،خاصة حين يربطه بالخوف من تلك (النعرة) أي العصبية والانقسام،وما قد يترتب عليها من تهديد لمشروع التعايش والتمازج العربي الإفريقي الذي تمثله مدرسة(الغابة والصحراء)التي تُعد واحدة من أبرز الحركات الشعرية والثقافية في تيارات الحداثة الأدبية السودانية،إذ تأسست كرابطة ثقافية في جامعة الخرطوم عام 1962،وطرحت مفهوم التمازج العربي الإفريقي باعتباره مدخلاً لفهم الهوية السودانية وصياغتها تنظيراً وإبداعاً. وقد ضمت في بداياتها عدداً من طلاب الجامعة وخريجيها(راجع مدرسة الغابة والصحراء ومؤسسيها) وقد ارتكزت رؤيتها على أن الشعر السوداني ينبغي أن يعبر عن الهوية الافرو عربية،بوصفه فضاءً يلتقي فيه العنصران العربي والإفريقي، وأن يسهم الأدب في بناء الكيان القومي والثقافة الوطنية الجامعة.ويعود النص مرة أخرى إلى تعميق فكرة التمزق الداخلي في قوله:
يا ظلي يا المولود مني ومن الشمس
يا ماشي معاي في السكة
سامع جواي الهمس وممنوع من اللمس
أنا مين يا ضل؟
مين فينا الخير ومين فينا النمس؟
فالظل هنا ليس مجرد انعكاس مادي، بل قرين نفسي وروحي، يبدو كأنه مولود من الشمس، بما يمنحه بعداً أسطورياً ورمزياً. وهو قريب حد الالتصاق،لكنه في الوقت نفسه بعيد،لا يمكن الإمساك به أو ملامسته،مما يعمق الإحساس بالتناقض والاغتراب الداخلي. ويبلغ النص ذروته في التساؤل الوجودي:
أنا مين يا ضل؟
مين فينا الخير
ومين فينا النمس؟
وتتعدد دلالات كلمة (النمس)هنا؛ فهي تشير إلى الحيوان المعروف بدهائه وقدرته على افتراس الأفاعي والفئران، كما تُستخدم شعبياً للدلالة على الشخص الماكر أو اللص الخفيف السريع. وبهذا التعدد الدلالي يترك الشاعر السؤال مفتوحاً: من يمثل الخير؟ ومن يمثل الشر؟ وهل يمكن الفصل بينهما داخل الذات الواحدة؟ وفي خاتمة النص:
هدّ في جلدي
لون الأرض الشاحب
أصبح لوني… ما زي لوني
ما زي لون الصاحب
وتحمل هذه الرؤية بعداً استشرافياً لافتاً، يكشف عن حسّ الشاعر وعمق وعيه بتوترات البنية الاجتماعية والسياسية. فالنص لا يكتفي بتشخيص الانقسام على مستوى الذات، بل يلمّح إلى قابلية هذا الانقسام للامتداد إلى المجال الجمعي. ومن هذا المنظور، تبدو التجربة وكأنها تلتقط مبكراً ملامح أزمة أوسع عاشها السودان لاحقاً، حيث تصاعدت حدة الصراعات الداخلية إلى درجة أفضت إلى انفصال جزء من البلاد.وهكذا يتجاوز النص كونه تعبيراً شعرياً عن القلق الفردي، ليغدو قراءة رمزية لمآلات التوترات الكامنة في الواقع الاجتماعي والسياسي.
رابعا: قصيدة أظنك عرفتي: تحول في التجربة الشعرية: كشفت تجربة جمال حسن سعيد عن تطور لافت ومتواصل؛ إذ لم يتوقف حضوره عند حدود الكوميديا والمسرح، بل امتد إلى فضاء الشعر الغنائي، حيث استطاع أن يقدم نصوصاً ذات حساسية وجدانية عالية، وجدت طريقها إلى أصوات كبار الفنانين السودانيين، ومن أبرزها أغنية «أظنك عرفتي» التي تغنى بها الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد. مثّلت هذه القصيدة إحدى المحطات المهمة في التجربة الشعرية والغنائية لجمال حسن سعيد،إذ ارتبطت بصوت مصطفى سيد أحمد،وهو من الاصوات الغنائية المتميزة في مسيرة الغناء السوداني،و قام بأدائها وتسجيلها خلال فترة الثمانينيات، عقب لقاء فني جمعه بالشاعر أثناء تقديم مسرحية «إمبراطورية الجداد» للشاعر والمخرج قاسم أبو زيد، وكان مصطفى مؤلفاً موسيقياً للمسرحية.وتكشف الأغنية عن شاعر يمتلك لغة شفيفة ومحمّلة بالشجن، قادرة على التعبير عن قلق العاطفة وأوجاع الرحيل:
أظنك عرفتي عواصفك مهبي
أبارِي في خيالك يسوقني ويودي
ونهرك يعدي ويجهل مصبي
هواجسي البتزرع وظني البربي
بديتك خواطر بتصحى وتساور
وطيفك يزاور وروحك تحاور
تجيبني في زمانك موشّح أساور
أقول بس نسيتك وجرحك يتاور
حملت قصيدة «أظنك عرفتي» اسم الديوان الشعري الذي أصدره الشاعر جمال حسن سعيد عبر شركة قاف للإنتاج الفني التي يملكها البروفيسور اليسع حسن أحمد، زميل دراسة الشاعر في المعهد العالي للموسيقى والمسرح. ويعكس هذا الإصدار عمق التداخل بين التجارب الإبداعية التي تشكلت داخل هذه المؤسسة، والتي أسهمت في صياغة جانب مهم من الوعي الفني والثقافي في السودان الحديث، حيث تلاقت تجارب الشعر والمسرح والموسيقى والإنتاج الفني في فضاء معرفي واحد. وفي المقاطع التالية تبلغ القصيدة ذروة الشفافية العاطفية، حيث يفتتح النص بصورة شديدة الحميمية
لقيتك خواطر بتصحى وتساور
وطيفك يزاور.. وروحك تحاور
فالمرأة هنا لا تحضر حضوراً مادياً مباشراً، وإنما تتجسد في هيئة خواطر وطيف، أي في مستوى الوعي الباطني والذاكرة. ويمنح هذا التحول الأفعال (تصحى، تساور، يزاور، تحاور) حركة داخلية مستمرة، وكأن الحبيبة أصبحت حالة ذهنية تسكن الشاعر وتطارده في آن واحد. ثم يقول :تجيبني في زمانك موشّح أساور هنا ينتقل النص من المجرد إلى الصورة الحسية؛ فالأساور توحي بالزينة والأنوثة والاحتفال، وقد تحمل في الوقت ذاته دلالة القيد والارتباط. وكأن الحبيبة تستدعيه إلى زمنها الخاص، الزمن المشبع بالإغواء والذاكرة والجمال، ليغدو الزمن نفسه فضاءً شعرياً لا مجرد إطار للأحداث. ويبلغ التوتر العاطفي ذروته في قوله: أقول بس نسيتك وجرحك يتاور
فالنسيان هنا ليس فعلاً مكتمل التحقق، بل محاولة متكررة للفصل بين الذات والتجربة، سرعان ما تفشل أمام تجدد الألم. وكلمة «يتاور» في العامية السودانية تشير إلى الاشتعال أو التهيج المفاجئ، ما يجعل الجرح كياناً حياً قابلاً للاستفاقة والانفجار. ولا يتوقف النص عند حدود الغنائية العاطفية، بل ينفتح على تأمل أعمق في معاناة الفنان نفسه: أظنك عرفتي عذاب المغني في هذا الموضع، يتحول الخطاب من الحبيبة إلى الفنان، حيث لا يعود المغني مجرد مؤدٍ، بل إنساناً مثقلاً بحساسية مفرطة وتوتر دائم تجاه العالم. وطبلو المجدّع شظايا التمني في هذه الصورة الكثيفة، يتحول الطبل، رمز الإيقاع والفرح، إلى آلة منكسرة، في دلالة على انهيار الفرح نفسه. أما «شظايا التمني» فتعكس تفتت الحلم بين الرغبة والعجز. حروفه البتجزع في لحظة تجنّي تغدو الحروف كائنات قلقة ومتوترة، وكأن اللغة ذاتها تعيش مأزق التعبير. و«التجني» هنا يحيل إلى القسوة أو الانفعال الحاد، بما يعكس هشاشة المبدع أمام العالم. خطاهو البتهرع متين تطمئني تتجلى حالة القلق الوجودي في حركة الخطى المضطربة، بينما يظل سؤال الطمأنينة مؤجلاً وغير قابل للتحقق.
خامسا: قصيدة زولة وسيط جمالي وثقافي
يمثل هذا النص («زولة») الذي تغنى به الفنان سيف الجامعة نموذجًا غنيًا لتوظيف المفردة المحلية والمحكية السودانية داخل بناء شعري حديث،حيث لا تأتي العامية بوصفها بديلًا للفصحى أو مجرد أداة للتواصل اليومي، بل تتحول إلى وسيط جمالي وثقافي قادر على حمل الإحساس والذاكرة والهوية. زولة تفتح الروح ضلفتين
تخشك وتمرقك
عادي ..
ما بتقفل الباب من وراها
بل تساسق بين شفقتك … وحرقتك
ما بتأذنك .. ما روحها نفاج غربتك
تُعد مفردة (زولة) من أكثر الكلمات التصاقًا بالوجدان السوداني،غير أن حضورها لا ينفصل عن جذورها العربية الفصيحة؛ ويتم تداولها في الخليج العربي باعتبارها ترمز للانسان السوداني الاصيل (يازول) ،فهي مؤنث كلمة (زول) وقد وردت في المعاجم العربية،ومنها المعجم الوسيط، بدلالات متعددة ترتبط بالظرف والفطنة والجمال والشجاعة.فالزولة في اللغة تعني الذكاء وخفة الروح والكرم والألف المرأة البارزة الذكية الظريفة والشجاعة التي يهابها الناس،وتُستخدم كذلك للدلالة على الفتية والشباب والحيوية. ومن هنا فإن الكلمة في الاستعمال السوداني لم تفقد أصلها العربي،إنما اكتسبت أبعادًا وجدانية وثقافية إضافية، حتى أصبحت جزءًا من الهوية اللغوية السودانية.أما كلمة “ضلفتين” فهي مفردة شعبية تشير إلى مصراعي الباب، واستخدامها هنا يمنح الصورة بعدًا بصريًا وحسيًا واضحًا؛ فالروح تتحول إلى بيت ذي أبواب تُفتح على اتساعها أمام حضور المرأة، بما يوحي بانكشاف الداخل الإنساني بكل هشاشته ودفئه.ثم تتوالى الأفعال المحكية القصيرة ذات الإيقاع السريع: (تخشك … وتمرقك)وهما فعلان دارجان في العامية السودانية؛ فتخشك مشتقة من الدخول، بينما(تمرقك) من المرور أو الخروج والعبور.ويعتمد الشاعر هنا على حيوية الفعل الشعبي وإيقاعه الشفاهي المتدفق،بحيث تصبح اللغة نفسها محاكاة للحركة التي تصفها؛فالإيقاع السريع للألفاظ يعكس حالة الدخول والخروج المتكرر من الروح وإليها.ولا يقتصر الأمر على الدلالة المباشرة، بل يتجاوزها إلى الأداء الصوتي نفسه؛ فالكلمات تؤدي المعنى عبر موسيقاها الداخلية وحركتها الإيقاعية لا عبر معناها اللغوي وحده. وهنا تتجلى قدرة اللهجة السودانية على إنتاج شعرية خاصة، تنبع من بساطة التعبير اليومي وتنفتح على أبعاد نفسية ووجدانية عميقة.
وتتجلى خصوصية اللهجة السودانية وثراؤها في العبارة: بل تساسق بين شفقتك … وحرقتك”،فكلمة “تساسق” مشتقة من فعل يوحي بالحركة المستمرة ذهابًا وإيابًا، أو الاقتراب المتكرر في حالة من التردد واللهفة. كما أن الكلمة تحتفظ في الذاكرة الغنائية السودانية بحضورها في أغنية الفنان صلاح مصطفى أَساسِق بالدريب الجاي بحداك أي أقترب وأمرّ بالقرب منك باستمرار،بما يحمله الفعل من معنى الملازمة والاقتراب الحميم. وهذا يمنح المفردة بعدًا شعوريًا يتجاوز معناها المباشر إلى الإحساس بالحضور العاطفي الدائم. وتبرز مفردات البيئة السودانية بوضوح في أغنية زولة :(وإنت بتحنس غمام كي تجعلك مطرة ودعاش) كلمة (بتحنس) تعني التودد والتلطف والترجي بلغة ناعمة من أجل استمالة الآخر أو استدعائه.أما “الدعاش” فهي من أكثر المفردات شاعرية في الوجدان السوداني،وتشير إلى المطر الخفيف الرقيق،ذلك المطر المرتبط بالخضرة والخصب والسكينة والحنين.و يرتبط (الدعاش) في المخيال الشعبي بالرومانسية وهدوء الطبيعة وصفاء اللحظة. ويوظف الشاعر مفردات ذات طابع شفاهي مثل قوله:(تهضرب يا ولد) والهضربة في القاموس الشعبي السوداني تشير إلى الثرثرة أو الكلام غير المتزن وغالبا نتاج تاثير نفسي وانفعالي او عند الحمى الشديدة وقد تأتي بمعنى الهذيان أو (الكلام المطرطش).وغالبًا ما ترتبط الكلمة بحالات الوجد والشرود العاطفي حين يفقد الإنسان توازنه الداخلي تحت وطأة الإحساس الشديد. والهضربة هنا إلى وصف دقيق لحالة العاشق الذي يتكلم بلا ضابط مدفوعًا بسحر المراة وتأثيرها الطاغي عليه،بما يخلق حالة من الارتباك والانفعال والاستسلام للعاطفة.اعتقد نجح النص في تحويل المفردة الشعبية من أداة تداول يومي إلى عنصر جمالي حي، قادر على إنتاج صورة شعرية نابضة بالحيوية مشبعة بالحس الشعبي والهوية السودانية.
أخيرا :صوت شعري مغاير:يرى الشاعر والمخرج محمد علي مخاوي وزميل دراسته في كلية الموسيقى والدراما في شهادته عن تجربة جمال حسن سعيد الشعرية أنها تقوم على ما يمكن تسميته (بـالقلق المسرحي) فهو شاعر في الأصل قبل أن يكون كاتباً مسرحياً،ولذلك جاءت نصوصه مشبعة بالأسئلة والتوتر والرحيل والتضاد،مع حضور موسيقي كثيف يميز لغته وبناءه الدرامي. ظل جمال حسن سعيد مختلفاً عن كثير من أبناء جيله،لأنه احتفظ بحس موسيقي داخلي عميق،انعكس في إيقاع الحوار،وطريقة بناء الشخصية واستدعاء اللغة الشعبية داخل النص المسرحي.وتشبه شخصيته الإبداعية أجواء (الهمباتة الشعراء)حيث تتحول الكلمة الشعبية من مجرد تعبير يومي إلى عنصر جمالي وفني داخل البناء المسرحي. وحداثة جمال حسن سعيد لم تكن قطيعة مع التراث،بل تأسست على المصالحة بين الحداثة والموروث الشعبي،عبر لغة يومية حية مشبعة بالموسيقى والدلالات مستمدة من فضاءات الحياة السودانية الشعبية؛من ميدان الخليفة وشارع الفيل بالموردة إلى الأزقة والساحات العامة.ظل جمال حسن سعيد وفياً للشعر الشعبي السوداني،لكنه لم يقدمه بصورته التقليدية،بل أعاد صياغته داخل رؤية مسرحية معاصرة تجمع بين الحس الدرامي والوعي الفني. لذلك قوة تجربة جمال تنبع من خروجه من(قلب الشعب) حاملاً وعياً فنياً صادقاً يقوم على الإحساس الحقيقي والتجربة الحية،لا على الادعاء أو التصنع

dr.khalidbalula@gmail.com

الكاتب
خالد البلولة

خالد البلولة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

بيانات
بيان إدانة وإستنكار من نداء السودان
بروف سليمان صالح فضيل الذي اعرفه
تفاوضوا… تواثقوا.. لكن ليس مع البرهان وحميدتي!  .. بقلم: عثمان محمد حسن
منبر الرأي
عروس الرمال .. نهب في رابعة النهار! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش
السودان ومنع الإنزلاق إلى حالة اللادولة .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مختارات رمضانية (7) .. جمع وتصنيف: عبدالله حميدة

طارق الجزولي
منبر الرأي

سهير عبدالرحيم .. من محارمنا .. والشرف الباذخ .. بقلم / طه أحمد أبوالقاسم

طارق الجزولي
منبر الرأي

التعصب .. التطرف .. الارهاب: أعداء التنمية الانسانية فى المجتمعات العربية .. بقلم: د. خالد البلولة

طارق الجزولي
منبر الرأي

ماوراء الكلمات .. كلاب تتناوش عظاما … بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss