دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
سمعتُ الجنرال ياسر العطا، الرجل الثاني في القوات المسلحة السودانية، يقول عبارة تبدو للوهلة الأولى معقولة، بل أقرب إلى البداهة: “ما من عاقل يرفض شعار لا للحرب”. لكن العبارة، في حقيقتها، لم تكتمل عند هذا الحد. إذ سرعان ما استُدرك عليها بسؤال مشروط: ما هي شروط ذلك؟ وهل يريد دعاة “لا للحرب” أن نهزم أمام المليشيا؟
هذا الاستدراك ليس بريئاً كما يبدو، بل ينطوي على نوع من الابتزاز الرمزي. فبدل أن يُناقش الموقف الأخلاقي والسياسي من الحرب بوصفها كارثة في ذاتها، يُعاد تعريفه كخيار بين الهزيمة والكرامة، بين الاستسلام والقتال. وهنا تتحول “لا للحرب” من موقف مبدئي إلى تهمة تحتاج إلى تبرئة.
وفي الضفة الأخرى، لا يبدو الخطاب أقل التواءاً. فقد استمعت إلى أحد مناصري ميليشيا الدعم السريع، يفتتح حديثه بالقول إنه مع وقف الحرب، لكنه يشترط لذلك “هزيمة الإسلاميين”. وهو طرح لا يقل تضليلاً عن سابقه، إذ يحاول اختزال الصراع في ثنائية سياسية ضيقة، متجاهلاً أن ضحايا هذه المليشيا لم يكونوا حصرًا من الإسلاميين، بل من المدنيين العزّل. يكفي أن ننظر إلى الخرطوم و قرى الجزيرة وحدها، حيث يشكّل الضحايا المدنيون ما يقارب نصف حصيلة الموت في هذه الحرب اللعينة، لندرك حجم هذا التزييف.
بين هذين الخطابين، يتوارى الصوت الأصيل، الصوت الذي قال “لا للحرب” منذ لحظتها الأولى، لا بوصفها شعاراً ظرفيًا، بل موقفاً أخلاقياً وسياسياً متكاملاً . هذا الصوت لم ينتظر ميزان القوى، ولم يراهن على انتصار هذا الطرف أو ذاك، بل رأى في الحرب ذاتها هزيمة للجميع.
أصحاب هذا الموقف أدركوا، منذ اندلاع الرصاصة الأولى، أن الحرب ليست مجرد معركة عسكرية، بل عملية تفكيك شاملة للمجتمع. رفضوا سردية “حرب الكرامة” التي استُخدمت لتجييش الشباب، ودفعهم إلى جبهات لا يعرفون عنها شيئًا، في مواجهة أسلحة لا قبل للقرى والبوادي بها. كانوا يعلمون أن البنادق، حتى حين تصمت، تترك خلفها ضجيجًا أطول عمراً : أمراض، أوبئة، انهياراً في النظامين التعليمي والصحي، وانكسارات نفسية تمتد لعقود.
هؤلاء لم يسألوا: من سينتصر؟ بل سألوا: ماذا سيبقى بعد الانتصار؟
في المقابل، يبدو خطاب طرفي الحرب – حتى حين يتحدثان بلغة “لا للحرب” – أقرب إلى مناورة منه إلى مراجعة. فكلاهما يشترط السلام بهزيمة الآخر، وكأن الحرب يمكن أن تُلغى عبر استكمالها. إنها مفارقة قاسية: الدعوة إلى وقف الحرب، لكن بشروط استمرارها حتى النهاية.
الموقف الأصيل يرى أن الحرب لا تُهزم بالحرب، وأن الخسارة لا تُقاس فقط بمن يسقط على الجبهات، بل بمن يفقدون حياتهم اليومية، مدارسهم، مستشفياتهم، وأمانهم البسيط. أما الموقف المخاتل، فيُبقي الباب مواربًا: لا للحرب… ولكن بعد أن نربحها.
وهكذا، يتحول الشعار ذاته إلى ساحة صراع. بين من يراه حداً أخلاقياً لا يجوز تجاوزه، ومن يستخدمه كأداة خطابية ضمن معركة لا يريد لها أن تنتهي.
“لا للحرب” ليست عبارة تُقال في سياق، ثم تُسحب في سياق آخر. هي موقف، وهي، قبل كل شيء، رفض لأن يكو للا للحرب “خشم بيوت” تتسلل منها إلى تفاصيل حياتنا، حتى نصبح جزءاً منها دون أن نشعر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم