باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 29 مايو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبد المنعم عجب الفيا
عبد المنعم عجب الفيا عرض كل المقالات

جين مورس في موسم الهجرة إلى الشمال بين الحقيقة والخيال

اخر تحديث: 29 مايو, 2026 9:40 صباحًا
شارك

عبد المنعم عجب الفَيا

جين مورس هي أشهر شخصية في رواية موسم الهجرة إلى الشمال بعد بطل الرواية مصطفى سعيد. وهي المرأة اللندنية الوحيدة التي استعصت عليه ورفضت الوقوع في حباله وفق شروطه، فظل يطاردها حتى اقنعها بالزواج منه ولكنها حتى بعد ان صارت زوجه شرعا، تمنعت عليه وابت ان تمنحه نفسها، فجن جنونه وقرر الانتقام منها بالقتل. ويا للمفارقة! كان قراره هذا في ذات اليوم التي قررت فيه هي من جانبها ان تمنحه نفسها كاملة، ولكن سبق السيف العزل، فكان مشهد قتلها من أكثر مشاهد الرواية تراجيدية، واعمقها رمزية.
يقول الناقد والمفكر الكبير جورج طرابيشي: “كلّ النساء، آن همند وإيزابيلا سيمور، وشيلا غرينود، استسلمن بسهولة. وقعن في شباكه. دوّختهن رائحة الصندل والبخور والند، وجذبهن عالمه السحري الغرائبي، وكانت نهايتهن كلّهن مأساوية.. لأنهنّ أردن أن يسرن عكس حركة التّاريخ، واتّجاه النّهر، وطلبن الجنوب/الشرق وهنّ من الشمال في عصر هو عصر الهجرة إلى الشمال. كنّ كلهنّ طرائد وهو الصيّاد”.
أمّا جين موريس زوجته، والحديث لجورج طرابشي، “فقد أرغمته على أن يعكس الأدوار وأن يتحوّل من صيّاد إلى فريسة من جديد. كلا، المدينة لم تتحوّل إلى امرأة، ولندن ليست مدينة مفتوحة، وجين موريس لها أسنان لبوة وأظافر كالمخالب، وساقان لا تفتحهما إلا لتركله بين فخذيه ركلا عنيفًا حتى يغيب عن الوعي”.
وهنا تبرز براعة الطيب صالح في رسم هذه الشخصية وتوظيفها رمزيا في خدمة رؤيته للصراع الحضاري بين الجنوب والشمال. وقد وفق جورج طرابيشي ايما توفيق في فك شفرة رمزية استعصاء جين موريس على مصطفى سعيد: “فهي لم تستعصِ عليه لأنّها عصيّة المنال، وإنّما لأنّه كان عليه أن يؤدّي ثمن وصالها. وثمن وصالها باهظ أهون منه الموت. ومع ذلك قبل أن يدفعه صاغرًا. ولمّا دفعه كانت مكافأته الوحيدة منها ركلةً بين فخذيه أذهبته في غيبوبة. فالزهريّة الثمينة، والمخطوط العربي النادر، ومصلاة الحرير الأصفهاني؛ هي الثمن الذي تصرّ جين موريس على أن تتقاضاه، وهي، إن أخذت مجتمعةً، ربّما تمثّل القيم التي تصرّ على أن تحطمها وتدوسها بقدميها قبل أن تهب مصطفى سعيد نفسها. إنّ الحضارة الغربية لا تسلّم نفسها لطالبها الآتي من الشرق أو الجنوب إلا إذا خلعته من تاريخه وقطعته عن ماضيه وجردته من تراثه وقصمته عن شخصيته الحضاريّة”.
الحضارة الغربية، والحديث لجورج طرابيشي “لا تقوم إلا على أشلاء الحضارات الأخرى. فجين موريس، حتى بعد أن تزوجها مصطفى سعيد، كانت في سلوكها أشبه بالعاهر. كانت في عهرها رمزًا إلى دعوتها العالميّة، فهي تستأثر بمصطفى سعيد لكنّه لا يستطيع أن يستأثر بها. إنّه لها وهي للجميع. ليس في العالم سوى جين موريس واحدة وفيه، بالمقابل لها، من شتى أرجائه طلابٌ كثرٌ من أنداد مصطفى سعيد. إنّ عالم جيم موريس هو قبلة العالم”.
فلو كان مصطفى سعيد فردًا، كما يقول طرابيشي، لكان ملّ الطراد قبل الزواج والصدود والهوان. لكن مصطفى سعيد لم يكن شخصًا بل كان جيلا: ذلك الرعيل الأوّل من روّاد الهجرة الذين أصابتهم عدوى الرحيل فأسلسوا قيادهم كملوك المجوس لنجمة الشمال تقودهم أنّى شاءت ولو إلى حتفهم. لم تكن هنالك طريقة أخرى لامتلاك جين موريس غير اغتيالها مثلما لا يلتقي الفلك فلكًا إلا ويفجره. جين موريس كانت عالَمًا ومصطفى سعيد كان عالَمًا مختلفًا. ولم يكن بين العالمين من سبب غير الصراع والعنف. لم يكن هذا العنف ابن يومه، بل يعود تاريخه “إلى ألف عام”.
جين مورس بين الواقع والفن:
وبعد: هل جين مورس محض شخصية روائية متخيلة إبداعها خيال فنان يجيد الرسم بالكلمات ام فيها شئ من الواقع؟ واذا كان فيها شىء من الواقع فإلى اي مدى أفاد الطيب من تجاربه الشخصية في رسم صورة جين مورس برواية موسم الهجرة إلى الشمال؟
ظلت الإجابة على هذا السؤال معلقة إلى ان تطوع الطيب صالح لأول مرة من تلقاء نفسه في ندوة عقدت في أوائل التسعينات من القرن الماضي بالجامعة الأردنية بعمان، وفاجأ الحضور باعتراف نادر أقر فيه ان جين مورس فتاة حقيقية تعرف عليها في ايامه الأولى بلندن. يقول في سياق رد على سؤال من طالبة بكلية الآداب:
“أعتقد أن الكاتب موجود في كتاباته ولكن ليس بالطريقة التي يراها القارىء أحيانا. سأقول لك شيئا وهو سر كبير اقوله لك الان ولن ابوح به لأي أحد من قبل. لانك سألتني عن بناتي. السر الذي أفصح عنه هو في موسم الهجرة إلى الشمال هنالك هذه الشخصية العجيبة واسمها جين مورس. جين مورس شخصية حقيقية ولكنها ليست نفسها في الرواية. تعرفت عليها في الشهر الأول من وصولي لندن عام ١٩٥٢ في المتحف الوطني. كانت فتاة جذابة حقا وكانت.. (صمت) كان في المتحف آنذاك معرض عن الفن الانطباعي. وبعدين .. (صمت) تحدثنا مع بعض وسالتني من أين انا إلى آخر ذلك.. وكنت في ذاك الحين فتى يافعا، لابد أن تعترفوا بذلك وبعد أن خرجنا من المعرض وذهبنا إلى مقهى وامضينا بعض الوقت في الحديث عن أمور عامة، وبعد ذلك لم ارها قط، واسم الفتاة جين مورس وقد أحببت ذلك الاسم، ومن ذلك اللقاء علق اسمها في ذاكرتي وادخلته في الرواية: الاسم وبعض الأمور الأخرى يعلم الله بها. لذلك العمل الروائي ملىء بالاشارات التي يحتاج الكاتب ان ينفذ منها إلى ما هو أبعد وأعمق”. انتهى. (انظر: محمد شاهين، تحولات الشوق، ص ١٩٤).
قوله: “جين مورس شخصية حقيقية ولكنها ليست نفسها في الرواية”. وقوله: “كانت فتاة جذابة حقا”. وقوله: “ومن ذلك اللقاء علق اسمها في ذاكرتي وادخلته في الرواية”. وقوله: “الاسم وأمور أخرى يعلم الله بها”. ثم التقطيع والصمت وعبارات الاعتذار وكل ما صاحب هذا البوح النادر، يؤكد مدى الارتباط الوجداني العميق لكاتب رواية موسم الهجرة بهذه الفتاة اللندنية.
والحقيقة لم تكن جين مورس” فتاة جذابة” وحسب بل كانت تتجسد فيها كل مقاييس الجمال المثالي في الانثى التي كان يحلم بها الطيب صالح. هذه الحقيقة يكشف عنها صديق مقرب جدا من الطيب صالح هو الفنان التشكيلي والرسام السوداني العالمي ابراهيم الصلحي. يقول الصلحي في مقال نشر عن الطيب صالح بعنوان: (الصديق الكاتب نبع الحنان والمودة والحكمة):
“هناك ما يمت إلى الطيب بصورة شخصية بحتة، يورده الطيب في أدبه ضمن نسج الخيال. احس معه أحيانا أن في وجدانه خيال أنثى مبهمة، طويلة أبعاد الوجه، كبيرة الانف، واسعة الفم، خيال ظل يؤرقه. ولعل قلبه يهفو إليه، والله أعلم. إذ لحظت انه كان يبدي إعجابه ولكن من دون ملاحقة او متابعة، كلما رأى، أنثى كبيرة الأنف كبعض نساء الخليج وبلاد فارس والشرق الاوسط والسودان. يقول في زفرة ترى فيها شيء من الشوق والأسى: هاااا، ويغض الطرف”.
قوله: “احس معه أحيانا أن في وجدانه خيال أنثى مبهمة، طويلة أبعاد الوجه، كبيرة الانف، واسعة الفم، خيال ظل يؤرقه. ولعل قلبه يهفو إليه”.
هذه الملامح: الوجه الطويل والأنف الكبير والفم الواسع، يرى الصلحي انها تنطبق على صورة جين مورس المرسومة في موسم الهجرة إلى الشمال. ويستدل على ذلك بصورة جين مورس التي رسمها مصطفى سعيد واحتفظ بها مع الصور الفوتوغرافية للفتيات الاخريات بالارشيف الذي اخفاه في غرفة سرية في منزله بالقرية التي لجا إليها بعد عودته من لندن الي السودان.
يقول الراوي في موسم الهجرة بعد دخوله تلك الغرفة بعد وفاة مصطفى سعيد، وهو يتأمل “بورتريه” جين مورس الذي رسمه لها مصطفى سعيد:
“.. كل شيء في الغرفة منظم مرتب، موضوع في مكانه، إلا صورة جين مورس. كأنه لم يدر ماذا يفعل بها. كل النساء الاخريات احتفظ بصورهن الفوتوغرافية، ولكن جين مورس هذه، كما راها هو، لا كما رأتها الة التصوير. نظرت إلى الوجه بإعجاب. وجه مستطيل لامرأة واسعة العينين حاجباها ينعقدان فوقهما. الانف يميل إلى الكبر. والفم يميل إلى الاتساع. والتعبير على الوجه شيء يصعب وصفه في كلمات. تعبير رهيب محير. الشفتان الرقيقتان مطبقتان وكأنها تعض أسنانها والفم يميل إلى الأمام في كبرياء. هل التعبير في العينين غضب ام ابتسام؟ وثمة شيء شهواني يرف على الوجه كله. هذه هي العنقاء إذن التي افترست الغول”. انتهى.
ويعلق الصلحي بحكم خبرته في فن الرسم بقوله: هذا وصف رسام، مصور ساحر، يكتشف من خلال معالم الوجه، دفين النفس البشرية وما وتوحي به من أفكار ورغبات تترك في النفس على صفحة الوجدان اثرا كالجرح لا يشفى منه صاحبه ولا يندمل”.
انظر إلى وصف الراوي لصورة جين مورس: “وجه مستطيل لامرأة واسعة العينين حاجباها ينعقدان فوقهما. الانف يميل إلى الكبر. والفم يميل إلى الاتساع”.
هذه الملامح، ملامح جين مورس، الأنف الكبير والفم الواسع، تتكرر في قصص الطيب صالح الأخرى، منها كما يرى ابراهيم الصلحي، قصة (هكذا يا سادتي) المنشورة ضمن مجموعة دومة ود حامد، حيث يقول الراوي في تلك القصة:
“.. هذه الفتاة لم تبتسم لي؟ الأنني اجنبي؟ ام لأن انفها كبير وفمها واسع وعينيها زرقاوان؟ هل اهل هذا البلد يحبون المرأة دقيقة الانف صغيرة الفم دعجاء العينين”.
وتكرر في القصة الصورة: ” تذكرت الانف الكبير ، غيري كانوا يحسبونه قبيحا وكنت أراه جميلا.. جميلا..”. ويكرر القول: “ورأيت فما واسعا “. ويقول الراوي في موضع آخر من القصة: “ومضى على هذا عامان، وما زال الجرح ينقر في قلبي، ولا تزال تتراءى لي عند منعطف كل طريق. هذه المراة”.
هذا الاكتشاف الذي اهتدى إليه ابراهيم الصلحي يقودنا الي الحديث عن العلاقة الجدلية بين الفن والواقع.
فمع التسليم باستقلالية النص الادبي وبانه ليس سجلا لسيرة الكاتب ولا ينبغي له أن يكون. الا أن النص الأدبي لدى التحليل الأخير هو محصلة لتفاعلات الكاتب الذاتية في جدله مع المحيط التاريخي والاجتماعي الذي يتحرك ويكتب فيه فتجارب الكاتب وذكرياته وعلاقته الاجتماعية ونزعاته الفكرية والفنية، تشكل المادة الخام التي يستمد منها الكاتب رؤاه وعوالمه القصصية والرواية.
ويكاد يجمع كبار كتاب القصص والروايات ان ذكرياتهم هي الرصيد والمعين الذي يصدرون عنه ويصيغون منه، عوالم فنهم. ومن ذلك انهم يعدون مرحلة الطفولة المكون الاعظم لذلك الرصيد والمعين. فالطيب صالح مثلا يعلق أهمية خاصة على مرحلة الطفولة في صياغة عوالمه الإبداعية إلى حد انه يقول: ” .. أعتقد أن الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه، والإبداع نفسه ربما فيه البحث عن هذه الطفولة، والأدب برمته بحث عن فردوس ضائع .. كان عالم الطفولة بالنسبة إلي فردوسا”.
وعن رواية عرس الزين يقول، “الشخصيات هي أهلي كما عرفتهم إلى حد كبير . بيد أن في هذا العمل طبعا عنصر الفن المتعمد، أي الدفع بالشخصية إلى أقصي مدى ممكن ، أقصي حدود تحملها “.
ونحن نرى ان عبارة : الفن المتعمد ، هنا، تلخص العملية الابداعية كلها حيث يعمد الفنان الى اعادة انتاج وتشكيل الوقائع والاحداث لتكون المحصلة مخلوقا جديدا وفق رؤيته الفنية. ويفصح الطيب صالح اكثر عن سر ذلك التخلق الفني بقوله: “تجدني دائما أقول أنني أعتمد على إنصاف الحقائق والأحداث التي يكون جزء منها صحيحا والآخر مبهما .. هذا يلائمني تماما .. بمعني آخر تكفيني جملة سمعتها عرضا في الشارع لاستوحى منها جملة واحدة أسمعها قد تثير في نفسي أصداء لا حدود لها “.
ويؤكد الروائي صنع الله ابراهيم على ذلك في الحوار الذي اجرته معه الدوحة ونشر بعدد ديسمبر 2008 ويقول: “النقطة المهمة في الموضوع انني اعتبر ان اي عمل يقوم به كاتب او فنان في اي مجال من الفنون به عنصر مهم جدا من السيرة الذاتية سواء كان ذلك بشكل مباشر او غير مباشر فاحساس الفنان مثلا بالون معينة مرتبط بالطفولة واحساس الموسيقى بنغمة معينة مرتبط بالطفولة والمواقف التي يلجا لها الكاتب في اعماله اذا كانت مواقف اصلية غير مفتعلة تكون نتاج تجربة اصلية اما حدثت له او عايشها”.
وهذا جابرييل قارسيا ماركيز يكشف في مذكراته التي صدرت تحت عنوان: “نعيشها لنرويها” أن كثيرا من وقائع قصصه ورواياته هي جزء من حياته وذكرياته وأيام طفولته حيث تجد ان كثيرا من الوقائع والحكايات التي يسردها قد وردت بحذافيرها في رواياته وقصصه. ولا ينسى ماركيز ان ينعش ذاكرتك بين الفينة والاخرى وانت تبحر معه في عوالم سيرة حياته المختلفة، بانه قد افاد من هذه الواقعة او تلك في كتابة القصة الفلانية او الرواية العلانية، مما يدل على ان ماركيز على وعي وادراك كامل بدلالة توظيف هذه الذكريات في أعماله السردية.
في حوار معه نشر بمجلة الدوحة القطرية عقب فوزه بجائزة نوبل في الآداب سنة ١٩٨٢ يقول ماركيز: “.. أول فقرة في (مائة عام من العزلة) تجربة حدثت لي شخصيا. فعندما كنت طفلا صغيرا قلت لجدي أنني لم أر الثلج أبدا، فأصطحبني إلى معسكر شركة الموز الأمريكية وأمر بفتح صندوق من الفاكهة المثلجة جعلني أضع يدي فيه، فانبثقت رواية ،مائة عام من العزلة، من هذه الصورة”.
وبهذه الصورة التي يبدو انها قد حفرت عميقا في الذاكرة منذ الطفولة الباكرة استهل ماركيز رواية مائة عام من العزلة بهذا المشهد:
“تذكر الكولونيل اوريليانو بوينديا ، وهو يقف أمام فرقة الاعدام ، عصر ذلك اليوم البعيد الذي أصطحبه فيه جده للتعرف على الثلج لأول مرة”.
لاحظ كيف انبثقت ذكرى التعرف على الثلج من لحظة اطلاق النار وتامل المفارقة البديعة في الجمع بين الضدين ، الثلج والنار ، في نقطة التلاشي: الإعدام ! انها عبقرية الاستهلال التي برع فيها قارسيا ماركيز.
اما قصة الحب في رواية (حب في زمن الكواليرا) التي جمعت بين عامل التلغراف وعازف الكمان الانيق، وبين تلك الحسناء الخجول، فهي في الواقع مستوحاة من العلاقة الغرامية التي جمعت بين والديه. حيث كان والد ماركيز بالفعل يعمل موظفا للتلغراف وعازفا للكمان في ارتاكاتا حين وقع في غرام والدة ماركيز. وكان كل من والدي ماركيز يحكيان له قصة غرامهما الشيقة وفي كل مرة يضيفان ويحذفان. ويبدو انها كانت قصة شائقة الى الحد الذي جعلت والد ماركيز ينوي وضع كتاب عن تلك الذكريات الغرامة، ولكنه تخلى عن الفكرة عندما علم بصدور رواية (حب في زمن الكوليرا ) .
ويفتتح ماركيز الرواية المذكورة بمشهد انتحار المحارب القديم الذي وضع حدا لحياته للتخلص من ذكرياته الأليمة حيث تبدا الرواية هكذا:
“لا مفر! رائحة اللوز المر كانت تذكره دوما بمصير الغراميات غير المواتية. ذلك ما أدركه الدكتور خوفينال اوربينو منذ دخوله البيت الذي مازال غارقا في الظلام، فاللاجيء الانتيلي جيرمادي سانت امور ، مشوه الحرب ومصور الاطفال واكثر خصومه في لعبة الشطرنج، قد تخلص من عذابات الذكرى باستنشاقه ابخرة سيانور الذهب”.
هذا المشهد هو في الواقع قصة حقيقية وقعت في القرية وهو احد شهودها حين كان ماركيز طفلا يافعا يجرى من تحت جده .
ذلك الشخص البلجيكي في الواقع كما يقول ماركيز في مذكراته جندي سابق في الحرب العالمية أصيب في الحرب وبترت ساقه وعاد للتقاعد والعيش في القرية والتكسب بادرة استديو للتصوير الفوتوغرافي. وكان ذلك الرجل صديقا لجد ماركيز الذي كان كثيرا ما يصطحب معه الطفل ماركيز الى استديو ذلك الشخص للعب الشطرنج. و كان اللعب يستمر دائما الى وقت متاخر من الليل وطوال هذه الساعات يظل الطفل منتظرا فيصاب بالملل والنعاس حتى صار ينفر من ذلك الرجل العجوز .
حين علم الطفل ماركيز بخبر انتحار الرجل وذهب مع جده لمشاهدة جثته، خاطب جده بكل عفوية وبراءة: “اذن ان البلجيكي لن يلعب الشطرنج ثانية”. فصارت هذه الجملة مصدرا للضحك والتندر بين أفراد أسرة ماركيز. ويقول ماركيز ان هذا التعليق رغم بساطته قد أعطى الاشارة الأولى على عبقريته الروائية.
وكان الجد قد حمل الطفل ماركيز حملا الى بيت البلجيكي لمشاهدة واقعة الانتحار التي يتذكر تفاصيلها كما انها وقعت بالامس: “هنالك كانت الجثة مغطاة ببطانية على سرير عسكري فردي والعكازان تركهما صاحبهما قريبا منه قبل ان يستلقي ليموت والى جانبه وعلى مقعد صغير السطل الذي بخر فيه السيانيد وورقة كتب عليها بحروف كبيرة مرسومة بالقلم لا تتهموا احدا قتلت نفسي لانني أحمق”.
هذا اضافة الى روايات وقصص قصيرة اخرى يقول ماركيز انها انبثقت عن تجارب حقيقية حدثت له وعايشها مثل رواية (ساعة نحس) وقصة (الاوراق الذابلة) وغيرها. وكان ماركيز قد ذكر في الحوار الصحفي المشار اليه، أن رواية (قصة موت معلن) قصة حقيقية وقعت أحداثها سنة 1951م وأنه لم يكتبها إلا في سنة 1981م وأن بعض شخصياتها هم أقربائه أصدقائه.
كل ذلك يجعلنا نعيد النظر فيما روجت له بعض نظريات ما بعد الحداثة في مسعاها الى عزل النص الأدبي عن كاتبه إلى حد التضحية بالكاتب والإعلان عن (موت المؤلف) إمعانا في نفي الذات والغائية والقصدية وكل ما له علاقة بمكتسبات الكاتب ومقدراته الفردية كما ذهب إلى ذلك الأديب والناقد الفرنسي رولان بارت.
وكان رولان بارت قد اتخذ مما عرف في الخمسينات والستينات في أوربا (بالرواية الجديدة) نموذجا لتجسيد مقولة (موت المؤلف) حيث يجرد السرد الروائي من تأثير العنصر الإنساني وتصور الأشياء والأحداث كأنها تحدث بمعزل عن إرادة الفرد. حتى الشخصيات ينظر إليها كأشياء وأدوات وأفعال وليست كذوات فاعلة.
ولكن آلن روب رائد ما عرف بالرواية الجديدة، ينكر ما قيل عن حكاية موت المؤلف في رواياته، ويقول في الحوار الذي اجرته معه مجلة (الكرمل) العدد 30/1988 أن الأمر لا يعدو أن يكون “خدعة سببها رولان بارت وشارك هو نفسه فيها”. ويضيف: “أنني لم أكتب يوما أي شئ إلا عن نفسي”، حتى أشهر رواياته ( الغيرة ) التي اتخذت كمثال على مقولة موت المؤلف يقول عنها: “البيت الموصوف بدقة هو نفسه إلى حد ما، ذلك الذي أقمت فيه في فورد دوفرانس، والرواية كلها تجربة حقيقية عشتها ولكنى كنت الجار لا الزوج، .. فالعناصر الواقعية تضاف إلى الأخرى المتخيلة وتتحول إلى شئ مختلف تماما”.
لذلك يجب ان نكون حذرين حتى لا نقع في الخلط بين ذكريات الكاتب وهي موجود كمادة خام على ارض الواقع وبين وجودها وهي ممثلة ومعاد انتاجها على المستوى الفني في جسد النص الروائي. بلا شك، ان القاريء المتمرس، العالم بطبيعة هذه العلاقة الجدلية لا يقع في مثل هذا الخلط. فهو يتعامل مع النص الروائي كعالم متخيل مستقل بذاته بغض النظر عن العناصر الواقعية التي ساهمت في تشكيله.
ان معرفة السياق التاريخي والاجتماعي والذاتي يعيننا بلا شك على اضاءة وتذوق اعمق للنص ولكن لا ينبغي ان تكون هذه السياقات التي تشكل الاطار الخارجي او الزمان المرجعي بديلا للنص. فالاصل ان نتذوف النص ونتفاعل معه كفضاء ابداعي له استقلاليته من غير ان يقود ذلك بالضرورة الى الحكم بموت المؤلف او إهدار الزمان المرجعي لكتابة النص.

  • مصادر ومراجع :
    ١- جورج طرابيشي، موسم الهجرة إلى الشمال أو الجغرافيا التي قلبت معادلة التاريخ، فصل بكتاب: (دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية) دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1982
    ٢- محمد شاهين، تحولات الشوق في موسم الهجرة إلى الشمال، مكتبة مدبولي، الطبعة الثانية ٢٠٠٦، الطبعة الأولي ١٩٩٣ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص١٩٤ -١٩٥
    ٣- ابراهيم الصلحي، الصديق الكاتب نبع الحنان والمودة والحكمة، من كتاب الطيب صالح، دراسات نقدية، تحرير حسن ابشر الطيب، دار نجيب الريس، الطبعة الأولى ٢٠٠١، ص٢٣-٢٤
    ٤- الطيّب صالح: عبقري الرواية العربية، مجموعة كتاب، دار العودة، بيروت، الطبعة الأولى 1981
    ٥- على الدرب .. مع الطيب صالح، ملامح من سيرة ذاتية، اعداد طلحة جبريل، مركز الدراسات السودانية، ١٩٩٧
    ٦- جابرييل قارسيا ماركيز، نعيشها لنرويها، ترجمة رفعت عطفة، ورد للطباعة والنشر، سورية، طبعة اولى 2003
    ٧- حوار مع جابرييل قارسيا ماركيز، مجلة الدوحة، عدد نوفمبر 1982.
    ٨- حوار مع آلن روب غرييه، مجلة الكرمل، عدد 30 /1988.
    ٩- عبد المنعم عجب الفيا، في عوالم الطيب صالح، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 2010
    ١٠- عبد المنعم عجب الفيا، في الأدب السوداني الحديث، دار نينوى، دمشق، الطبعة الأولى 2011.

abusara21@gmail.com

الكاتب
عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

خيانات نخبنا السياسية المتراكمة .. بقلم: عمر العمر
منبر الرأي
مذبحة بيت الضيافة .. ومعلومات اخرى -3- .. بقلم: شوقي بدري
منبر الرأي
طائر الفينيق المنطلق من رماد الحريق: صلاح احمد ابراهيم .. ابداعات ادبية وروحا عبقرية .. بقلم: د. سامية عباس كرجويل/أكاديمي باحث وناقد
مصالحة الإسلامويين لاستكمال تصفية الثورة .. بقلم: تاج السر عثمان
الأخبار
قرية وهمية تحصلت على دعم الفقراء لعامين في العهد البائد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

رساله حب .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان

محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي

هل الجبهة الثورية كيان موازي لدولة السودان ..؟!! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد

طارق الجزولي
منبر الرأي

أول قــولي في ما يجــري (1) .. بقلم: عـــزيزة عـبد الفـتاح محمــــود

طارق الجزولي
منبر الرأي

للخروج من الربكة السياسية والضائقة المعيشية .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss