صديق الزيلعي
اواصل الحوار مع اطروحات الدكتورة ناهد محمد الحسن، التي نشرت بعنوان: أين ذهب الرفاق؟ طرحت في الحلقة السابقة جوهر خلافي مع اطروحاتها. وذكرت انها لجأت لإطلاق الاحكام العامة، التي تشمل كل النظريات، على مر التاريخ. وأن تطبيق تلك النظريات في الواقع، يكشف أسباب فشلها، الكامنة فيها.
وضربت مثلا بنظرية ومفهوم الديمقراطية، التي نشأت في دولة المدينة اليونانية القديمة، حيث يقرر المواطنون الاحرار، كل ما يتعلق بمدينتهم، انطلاقا من جوهرها وهو حكم الشعب. وان التطور التاريخي وتعاقب الأنظمة والتطور العلمي، لم يغير ماهية الديمقراطية. يتم ذلك وهناك التأثيرات السالبة للإعلام والمال ومناهج السيطرة على الجماهير وتشكيل وعيها.
كتبت الدكتورة ناهد:
” لماذا يتكرّر الفشل في كثير من الحركات؟
لأن النظرية حين تتحوّل إلى مؤسسة، تتغيّر وظيفتها. في الكتب، تهدف النظرية إلى تفسير العالم. أمّا حين تصبح مؤسسة، فتتحوّل وظيفتها إلى مهام تنظيمية: الحفاظ على الكيان، حماية الهوية، فرز الداخل والخارج، ضبط السلوك، فرض الانسجام، وصيانة الهيبة. هكذا تتحوّل الفكرة، دون قصد، من مشروع للتحرّر إلى مشروع للضبط، ومن أفق للتغيير إلى آلية للصيانة، ومن سؤال مفتوح إلى إجابة نهائية. يصف روبرت ميشيلز هذا المسار فيما سمّاه “قانون الأوليغاركية الحديدي”[v]، الذي يرى أن كل تنظيم—حتى التقدمي منه—يميل بمرور الوقت إلى إنتاج نخبة ضيقة تُعيد إنتاج علاقات السلطة داخله.”
نعم هذا صحيح، في اغلب المؤسسات، واتفق معه تماما. ولكن في الحالة التي نناقشها وهي تحول الماركسية الى مؤسسة نجد أن رأي روبرت ميشيلز ينطبق عليها تماما، ولكن لماذا؟
عندما كانت الماركسية مجرد نظرية اجتماعية، تميزت بالتيارات والحوارات والمواقف المتعددة. ولكن تحولها الي دولة، كانت الخطوة الأولى فيما ذكره ميشيلز. لان اول دولة تطبق فيها النظرية الماركسية على ارض الواقع كانت روسيا القيصرية، وهي اكثر بلدان أوروبا تخلفا، آنذاك. أدي هذا الحدث الى تغييرات حاسمة في تطور الحركة الشيوعية العالمية، حيث أصبحت الدولة الوليدة هي النموذج.
نلاحظ الارتباط الوثيق بين تشكل وتطور أفكار لينين التنظيمية، وتلك التحولات التي حدثت في روسيا، في بداية القرن الماضي، ومحاولات انشاء حزب. ويظهر، بوضوح، اثر الواقع الروسي، في 1902، عندما الف كتابه الشهير (ما العمل؟). تمثل ذلك الواقع في الحكم الأوتوقراطي المطلق. وفي ذلك الكتاب خط لينين تصوره للمركزية الديمقراطية، التي صارت، لاحقا، اطارا ملزما للتنظيم الحزبي. واستخدمت حتى في تشكيل جهاز الدولة، حيث حدد الدستور السوفيتي انها قاعدة التنظيم الإداري للدولة. وقامت الأممية الشيوعية المعروفة (الكومنتيرن) بفرضها الزاما على كل الأحزاب الشيوعية في العالم.
اهم سمات المركزية الديمقراطية هي المركزية المفرطة، منع التيارات داخل الحزب المعين، القيادة هي التي تتحكم في الصراع الفكري الداخلي، تفتحه بقرار، وتحدد موضوعاته وأسس بقرار، وتغلقه بقرار. مما حولها لأداة لقمع أي رأي مخالف. لذلك الخلافات الفكرية يتم حسمها بالانقسام أو طرد العناصر المخالفة.
رغم صحة تحليل ميشيلز حول معظم الحركات والأحزاب والنقابات، الا اننا نرى ان هناك كوابح ضد المركزة والسيطرة المطلقة للأقلية. وقد طبق ميشيلز ذلك المفهوم، في مكان آخر، على النقابات، وظهور بيروقراطية نقابية، تتحكم، وباستمرار، في عمل النقابات.
تطور الوعي فرض بعض الاشكال الديمقراطية لمواجهة ذلك الواقع، الذي وصفه ميشيلز، ويتمثل ذلك في المؤتمرات الدورية، التغيير الدوري للقيادات وبالانتخاب، وجود منابر متعددة داخل الحزب الواحد، الذي يساعد على وجود أصوات متعددة، بل ونقد ممارسات ومواقف قيادة الحزب علنا. من جهة أخري تطور وسائل الاعلام وظهور المواقع الإعلامية المستقلة، يساهم في تنوير الرأي العام، وكبح أي تسلط من القيادات. ورغم كل ذلك فأن قضية سيطرة الأقلية البيروقراطية وخلقها قيود وضوابط تنظيمية بحجة الحفاظ على المؤسسة، تشكل مشكلة حقيقية.
طرح ميشيلز يشكل تحديا، حقيقيا ومعاشا، امام كل التنظيمات والحركات والنقابات. ولا أؤمن بانه قانون حديدي غير قابل للتغيير والكسر. ولذلك اعتقد ان المخرج هو تطوير المؤسسة باتباع منهجية المؤسسية. وهي مجموعة المفاهيم والقيم، التي نتجت عن تطور الفكر التنظيمي والإداري، عبر التاريخ. ويتم صياغتها بطريقة تتناسب مع طبيعة وبيئة عمل المؤسسة المعينة، وان تصبح ثقافة وطريقة عمل كل المنتمين لتلك المؤسسة. وهكذا نكون انتجنا الاطار العام الذي يحكم طبيعة التنظيم في تلك المؤسسة.
أواصل الحوار في المقالات القادمة
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم