٢ من ١٢
المصالحة التي غيّرت كل شيء
إبراهيم برسي
في المقال السابق تتبعنا مسار الحركة الإسلامية منذ بداياتها الطلابية في ١٩٤٩، مرورًا بجبهة الميثاق الإسلامي وتجربة البرلمان والصدام مع نظام مايو، حتى اللحظة التي بدأت فيها، بعد مصالحة ١٩٧٧، علاقة مختلفة بالدولة. مررنا على تلك اللحظة سريعًا، لأنها تحتاج إلى مساحة خاصة بها.
قبل عام واحد فقط كان الإسلاميون جزءًا من الجبهة الوطنية التي حاولت إسقاط جعفر نميري بالقوة في يوليو ١٩٧٦. انتهت المحاولة بالفشل، وأعقبتها الاعتقالات والملاحقات. وبعد عام واحد فقط كان بعض الذين شاركوا في محاولة إسقاط نميري يجلسون معه في مصالحة سياسية.
لم تكن المصالحة الوطنية اتفاقًا بين نميري والإسلاميين وحدهم. سبقتها اتصالات بين نميري والصادق المهدي، وأعادت قطاعات من الجبهة الوطنية إلى الحياة السياسية، في مقابل حل الجبهة والقبول بالعمل داخل إطار ظل فيه الاتحاد الاشتراكي السوداني التنظيم السياسي الحاكم. خرج معتقلون من سجون مايو، وعاد بعض المعارضين من الخارج، ودخل بعضهم مؤسسات النظام. وفي روايته اللاحقة لتلك الفترة، اعتبر الصادق المهدي أن من أهم ما أتاحته المصالحة لقوى الجبهة الوطنية استعادة نشاطها بعد سنوات من المنع.
لكن صورة الأبواب التي فُتحت بعد المصالحة تحتاج إلى شيء من الحذر. فالمصالحة لم تُنه الاعتقال السياسي دفعة واحدة، ولم تنظر إليها قوى المعارضة بالطريقة نفسها.
صدقي كبلو، في ذكرياته عن اعتقاله الرابع، يحدد فترة سجنه من يناير ١٩٧٧ إلى مايو ١٩٧٨. أي إن عام المصالحة نفسه وجده خلف القضبان، وبقي هناك حتى العام التالي. ويروي أن ما أُعلن مع المصالحة شمل إطلاق المعتقلين السياسيين، والعفو عن المتهمين في القضايا السياسية، وإلغاء بعض الإجراءات التي اتخذت ضد أشخاص بسبب نشاطهم السياسي، مثل المصادرة والفصل من الخدمة. وجود معتقلين سياسيين في السجون بينما كانت البلاد تدخل عهد “المصالحة” يكشف جانبًا من تعقيد تلك اللحظة: لم يكن الأمر صفحة طُويت في يوم واحد، وإنما عملية سياسية جرى تنفيذها على مراحل.
والحزب الشيوعي، الذي دفع ثمنًا فادحًا بعد أحداث يوليو ١٩٧١، نظر إلى المصالحة من زاوية أخرى. ففي أغسطس ١٩٧٧ أصدرت لجنته المركزية وثيقة بعنوان “الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة السياسية: جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن”. كان جوهر موقفها أن المصالحة لا تكفي إذا بقي نظام الحزب الواحد والقوانين والمؤسسات المقيدة للحريات على حالها. فخروج المعتقل من السجن لا يحل المشكلة إذا ظلت الشروط السياسية والقانونية التي أتاحت اعتقاله قائمة.
وكان لهذا الموقف صداه وسط طلاب اليسار. فقد ذكر تاج السر عثمان، في شهادة لاحقة عن تلك الفترة، أن الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم طالبت بإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وإطلاق المعتقلين، وعودة اتحاد الطلاب وحرية الجامعة، وشككت في جدية مصالحة لا تستوفي هذه الشروط.
وهكذا لم تكن كلمة “المصالحة” تحمل المعنى نفسه عند الجميع. بالنسبة إلى نميري كانت مخرجًا من عزلة سياسية متزايدة. وبالنسبة إلى قطاعات من الجبهة الوطنية كانت طريقًا للعودة إلى النشاط بعد سنوات من المنع والمواجهة. أما الشيوعيون وبعض القوى السياسية الاخرى التي بقيت خارجها، فكان السؤال عندهم أبعد من خروج المعتقلين وعودة المنفيين: ماذا تغير في طبيعة النظام نفسه؟
أما الإسلاميون، فقد وجدوا في المصالحة شيئًا سيصبح بالغ الأهمية في السنوات التالية: مساحة للعمل داخل الدولة من غير أن يتخلوا عن تنظيمهم خارجها.
دخل الإسلاميون مؤسسات النظام من دون أن يذيبوا تنظيمهم فيها.
يذكر خالد مصطفى مدني، في كتابه “Black Markets and Militants: Informal Networks in the Middle East and Africa”، أن نظام نميري أدخل بعد المصالحة قيادات من الإخوان المسلمين إلى الاتحاد الاشتراكي السوداني، من بينها ياسين عمر الإمام وسليمان مصطفى وموسى يعقوب. ويذكر أن ياسين عمر الإمام أصبح رئيسًا لتحرير صحيفة “الأيام”، وأن عددًا من كتاب الحركة ومثقفيها، بينهم موسى يعقوب وحسن مكي والتجاني عبد القادر وعبد المحمود نور الدائم، وجدوا في الصحيفة مساحة للوصول بأفكار الحركة إلى جمهور أوسع.
قد يبدو تعيين رئيس تحرير صحيفة أمرًا صغيرًا إذا نظرنا إليه من نهاية القصة، لكنه لم يكن كذلك في دولة كانت الصحافة فيها واقعة تحت سيطرة النظام. التنظيم الذي أمضى سنوات يبني منابره بنفسه وجد أمامه منبرًا تملكه الدولة، يصل إلى جمهور أوسع مما تستطيع منشوراته الداخلية الوصول إليه.
وفي الوقت نفسه، كان السودان يدخل مرحلة اقتصادية مختلفة. ارتفاع أسعار النفط في الخليج دفع أعدادًا كبيرة من السودانيين إلى الهجرة للعمل في السعودية ودول الخليج، وازدادت التحويلات المالية، واتسعت الصلات برأس المال العربي.
في هذه البيئة ظهر بنك فيصل الإسلامي السوداني.
يتكرر في بعض الكتابات عن الحركة الإسلامية أن البنك كان ثمرة مباشرة للمصالحة الوطنية، أو أنه أُنشئ بعدها لخدمة الإسلاميين. لكن التواريخ الموثقة تجعل الصورة أكثر تعقيدًا. فوفق التاريخ الرسمي الذي نشره البنك، حصل الأمير محمد الفيصل ومجموعة من السودانيين على موافقة جعفر نميري على إنشائه في فبراير ١٩٧٦، أي قبل أحداث يوليو وقبل المصالحة نفسها. وصدر الأمر المؤقت بإنشائه في أبريل ١٩٧٧، وفي مايو من العام نفسه اجتمع، بحسب رواية البنك عن نشأته، ستة وثمانون مؤسسًا من السودانيين والسعوديين وبعض مواطني الدول الإسلامية الأخرى. وسُجل البنك رسميًا في أغسطس ١٩٧٧، وبدأ نشاطه الفعلي في مايو ١٩٧٨.
لكن سبق فكرة البنك للمصالحة لا يعني أن العلاقة بين الحركة الإسلامية والمصرفية الإسلامية كانت بعيدة. يضع خالد مصطفى مدني نمو المصارف الإسلامية والتحويلات القادمة من الخليج وصعود طبقة تجارية جديدة في قلب تفسيره للنمو الاقتصادي والسياسي للحركة. ويرى أن المؤسسات المالية الإسلامية ساعدت في وصل قطاعات من رجال الأعمال والتجار الإسلاميين بمصادر جديدة للتمويل ورأس المال، في وقت كان الاقتصاد الرسمي يعاني أزمات متزايدة.
ولا يعني ذلك أن بنك فيصل كان خزينة سرية للحركة، أو أن كل من حصل على تمويل منه كان إسلاميًا. مثل هذا التفسير يحول تاريخًا معقدًا إلى قصة مؤامرة سهلة. ما يمكن قوله بدرجة أكبر من الاطمئنان هو أن الحركة وجدت نفسها في موقع جيد داخل قطاع اقتصادي سريع النمو، وأن شبكاتها الاجتماعية والتنظيمية تداخلت مع طبقة تجارية ومهنية استفادت من المصارف الإسلامية والتحويلات الخليجية.
في الستينيات كانت قوة الحركة تظهر أساسًا في الجامعة والنقابات والعمل السياسي. بعد المصالحة دخل المال والشركات والمصارف والعلاقات التجارية ضمن مصادر القوة التي أحاطت بها. فالمال يستطيع أن يمول مؤسسة، ويوفر وظيفة، ويفرغ بعض الكوادر للعمل السياسي، وينشئ مصالح وعلاقات تمتد إلى ما وراء العضوية التنظيمية المباشرة.
ولم يقتصر التوسع على الدولة والاقتصاد. ففي أوائل الثمانينيات اتسعت شبكة الجمعيات والمنابر الإسلامية وسط الطلاب والشباب والمجتمع. ويورد خالد مصطفى عددًا منها، بينها جمعية القرآن الكريم، وجمعية الرعاية والإصلاح الاجتماعي، وشباب حسن البنا، وجمعية النهضة الإسلامية، إلى جانب الاتحاد العام للطلاب السودانيين. وكانت هذه الأطر تؤدي دورًا في استقطاب أعضاء جدد والحفاظ على صلة التنظيم بأعضائه، وامتدت أنشطتها إلى البرامج والمعسكرات الصيفية الموجهة خصوصًا إلى طلاب المدارس الثانوية والجامعات.
وهنا تظهر واحدة من مفارقات المصالحة. الهامش الذي أعاد بعض المعارضين إلى النشاط لم تستخدمه القوى السياسية بالطريقة نفسها. ظل الشيوعيون يطالبون بتغيير القواعد القانونية والسياسية التي أبقت نظام الحزب الواحد قائمًا، بينما كان الإسلاميون، إلى جانب نشاطهم السياسي، يوسعون شبكة من المؤسسات والجمعيات والعلاقات القادرة على العمل داخل المساحة التي أتاحها النظام.
المصالحة لم تمنح الإسلاميين السلطة. لكنها منحتهم وقتًا ومساحة، واستطاعوا استثمارهما في بناء مصادر جديدة للقوة.
وفي الخلفية كان اتجاه آخر، أقل ظهورًا، يتطور داخل القوات المسلحة.
كنت قد توقفت في المقال السابق عند بداية المشروع المنظم لبناء وجود للحركة داخل الجيش بعد المصالحة. ولا حاجة إلى إعادة تفاصيل القرار والأسماء التي أشرفت عليه هنا. ما يهم في هذه المرحلة هو الكيفية التي انتقل بها ذلك القرار إلى الأرض.
كانت إحدى الوسائل اختيار أعضاء موثوقين من التنظيم الطلابي وتشجيعهم على دخول القوات المسلحة كضباط نظاميين، إلى جانب العمل وسط ضباط موجودين أصلًا في الخدمة. وهكذا امتد واحد من أقدم مجالات نفوذ الحركة، وهو الوسط الطلابي، إلى مؤسسة ستصبح بعد سنوات حاسمة في مصيرها السياسي.
وفي أوائل الثمانينيات اتسع هذا العمل. وتشير الدراسات والروايات اللاحقة إلى استخدام نشاط الدعوة والتوجيه الإسلامي الموجه إلى الضباط ضمن هذه البيئة. لم يعد الأمر مجرد وجود أفراد متعاطفين مع الإسلاميين داخل الجيش؛ كان هناك عمل منظم يتطور على مدى سنوات.
إحدى الإجابات التي ظهرت لاحقًا من داخل البيئة الإسلامية عن سبب هذا العمل هي الخوف من أن ينقلب نميري عليهم مرة أخرى. وهو تفسير لا يخلو من وجاهة، لكنه لا يغلق السؤال. فمن يبني وجودًا منظمًا داخل القوات المسلحة، مهما كانت دوافعه الأولى دفاعية، يصبح في حوزته مع الوقت شيء آخر: خيار سياسي لا تمنحه الانتخابات ولا البرلمان.
في سنة ١٩٧٨ لم يكن انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ قد تقرر، لكن واحدًا من الشروط التي ستجعله ممكنًا بعد أحد عشر عامًا كان قد بدأ يتكون.
وخلال السنوات التالية تغيرت طبيعة العلاقة مع نظام مايو أكثر. لم يعد الأمر مجرد خروج من السجون أو دخول الاتحاد الاشتراكي. أصبح بعض الإسلاميين أقرب إلى مواقع التأثير داخل الدولة، وكان صعود حسن الترابي نفسه أبرز تعبير عن ذلك، إذ تولى منصب النائب العام. ثم أخذ نميري يتجه بصورة متزايدة إلى الخطاب الديني، حتى أعلن في سبتمبر ١٩٨٣ القوانين التي ستعرف باسم “قوانين سبتمبر”.
ومن السهل، بالنظر إلى ما حدث لاحقًا، رسم خط مستقيم بين دخول الترابي نظام نميري وقوانين سبتمبر. العلاقة كانت أكثر تعقيدًا. كانت القوانين مكسبًا سياسيًا كبيرًا للإسلاميين، وكان لهم حضور وتأثير حقيقيان في المناخ الذي أحاط بها، لكن نميري لم يكن مجرد أداة في يد الترابي. كان حاكمًا له حساباته وأزماته وبحثه الخاص عن مصادر جديدة للشرعية.
وبحلول السنوات الأخيرة من مايو كانت الحركة قد قطعت مسافة يصعب تجاهلها. انتقلت من الصدام مع النظام إلى موقع أقرب إلى مراكز القرار، ووسعت حضورها في الدولة والمجتمع والاقتصاد، فيما ظل تنظيمها محتفظًا باستقلاله وقدرته على الحركة لحسابه الخاص.
لكن لهذه العلاقة كلفتها أيضًا. فقد ارتبط اسم الحركة، لدى قطاعات من السودانيين، بالسنوات الأخيرة من مايو، وبقوانين سبتمبر وطريقة تطبيقها، وبنظام كان الاقتصاد في عهده يتدهور والصراع السياسي يزداد قسوة، فيما دخلت الحرب في الجنوب مرحلة جديدة منذ ١٩٨٣.
وهنا يصبح الفرق بين القوة والهيمنة أكثر وضوحًا. فما راكمته الحركة خلال سنوات المصالحة يخبرنا بالكثير عن قدرتها على بناء القوة، لكنه لا يخبرنا بالقدر نفسه عن قبول المجتمع لمشروعها. تستطيع حركة سياسية أن تبني تنظيمًا قويًا وشبكات اقتصادية واجتماعية، وأن تقترب من الدولة وتوجد داخل الجيش، من غير أن يعني ذلك بالضرورة أنها أصبحت تعبر عن أغلبية المجتمع.
في أبريل ١٩٨٥ سقط جعفر نميري.
وكان من الممكن أن يكون سقوطه ضربة قاصمة لتنظيم ارتبط به خلال سنواته الأخيرة. لكن ذلك لم يحدث.
سقط النظام، وبقي التنظيم.
وحين عادت الانتخابات في ١٩٨٦ ظهرت نتيجة جزء من هذا التحول في واحد وخمسين مقعدًا حصلت عليها “الجبهة الإسلامية القومية”، جعلتها القوة الثالثة في البرلمان. وهو الرقم الذي مررنا عليه في المقال السابق، لكن داخله تفصيلًا يستحق أن نتوقف عنده: ثلاثة وعشرون من تلك المقاعد جاءت من دوائر الخريجين، مقابل ثمانية وعشرين مقعدًا في الدوائر الجغرافية.
وهذا التفصيل يغير السؤال قليلًا. فالواحد والخمسون مقعدًا تثبت أن الحركة أصبحت قوة سياسية لا يمكن اختزالها في تنظيم سري أو مجموعة صغيرة من الكوادر، لكنها لا تقول، وحدها، حجم وزنها الانتخابي في المجتمع السوداني ولا كيفية توزيعه.
لفهم ذلك، ينبغي تفكيك الرقم نفسه: أين فازت الجبهة؟ من كان يصوت في دوائر الخريجين؟ وكيف صُمم النظام الانتخابي الذي منح هذه الدوائر وزنها؟ وماذا تبقى من الصورة عندما نفصل نتائجها عن الدوائر الجغرافية؟
ذلك هو موضوع المقال الثالث:
“ما لا تقوله صناديق الاقتراع”
