حين تسكنين في ممرات الذاكرة المهجورة

محمد صالح محمد
بيني وبينها مسافة صرخة مكتومة وخيط رفيع من الدخان يتلاشى في سماء باردة هي ليست مجرد “خاطرة” تمرُّ عابرة بل هي الندبة التي أتحسسها كلما أظلم ليل روحي والشرخ الذي يتسع في جدار صدري كلما حاولتُ نسيانها.

زحام الصمت …
أجلس في زاوية الغرفة حيث الضوء شحيح والوقت كأنه توقف عن الدوران أغمض عينيّ فتهجم هي بكل تفاصيلها؛ بضحكتها التي تشبه رنين الأجراس في كنائس مهجورة بنظرتها التي كانت مرفأً وصارت اليوم بحراً هائجاً يغرقني أفكر فيها فيتحول الهواء من حولي إلى رصاص وتصبح الأنفاس عبئاً ثقيلاً ينوء به قلبي المتعب.

مدينة الأشباح …
التفكير فيها ليس نزهة في الذاكرة بل هو سيرٌ حافٍ فوق زجاج مكسور فهي تلك الحكاية التي لم تكتمل والقصيدة التي بُتر شطرها الأخير واللحن الذي ينتهي دائماً بنوتة حزينة ترفض التلاشي و في غيابها صارت كل الوجوه هي وكل الأصوات صدى لصوتها وكل الطرقات تؤدي إلى بابها الموصد بكلمة “وداعاً”.

“أشد أنواع الغربة هي أن تغترب داخل فكرة تسكنك ولا تستطيع الوصول إليها.”

خريف لا ينتهي …
لماذا يصر الطيف على البقاء حين يرحل الجسد؟ لماذا تصبح الفكرة عنها سكيناً يذبح السكون؟
أشعر وكأنني شجرة خريفية تساقطت كل أوراقها ولم يتبقَ لها سوى غصن مكسور يشير إلى السماء يسأل عن مطر لن يأتي. أفكر فيها فيمتلئ فمي بطعم الرماد وتصبح الكلمات عاجزة عن وصف هذا الثقب الأسود الذي يبتلع كل ذرة فرح في أعماقي.
لقد أصبحتِ يا “فكرتي” قدري الحزين الوجع الجميل الذي أرفض الشفاء منه والغصة التي سأحملها في حنجرتي حتى يدركني الصمت الأبدي.

رماد الذاكرة …
على رصيف الانتظار أجلسُ وحيداً أقتاتُ على ما تبقى من طيفها.
الفكرة فيها ليست مجرد خاطر بل هي خنجرٌ من جليد ينغرس في خاصرة الوقت يمنع الجرح من الالتئام ويجعل من صمتي عويلاً لا يسمعه أحد.
أحاول الهروب منها فأجدها في فنجان قهوتي المرّ في تجاعيد يدي وفي زوايا غرفتي التي باتت تضيقُ بي وبأشباح الماضي.

رحلوا هم… وبقي الوجع معلقاً على مشجب روحي كمعطفٍ عتيق. أفكر فيها فيسقط قلبي في بئرٍ لا قاع له وتغدو الحياة مجرد حفنة من الرماد تذروها رياح الحنين في عينيّ… فتبكيان بلا دمع.

رسالة إلى سراب …
إلى التي تسكن الفكرة ولا تطأها قدماي
أكتب إليكِ لا لأستعيدكِ بل لأفرغ هذا الحنين الذي كاد يفتك بصدري. الساعة الآن تشير إلى “الوجع تماماً” والهدوء من حولي يصرخ باسمكِ حتى يكاد يمزق أذنيّ.
أفكر فيكِ وأعلم أنكِ الآن في عالمٍ آخر ربما تضحكين ربما نسيتِ حتى ملامح وجهي الذي أرهقه تتبع أثركِ. أما أنا فما زلتُ عالقاً في تلك اللحظة التي انكسر فيها كل شيء أتحسس مكانكِ في قلبي فأجده فجوةً باردة ثقباً أسود يبتلع أي محاولة مني لابتسامة عابرة.
لماذا تركتِ ظلكِ هنا ورحلتِ؟
ظلكِ الذي يلاحقني في الممرات يجلس معي على مائدة الطعام ويشدُّ غطائي في ليالي الشتاء القاسية ليذكرني بأنني وحيد… وحيدٌ تماماً إلا من طيفكِ الثقيل.

ليتني أستطيع استئصالكِ من مخيلتي كما تُستأصل الأورام لكنكِ لستِ مرضاً أنتِ “أنا” التي ضاعت مني وأنا الآن مجرد هيكلٍ خاوٍ يبحث عن معناه في فكرةٍ مستحيلة.

وداعاً… يا أجمل انكساراتي

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

تراتيل العشق في محراب الروح… رحلةٌ بين المقلِ والمدى

محمد صالح محمدفي ملكوت العشق ثمة أسفار لا تقطعها الأقدام بل تقطعها النبضات؛ وثمة خرائط …