في السودان، الإجابة ليست اختياراً بين طرفين، بل ترتيباً منطقياً: المواطن أولاً، والمنتج المحمي لاحقاً — وبشروط.
في أبريل الماضي، أصدرت الحكومة السودانية قراراً بحظر استيراد 46 سلعة، بهدف حماية الإنتاج المحلي وتقليل الضغط على النقد الأجنبي . بعد أشهر قليلة، وبعد أن تجاوز سعر الدولار في السوق الموازي عشرة آلاف جنيه، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسب تجاوزت 200%، اضطرت الرئاسة إلى إلغاء قرارات الحظر وإعفاء ثماني سلع غذائية أساسية من الجمارك بالكامل .
هذه ليست قصة فشل سياسة اقتصادية فقط. إنها درس في ترتيب الأولويات.
المنطق النظري لحماية المنتج المحلي سليم: تقليل الاعتماد على الاستيراد، دعم الصناعة الوطنية، خلق فرص عمل، وحماية الأمن الغذائي . لكن هذا المنطق يفترض شرطاً أساسياً: أن يكون المنتج المحلي قادراً على سد الفراغ.
في السودان، هذا الشرط غائب. القطاع الصناعي تضرر بشدة من الحرب، والمناطق الإنتاجية الرئيسية خارج الخدمة . عندما يُحظر الاستيراد بينما الإنتاج المحلي غير قادر على التغطية، تحدث ثلاث نتائج متوقعة:
الأولى: ارتفاع الأسعار. غياب المنتج المستورد الأرخص يرفع أسعار البديل المحلي. لا يوجد منتج منافس يضغط على الأسعار، فيصبح المستهلك هو من يدفع الفاتورة .
الثانية: انتشار التهريب والاحتكار. منع الاستيراد الرسمي لا يمنع دخول السلع، بل يدفعها إلى طرق غير رسمية. تظهر سوق سوداء يتحكم فيها من يملك القدرة على التهريب أو تخزين السلع .
الثالثة: تآكل الجودة. غياب المنافسة الأجنبية يزيل الحافز أمام المنتج المحلي للتطوير. المستهلك يخسر خياراته، ويحصل على منتج أقل جودة بسعر أعلى .
هذه ليست توقعات نظرية. ما حدث في السودان بعد قرار الحظر أثبتها جميعاً. التجار في سوق أم درمان أكدوا أن ارتفاع الأسعار يعود إلى تعدد الجبايات وارتفاع الدولار الجمركي، وليس إلى غياب المنتج المحلي . وعندما أُلغي الحظر، توقع خبراء انخفاضاً في أسعار السلع الأساسية بنسبة 30 إلى 40% .
لماذا لا تصلح “حماية المواطن” بمعزل عن المنتج؟
لكن السؤال لا يحتمل إجابة سهلة من الطرف الآخر أيضاً. الحديث عن “حماية المواطن” فقط، دون بناء قاعدة إنتاجية، يعني استمرار الاعتماد على الاستيراد، واستنزاف النقد الأجنبي، وضعف القدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
الدولة التي تستورد كل شيء، حتى كيس الخضار، لا تحمي مواطنها على المدى الطويل. إنها تؤجل الأزمة فقط. عندما ترتفع أسعار الغذاء عالمياً، أو تتقلب سلاسل الإمداد، أو ينهار سعر الصرف — كما يحدث الآن في السودان — يكون المواطن أول من يدفع الثمن.
الترتيب الصحيح: ثلاث مراحل لا مرحلة واحدة
المرحلة الأولى: حماية المواطن أولاً.
في ظل حرب مستمرة، وانهيار القدرة الإنتاجية، ونزوح الملايين، لا يمكن الحديث عن حماية المنتج قبل ضمان وصول السلع الأساسية إلى الناس بأسعار ممكنة. الإعفاءات الجمركية على الدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام ليست “تنازلاً عن السيادة الاقتصادية”، بل هي إجراء إنقاذي في لحظة تاريخية لا تحتمل التجارب.
المرحلة الثانية: بناء المنتج المحلي بالتوازي، لا بالحظر.
حماية المنتج لا تبدأ بمنع المستورد، بل بتمكين المنتج. تجربة سنغافورة — التي تحدثنا عنها سابقاً — لم تبدأ بحظر السلع الأجنبية، بل بدأت بجذب الاستثمار والتصنيع، ثم عندما أصبح المنتج المحلي قادراً على المنافسة، فرضت الضوابط. في السودان، هذا يعني: إعفاءات ضريبية للمنتجين المحليين، تحسين البنية التحتية، تأمين سلاسل الإمداد، ومكافحة الفساد الذي يجعل تكلفة الإنتاج المحلي أعلى من الاستيراد.
المرحلة الثالثة: الحماية المشروطة، وليست المطلقة.
حماية المنتج المحلي مشروعة فقط عندما يكون المنتج نفسه يقدم قيمة للمواطن: جودة مقبولة، سعر عادل، وتوفر كافٍ. المنتج المحلي الذي يحصل على الحماية ثم يبيع بأسعار المستورد أو أعلى، وبدون تحسين الجودة، يفقد مبرر حمايته . الحماية يجب أن تكون مؤقتة ومشروطة، ومرتبطة بأداء المنتج وليس بوجوده فقط.
