أولاً: الطائر العجيب ورحلة اختزال الزمن
خرجتُ من دياري بالخرطوم، من عند مقرن النيلين، حيث يلتقي النيلان في مشهد تتعانق فيه زرقة الماء بصفاء السماء. وكان موعدنا أنا وعدد من فناني الحقيبة مع طائر ضخم، لا هو بطائرة بوينج، ولا هو بالبُراق الذي حمل الأنبياء في المرويات، وإنما مخلوق عجيب أوتي القدرة على اختزال الزمن وطيّ المسافات، حتى ينقلنا من ضفاف النيل إلى بغداد هارون الرشيد في طرفة عين.
وما هي إلا لحظات حتى كنا نحلّق فوق الصحارى والبحار، ونتجاوز القرون، إلى أن هبطنا عند قصر الخليفة هارون الرشيد، حيث كانت بغداد يومئذٍ حاضرة الدنيا، ومنارة العلم والأدب والفن.
وكان مقصدنا إقامة حفل فني كبير، يجمع فرقاً عربية وإسلامية وفارسية، في ليلة أراد لها الخليفة أن تكون حديث المجالس في مملكته.
ثانياً: فرقة الحقيبة بين يدي الخليفة
تقدّمتُ بفرقتي السودانية العريقة، وكان في مقدمتها نفر من أعلام الطرب الذين حملوا وجدان أم درمان إلى الأجيال:
• سرور : عملاق الفن في السودان خلال النصف الأول للقرن العشرين، وينسب إليه الفضل في نقل الغناء السوداني بطريقة غير مسبوقة إلى طور الحداثة فيما يُعرف بالسودان بغناء الحقيبة.
• إبراهيم الكاشف؟ لا، بل سيد الفن السوداني خليل فرح، رمز الوطنية وعذوبة اللحن.
• عوض شمبات؟ بل رواد الحقيبة الذين عُرفوا بأصالة الأداء وجمال الكلمة.
• عمر البنا، وعبد الله الماحي، وكرومة، والأمين برهان، وميرغني المأمون، وأحمد حسن جمعة، وعبد العزيز محمد داود ومبارك حسن بركات.
وكانت الفرقة، في هذه الرحلة العجيبة، تضمّ مجموعة اخري من محبي الحقيبة وفنانينها والكثيرمن الآلات ، اما الازياء فقد تراوحت بين العمم والجلاليب الجميلة او البدل والطرابيشالفخمة، يجمع بين الحضور الاصطلاء بعشق عازة والتغني بحسنها الأخاذ وسهر الغرام ومناجاة النجم والطير والنسم العابر.
وقفنا أمام الخليفة، وقد جلس على سرير ملكه، وحوله الوزراء والأمراء وأعيان بغداد، وإلى جوارهم ملوك من عالم الجن، تتلألأ تيجانهم تحت أنوار القصر.
أشار الخليفة بيده، فسكتت الأصوات، وبدأت فرقتنا وصلتها الأولى.
ثالثاً: أغانٍ أطربت الإنس والجن
افتتحنا الليلة بأغنية «أعطف على يا ريم»، فجاء صوت كرومة رقيقاً شجياً، يحمل في طبقاته حنين العاشق السوداني، ويجعل الكلمات كأنها رسائل من ضفاف النيل إلى دجلة. وهنا كان الخليفة يهزراسه قائلا …الله ..الله ..كمفي الحب مذاهب يا قاضي الغرام..داغنا انس والله جن؟؟
ثم انبرى ميرغني المأمون بأغنية «من حور الجنان»، فمالت الرؤوس طرباً، وتمايلت ستائر القصر مع إيقاع اللحن. وهنا تبدت غانية ترقص وكأنه غصن من البان مهتز على قمريهتز مثل اهتزاز الغصن في البان…والخليفة يردد دا مش سودان ..دا بيضان يا ناس!!!
وأعقبه الأمين برهان بأغنية يا ناعس الاجفان»، فارتفعت همهمات الإعجاب بين الحاضرين، حتى إن أحد ملوك الجن صاح:
«والله، ما سمعتُ في ممالكنا لحناً كهذا، ولا عرفتُ في أشعارنا شوقاً ينساب إلى القلب مثل هذا الشوق!»
ثم تقدّم عبد العزيز محمد داود بصوته العذب، يحمل كبريتة يضبطبها الايقاع كانت سبب حيرة ودهشة فناني مردة الجن الحاضرين الذين طلبوا استيراد مليون كبريته ما دامت تشعل لواعج الكمدوالغرام بتلك الصورة!! فغنّى من روائع الطرب السوداني، بينما تولّى بادي محمد الطيب وصلات جعلت بنوت بغداد يتمايلن طربا ويرقصن في نشوة وحبور.
ولم تكن تلك الليلة مجرد حفل عابر؛ فقد تحوّل قصر الخليفة إلى ملتقى بين ضفاف النيل ودجلة، وبين إيقاع االرق السوداني حناجر الرائعين الكاشف وعبد الحميد يوسف وابراهيم عبد الجليل، وأصبح ملوك الجن أنفسهم يطلبون إعادة الأغاني، ويتساءلون عن سرّ ذلك الفن الذي يجمع البساطة والعمق، والشجن والفرح.
رابعاً: خطبة الخليفة في تكريم الفرقة السودانية
بعد أن فرغنا من الغناء، نهض هارون الرشيد، وأشار إلى الحاضرين بالسكوت، ثم قال:
«الحمد لله الذي جعل للفن لساناً لا تحدّه حدود، وللنغم سلطاناً لا تقف دونه الحواجز، والصلاة والسلام على من علّم الإنسان البيان.
أيها السادة، يا أهل بغداد، ويا وفود الممالك، ويا ملوك الجان ومغنيه وسادة الطرب!
لقد شهدنا الليلة ألواناً من الغناء، وسمعنا ألحاناً من بلاد شتى، غير أن فرقة السودان قد جاءت إلينا بشيء لم تألفه آذاننا من قبل؛ جاءت بصدق العاطفة، ونقاء الكلمة، وعذوبة اللحن، وبفنٍّ يشبه أرضه، عميقاً كنيله، واسعاً كسهوله، أصيلاً ككرم أهله.
لقد رأينا كيف تتحول القصيدة في أفواه هؤلاء الرجال إلى حياة، وكيف يصبح الشجن فرحاً، والحنين جسراً بين الشعوب، وكيف يستطيع المغني أن يجعل الغريب أخاً، والبعيد قريباً.
يا رئيس الفرقة السودانية، لقد أحسنت الاختيار، وأكرمت الفن بأصحابه، وجئت برجالٍ لا يحملون آلات الطرب وحدها، بل يحملون تاريخاً ووجداناً وذاكرة أمة.
وإني، باسم بغداد وعرشها، أمنح فرقتكم وسام التقدير، وأجزل لكم العطاء، وأجعل هذه الليلة شاهدة على أن الفن الرفيع لا يحتاج إلى سيف يفتح به البلاد، بل إلى نغمة تفتح بها القلوب.
عودوا إلى دياركم مكرّمين، واحملوا إلى أهل السودان سلام بغداد، وقولوا لهم إن دجلة قد صافح النيل، وإن بغداد قد وجدت في أم درمان أختاً لها في الطرب والمروءة والجمال».
ثم التفت إلى مجلسه وقال:
«اكتبوا في سجلاتنا أن هذه الفرقة السودانية ضيفتنا العزيزة، وأن لها في قصرنا مكاناً محفوظاً، كلما اشتاقت بغداد إلى صوت النيل».
فدوّى التصفيق في أرجاء القصر، وتعالت زغاريد النساء، حتى إن بعض ملوك الجن خلعوا تيجانهم إعجاباً بما سمعوا.
خامساً: جوائز العودة إلى أم درمان
أمر الخليفة بإحضار الهدايا، فجاءت في صناديق مطعّمة بالذهب والفضة، تفوح منها رائحة العود والمسك.
وكانت الجوائز على النحو الآتي:
• رئيس الفرقة: عباءة ملكية مطرّزة بخيوط الذهب، وخاتم مرصّع بحجر كريم، وكيس من الدنانير الذهبية.
• كرومة: وبادي وابراهيم عبدالجليل وزنقار ومبارك حسن بركات وعبد الحميد يوسف وعبد العزيزداؤود عود نفيس، صُنع من خشب نادر، وقيل إن أوتاره تحفظ رنين النغم حتى بعد انقطاع العزف.
• الأمين برهان: سيف رمزي مرصّع بالفضة، لا للحرب، بل تكريماً لقوة صوته في ميدان الطرب.
• ميرغني المأمون: صندوق من المخطوطات والقصائد النادرة، وكسوة فاخرة.
• أحمد حسن جمعة وعطا كوكو ومحمود عبد الكريم وعوض الجاك : أوسمة ذهبية، وجوائز مالية، وعباءات من نسيج بغداد الفاخر.
• بقية أفراد الفرقة: صرر من الدنانير، وهدايا من العطور والأقمشة، وشهادات تقدير مختومة بخاتم الخليفة.
ولم ينسَ هارون الرشيد طائرنا العجيب، الذي اختزل لنا الزمان وحملنا إلى بغداد؛ فأمر بإحضاره إلى ساحة القصر، ثم وضع بيده قلادة ذهبية ضخمة، وقال:
«هذا الطائر يستحق جائزة لا تقل عن جوائز البشر، فلولاه ما اجتمعنا بهذه الفرقة، ولا عرفنا هذا الفن».
فأطلق الطائر صوتاً عجيباً، اهتزّت له أروقة القصر، وكأنه يشكر الخليفة بلغته الخاصة.
وهكذا صارت رحلتنا حديثاً تتناقله المجالس، وعدنا نحمل من بغداد ذكريات لا تقدر بثمن، وجوائز تسرّ الناظرين، وبشائر تملأ النفوس أملاً.
سادساً: الغانية الحسناء وزواج على الطريقة العباسية
لكن الحكاية لم تنتهِ عند الجوائز.
ففي تلك الليلة، وبينما كنت أتجوّل في حدائق القصر، رأيت غانية حسناء من نساء بغداد، ذات عينين كحيلتين ووجه كالبدر حين يكتمل، تمشي بين أشجار النارنج والياسمين، يحيط بها عطر المسك والورد.
تلاقت عينانا، فابتسمت ابتسامة أربكت ما بقي في قلبي من وقار رئيس فرقة عائد من مجد الطرب.
ولم ألبث أن تعلّقت بها، وأخذ الهوى مني مأخذاً، ونال مني الهوى نائل حتى صرت أبحث عن رؤيتها في مجالس القصر وبساتينه.
بلغ الخبر الخليفة، فاستدعاني إلى مجلسه، وقال ضاحكاً:
«يا صاحب النيل، جئتَ بغداد مغنياً، وقد تعود منها صهراً! أهذا من سحر ألحانكم أم من سحر عيون نسائنا؟»
فأطرقت حياءً، ثم قلت:
«يا أمير المؤمنين، إن للنغم سلطاناً، ولكن للقلب أحكاماً لا يملك المغني ردّها».لقد غنيت لهذه الحبيبة اغنية أتمنى لو سمعتها يا امير المؤمنين، فوقفت متغنيا برائعة ود الرضي:
مرة مره يا نسيم السحر
هب ليا من شاطي البحر
طوف الخبا و جيب ليا من
ام در عبير ذات النحر
مثلت غرقان البحر
أنقذني وابرد عني حر
لاطف قليبي الانسحر
ما إن فرغتُ من غنائي حتى خيّم على المجلس صمتٌ رقيق، كأنّ نغمات العود ما زالت معلّقة في أرجائه، وكأنّ كلماتي قد حملت الحاضرين إلى شواطئ الهوى ومواجع العشّاق. رأيتُ هارون الرشيد يُصغي باهتمام، وقد استوقفه ما في صوتي من لوعةٍ وما في أبياتي من صدق العاطفة وحرارة الشوق. ثم التفت إليّ مبتسماً، وقال في مشهدٍ أتخيّله: «ويحك يا هذا! أتيتنا لتُطربنا بالغناء، فإذا بك تشكو إلينا نار الهوى، وتستنجد بنسيم السحر من غرقٍ في بحر الغرام! فمن هذه التي جعلت فؤادك يضطرب، وألهمتك هذا الشعر؟»
فأطرقتُ برأسي، وقد غلبتني ذكرى الغانية البغدادية التي أسرت قلبي، ولم أجد جواباً أبلغ من صمتي. فابتسم الخليفة، وأشار إلى أهل الطرب أن يعيدوا اللحن، مستزيداً من عذوبة النغم وجمال الكلمات. ثم قال مستحسناً: «إنّ للغرام سلطاناً لا يقف عند باب خليفة، ولا تنفع معه هيبة الملوك؛ فطوبى لمن ألهمه الحبّ شعراً كهذا، وويلٌ لقلبه إن ظلّ أسير الهوى!»
وهكذا انقلب المجلس من طربٍ إلى حديثٍ عن الحبّ وأحوال العشّاق، وبقيت أبياتي تتردّد في أرجائه، شاهدةً على لحظةٍ امتزج فيها الفنّ بالوجدان، والغناء بسرّ قلبٍ لم يستطع صاحبه إخفاءه عن الحاضرين.
فضحك الخليفة، وأمر بإحضار الفتاة وأهلها، وسألها عن رضاها، فلما أبدت موافقتها، أمر بعقد الزواج وفق الأصول، وأجزل لها من المهر، وأكرم أهلها، وأقام لنا وليمة لم تشهد بغداد مثلها في تلك الأيام.
وكانت ليلة الزواج عامرة بالموسيقى والرقص والإنشاد، وغنّت فرقتي للعروسين، حتى قال الخليفة:
«لقد جمعت هذه الليلة بين فرحتين: فرحة الفن الذي طربت له بغداد، وفرحة الحب الذي جعل ضيفنا من السودان واحداً من أهلها».
سابعاً: العودة إلى أم درمان
حين حان موعد الرحيل، صعدنا إلى طائرنا العجيب، وقد أضحت زوجتي الجديدة فرداً من فرقتي وأهلي، تحمل في قلبها شوقاً إلى بلاد لم ترها، وفي عينيها فضولاً لاكتشاف أم درمان.
لوّح لنا الخليفة من شرفة قصره، وأرسل معنا رسائل سلام وهدايا لأهل السودان، ثم انطلق الطائر يشق الفضاء، حتى عادت بغداد خلفنا حكاية من ذهب.
وفي زمن وجيز، ظهرت ضفاف النيل من جديد، واستقبلتنا أم درمان بأشجارها وبيوتها وأسواقها وأصواتها المألوفة.
نزلنا من الطائر فرحين متبشرين، نحمل أوسمة الخليفة وهداياه، وتحمل زوجتي الجديدة دهشة اللقاء الأول بأرض النيل.
ومنذ ذلك اليوم، صارت فرقتي تروي في مجالس أم درمان حكاية الليلة التي أطربت فيها الحقيبة السودانية هارون الرشيد وملوك الجن، وكيف عاد طائرنا العجيب بجائزة من يد الخليفة، وعدتُ أنا بزوجة بغدادية جعلت من أم درمان وطناً ثانياً لها.
وهكذا، يا سادتي، اجتمع النيل ودجلة في أغنية، واجتمع التاريخ بالخيال في رحلة، وأثبت الفن أن القلوب قد تتصاهر قبل أن تتصاهر البلدان.
