جيش الاستقلال !!

سيف الدولة حمدناالله
جيش السودان بعد الاستقلال كان صاحب سمعة وصيت بين جيوش العالم الثالث في صرامته وتمسكه بالتقاليد مهما كانت تتعلق بتفاصيل صغيرة، بحيث كان جلوس الضباط على الطاولة لتناول طعام الفطور يتم بحسب الرُتبة والأقدمية، وكان الضابط أو الجندي إذا أغفل حلاقة شعره بالمستوى المطلوب أو تلميع حذائه عند التفتيش في طابور الصباح، يتعرّض للعقاب بالوقوف في “طابور ذنب”، وكان الضابط أو الجندي وهو بداخل منزله يفرِد طولِه واقفاً ويضرب تعظيم سلام لشقيقه الأصغر منه في العمر إذا كان الأخير يعلوه في الرتبة العسكرية، وكان قائد الحامية وهو برتبة نقيب أو رائد له من الهيبة بين أفراد قوته بحيث كان حينما يقترب من مكتبه أول الصباح تصطف له القوة ويُطلق في إستقباله البرُوجي (وهو آلة نفخ تُشبِه قرن الثور)
وقد ترتّب على بناء تلك التقاليد، أن كان الشخص العادي يمكنه معرفة الضابط أو الجندي من هيبته وإستواء وقفته وعدم بروز كرشه نتيجة الرياضة والطوابير اليومية حتى وهو يرتدي جلابية وعِمّة في سوق الخضار
لم تكن تقاليد الجيش السوداني تسمح بأن يضع ضابط نجمة على كتفه دون أن يكون قد تخرّج من الكلية الحربية السودانية حتى لو كان قد درس العسكرية في كلية “سانت هيرست” البريطانية، وكانت اول مرة يحدث فيها خروج على هذه القاعدة حين عُيّن عبدالرحمن الصادق المهدي برتبة ملازم بعد تخرّجه في الكلية العسكرية الملكية بالأردن
الإنقاذ تعترف بأنها كانت وراء تغيير العقيدة والتقاليد العسكرية للجيش، فقد روى الدكتور حسن الترابي (الحلقة العاشرة من لقائه بتلفزيون الجزيرة)، أنهم عملوا على تغيير مفهوم العسكرية التي كانت سائدة قبل وصول الإنقاذ للسطة، وقال أنهم أرادوا تطبيق مفهوم الجيش الذي كان معمولاً به في صدر الإسلام، الذي لا حاجة فيه للرُتب والعلامات على الكتوف، لأن مهمة الدفاع عن الوطن واجب على أفراد الشعب الذي يتم تدريبه وإستدعائه عند الحاجة، ثم ينصرف الأفراد إلى وظائفهم وأعمالهم بعد إنتهاء مهمة القتال
من السهل المناداة اليوم بتكوين جيش قومي موحّد، لكن الصعوبة تكمن في إستعادة ما إندثر من تقاليد وأعراف عسكرية بعد أن إنقطاعها بفعل تطاول سنين حكم الإنقاذ، وبعد أن إنقطع “ترَب” الضباط العظام الذين عاصروا تلك التقاليد حتى يغرسوا أساسها في عقيدة الأجيال الجديدة، وكم يلزم ذلك من زمن بعد أن جاء اليوم الذي أصبحت فيه رتبة العميد واللواء والفريق يعتليها كمسنجية وتجار بهائم وأصحاب كناتين وباعة متجولون، لا وإيه، معها علامة الأركانحر

عن سيف الدولة حمدناالله

سيف الدولة حمدناالله

شاهد أيضاً

ملطشة الدكتوراه في السودان

سيف الدولة حمدنااللهساء كثيرون – وهو بالحق مُسيئ – ما ورد بمقال للكاتب الأردني فهد …