دكتور الوليد آدم مادبو
ليست كلُّ الخرائط تُرسم بالحبر؛ بعضها يُخطّ بالهواجس، وبعضها يُنقش بالدم. وفي اللحظة التي تعجز فيها الفكرة الوطنية عن احتواء تنوّعها، تنبعث من أطرافها مشاريعٌ قاصرة، تتوهّم الخلاص في الانكماش، وتبحث عن النقاء في الفرز، فتلد — كما في حالتنا — ما يمكن تسميته بـ”جمهورية العقارب”: كيانٌ متخيَّل، ضيّق الأفق، سامّ في جوهره، يعيش على الخوف ويغذّي نفسه من أوهام السيطرة.
هذه الجمهورية لا تقوم على فائض قوة، بل على فائض هلع. فهي تفتقر، في بنيتها العارية، إلى ثلاثة أعمدة لا تقوم دولة بدونها: كثافة سكانية كافية، موارد طبيعية مستدامة، وقدرات قتالية تُؤمّن حدودها وتفرض هيبتها. ولذلك، لا تجد بُدًّا من التمدد القسري نحو حيث الحياة: نحو الجزيرة بما تمثّله من قلبٍ زراعي نابض، ونحو ما تبقّى من عقدٍ جغرافي يمكن ابتلاعه تحت ضغط السلاح أو بفعل المناورة السياسية.
أما الشمال، في صورته المجردة من الامتدادات، فلا يملك — في ميزان الاقتصاد العالمي — ما يُعتدّ به تصديرًا سوى ذلك السمّ المستخرج من العقارب، والذي يُستخدم في صناعة بعض العقاقير. مفارقةٌ قاسية: أن يتحوّل السمّ، في غياب البدائل، إلى موردٍ وحيد؛ وأن يصبح، رمزيًا وفعليًا، التعبير الأدق عن طبيعة المشروع ذاته (في الصورة أعلاه “الملك العقرب”).
ولذلك، يُعوَّل على أطرافٍ أخرى: شرقٌ مضطرب، لم تهدأ فيه جذوة السخط، لكنه لم يبلغ بعدُ عتبة الانفجار الحاسم؛ ونيلٌ أزرق يقترب من فوهة المدفع، حيث تتحوّل سنار إلى عقدةٍ استراتيجية مفتوحة على كل الاحتمالات؛ وشمال كردفان التي تبدو، في حسابات الميدان، أقرب إلى السقوط منها إلى الصمود. بهذا التآكل المتسارع، يتفكك ما كان يُعرف يومًا بالمثلث الاستعماري، ولا يبقى منه إلا رقعتان: الشمالية والجزيرة، بوصفهما آخر ما يمكن إخضاعه أو التمسك به.
غير أن هذا التصور، في جوهره، يتغافل عن حقيقةٍ أبسط من كل الحسابات: أن المجتمعات ليست خرائط صمّاء، وأن أهل تلك المناطق — من المحس والحلفاويين والسكوت — يملكون من الوعي الفطري والذاكرة التاريخية ما يجعلهم عصيّين على مشاريع الصهر القسري. هم لا يقاومون بالسلاح بالضرورة، لكنهم يقاومون بما هو أبقى: بالتماسك الاجتماعي، وبالقدرة على إفشال المشروع من داخله.
وإذا كانت هذه “الجمهورية” تُبنى على فرضية التجانس، فإن طريقها إلى ذلك يمرّ — في تصور أصحابها — عبر الإزالة: إزالة “بؤر التوتر” كما يسمّونها، والتي تختزل، في خطابهم المختل، إلى وجود مجموعات بعينها في الجزيرة، خاصة في الكنابي، حيث يُراد اقتلاع الناس من أرضٍ ساهموا في عمارتها، ومحو حضورٍ تاريخي كُتب بالعرق والدم. وهنا لا نتحدث عن سياساتٍ فاشلة فحسب، بل عن مشروع اقتلاعٍ كامل، يُجرّد مواطنين من حقوقهم، ويعيد تعريف الوطن على أسسٍ عرقية ضيقة.
ويمتد هذا المنطق إلى العاصمة، حيث يُراد “تنظيف” الخرطوم من “الحزام الأسود”، لا بوصفه حيّزًا جغرافيًا، بل باعتباره رمزًا لتنوّعٍ يُراد محوه. وفي قلب هذه العملية، تُحمَّل الفئات المستضعفة وزر الانتهاكات، في حين أن الفاعل الحقيقي — المؤسسة العسكرية ومن ورائها بنية السلطة العميقة — يظل بمنأى عن المساءلة، بل ويُعيد إنتاج نفسه عبر خطابٍ يُحوّل الضحية إلى متهم.
وفي مستوى أعمق، يبدو أن المشروع لم يعد يتكلف حتى ادعاء القومية. لقد سقط القناع، وبان الوجه الحقيقي للهيمنة، وهي تُعدّ — في ما يُشاع — لسيناريوهات تتجاوز حدود الدولة نفسها، وصولًا إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم تحالفاتٍ إقليمية، قد يكون من بينها الارتهان لنفوذ خارجي يتطلع إلى ابتلاع أجزاءٍ من هذا الجسد المتآكل.
أما الشرق، الذي يُعوَّل عليه كخزانٍ مؤجل، فيُترك في حالةٍ من التسكين المؤقت: رشى تُدفع، ونخب تُستمال، واحتقانٌ يُؤجَّل انفجاره. غير أن هذا التأجيل لا يلغي الحتمية؛ بل يؤسس لانفجارٍ أعنف حين تتكوّن كتلته الحرجة.
في هذا السياق، لا تبدو هذه الترتيبات تعبيرًا عن قوة، بل عن لحظة احتضار. فالمشاريع التي تلجأ إلى الانكماش العرقي، وإلى إعادة رسم الخرائط على أساس الإقصاء، إنما تعلن — من حيث لا تدري — عجزها عن الاستمرار في فضاءٍ وطني جامع. إنها تبحث عن ملاذٍ أخير، عن بقعةٍ تُحكم إغلاقها، لعلها تفاوض من خلالها على بقائها، ولو تحت وصايةٍ خارجية.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بمآلات هذه “الجمهورية”، بل بما يقابلها من تصورات. فإذا كان الواقع قد انكسر إلى هذا الحد، فإن التفكير في صيغٍ انتقالية — كفكرة الكونفدرالية — قد يبدو، في المدى القصير، مخرجًا براغماتيًا، إلى حين استعادة الحد الأدنى من النضج المؤسسي والإنساني الذي يسمح بإعادة بناء مشروع وطني حقيقي.
الخلاصة أن الفارق بين من سبق ومن لحق من النخب المركزية لا يكمن فقط في النوايا، بل في الأدوات. فقد امتلكت النخب القديمة — على علّاتها — قدرًا من الحصافة والقدرة على المناورة وتقديم التنازلات، بما يحفظ لها السيطرة دون الانفجار الشامل. أما النخب التي صعدت في العقود الأخيرة، فقد افتقرت إلى هذا الحس المركّب؛ فجمعت بين الفقر الأخلاقي والقصور الفكري، وأدارت التعدد بعقلية الإلغاء، لا بعقلية الإدارة.
وهكذا، تقف “جمهورية العقارب” بوصفها استعارةً مكثفة: مشروعٌ يعيش على السمّ، ويظن أن بإمكانه أن يحوّله إلى دواء. لكنها، في نهاية المطاف، لا تلد إلا مزيدًا من السمّ — حتى لنفسها.
April 9, 2026
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم