حين تُبدَّل الأواني ويُترك العطب في الماء: أزمة الإصلاح الضائع في جنوب السودان

لـوال كوال لـوال

في جنوب السودان، لا تبدو كلمة “الإصلاح” مجرد مصطلح سياسي متداول في الخطب والبيانات، بل تحولت إلى شعارٍ يُرفع عند الحاجة ويُطوى عند أول اختبار حقيقي للإرادة. فمنذ سنوات، تتكرر الوعود نفسها، وتتغير التحالفات، وتتبدل مواقع اللاعبين، لكن النتيجة النهائية تبقى على حالها: دولة تتآكل مؤسساتها ببطء، ومجتمع يفقد ثقته في السياسة، ونخب تتجادل حول السلطة أكثر مما تتجادل حول شكل الدولة التي يفترض أن تبنيها. المفارقة الكبرى أن كل الأطراف تتحدث عن الإصلاح، لكنها تتصرف وكأنها تخشى حدوثه فعلاً. فالإصلاح الحقيقي لا يعني فقط تعديل بعض اللوائح أو إعادة توزيع المناصب، بل يعني إعادة النظر في طبيعة السلطة نفسها، وفي علاقتها بالمجتمع، وفي حدود استخدام القوة. وهذه أسئلة صعبة، لأنها تمس امتيازات راسخة ومصالح مترابطة، ولذلك يُفضَّل الهروب منها إلى معارك جانبية أو شعارات عامة. المعارضة المسلحة، التي يفترض أن تقدم نفسها كبديل سياسي وأخلاقي، لم تنجح حتى الآن في تجاوز منطق التمرد التقليدي. فهي تعيد تعبئة الماء في إناءٍ قديم، متوهمة أن تغيير القيادة الميدانية أو إعادة توزيع النفوذ داخل الحركة يمكن أن يصنع تحولاً مؤسسياً عميقاً. لكن الدولة الحديثة لا تُبنى بروح الفصائل، ولا تُدار بعقلية الغنيمة. ومن دون رؤية واضحة لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، وترسيخ مبدأ المهنية، وفصل العمل العسكري عن الطموح السياسي، سيظل أي مشروع إصلاحي مجرد أمنية مؤجلة. ولا يمكن إغفال أن المعارضة بقيادة د. ريك مشار تتحمل جزءاً من المسؤولية التاريخية عن ترسيخ أنماط الحكم التي تنتقدها اليوم. فقد شاركت في مراحل مختلفة في إدارة السلطة أو في إعادة إنتاج ممارساتها عبر مناطق نفوذها. وهذا لا ينفي حقها في النقد أو المطالبة بالتغيير، لكنه يفرض عليها مسؤولية مضاعفة لتقديم نموذج مختلف، لا أن تكتفي بإعادة تدوير خطاب المظلومية أو تحميل الطرف الآخر كامل العبء. في المقابل، تبدو الحكومة وكأنها تدير أزمة مستمرة بمنطق التكيّف لا بمنطق المعالجة. فهي تستبدل الوجوه حين يتصاعد الغضب الشعبي أو الضغط الدولي، لكنها نادراً ما تمس جذور المشكلة. وكأن الإصلاح بالنسبة لها هو مجرد تغيير في الأواني: صحن قرع يُرفع من الطاولة ليُوضع مكانه صحن صيني أكثر لمعاناً، بينما يبقى الطعام ذاته بلا قيمة أو طعم. هذه السياسة قد تمنح بعض الوقت، لكنها لا تمنح الاستقرار. إن أزمة القوات النظامية في جنوب السودان تعكس هذا العطب بوضوح. فالقوات التي يُفترض أن تكون رمز سيادة الدولة ووحدتها، ما تزال تعاني من تعدد الولاءات وضعف العقيدة المهنية وغياب الضبط المؤسسي. وهذا الوضع لا يهدد الأمن فقط، بل يهدد فكرة الدولة نفسها. فحين يفقد المواطن ثقته في حياد القوة المسلحة، يبدأ في البحث عن حماية بديلة، غالباً ما تكون قبلية أو محلية، مما يعمق الانقسام ويجعل أي مشروع وطني أكثر هشاشة. كما أن الفساد لم يعد مجرد انحراف فردي أو خلل إداري، بل أصبح جزءاً من بنية الحكم. هو نظام غير مكتوب لإدارة الموارد والنفوذ، يتغذى على غياب الشفافية وضعف المحاسبة وتداخل المصالح بين السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال. في ظل هذا النظام، تصبح الدعوة إلى الإصلاح تهديداً مباشراً لمراكز القوة، ولذلك يُفضَّل الالتفاف عليها أو تأجيلها أو تفريغها من مضمونها. الأخطر من ذلك أن هذا الجمود السياسي ينعكس على المجتمع نفسه. فحين يرى المواطن أن الصراع على السلطة لا ينتج خدمات ولا استقراراً ولا فرص عمل، تتراجع ثقته في العملية السياسية برمتها. ويصبح العزوف أو الغضب أو حتى العنف ردود فعل محتملة على شعور متراكم بالتهميش والعجز. وهكذا تتحول الأزمة من أزمة حكم إلى أزمة معنى: ما جدوى الدولة إذا لم تكن قادرة على حماية مواطنيها أو تحسين حياتهم؟ لا يمكن أيضاً تجاهل البعد القبلي في هذه المعادلة. فالصراعات التي تُقدَّم أحياناً كخلافات سياسية أو أيديولوجية، تحمل في طياتها تنافساً عميقاً على الموارد والتمثيل والاعتراف. وهذا البعد يجعل أي إصلاح مؤسسي مهمة أكثر تعقيداً، لأنه يتطلب بناء ثقة بين جماعات تخشى أن يؤدي التغيير إلى فقدان مكاسبها أو إلى تعزيز نفوذ خصومها. ومن دون مشروع مصالحة حقيقي، يبقى الإصلاح الأمني أو الإداري معرضاً للانتكاس. غير أن تعقيد الواقع لا يعني استحالة التغيير. فالتاريخ السياسي في أفريقيا وخارجها يقدم أمثلة على دول نجحت في الخروج من دوامة الصراع عبر توافقات وطنية شجاعة، أعادت تعريف قواعد اللعبة السياسية، ووضعت خطوطاً فاصلة بين الدولة والحزب، وبين الجيش والسياسة، وبين المال العام والمصالح الخاصة. هذه التحولات لم تحدث بين ليلة وضحاها، لكنها بدأت دائماً باعتراف صريح بأن استمرار الوضع القائم أخطر من مخاطر التغيير. في جنوب السودان، قد تكون الخطوة الأولى نحو الإصلاح هي الاتفاق على حد أدنى من المبادئ الوطنية: حياد القوات النظامية، استقلال القضاء، شفافية إدارة الموارد، وتوسيع المشاركة السياسية خارج دوائر النخب التقليدية. هذه المبادئ ليست ترفاً فكرياً، بل شروط بقاء الدولة نفسها. ومن دونها، سيظل كل اتفاق سلام هشاً، وكل انتخابات موضع شك، وكل حكومة معرضة للانقسام. كما أن المجتمع المدني والنخب الفكرية والإعلامية يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في دفع هذا النقاش إلى الأمام. فالإصلاح لا يُفرض فقط من أعلى، بل يُبنى أيضاً من ضغط مجتمعي واعٍ يطالب بالمحاسبة ويكافئ الأداء الجيد ويعاقب الفشل سياسياً. وحين يشعر السياسي أن مستقبله مرتبط برضا المواطنين لا برضا حلفائه المسلحين، يبدأ ميزان الأولويات في التغير. يبقى السؤال الجوهري: هل تملك النخب الحاكمة والمعارضة معاً الشجاعة للانتقال من صراع المواقع إلى بناء الدولة؟ أم أن منطق المكاسب القصيرة سيظل يحكم قراراتها حتى لو كان الثمن هو إضعاف الوطن الذي تتنافس عليه؟ هذا السؤال ليس نظرياً، بل يحدد ملامح السنوات القادمة، ويحدد ما إذا كان جنوب السودان سيتحول إلى قصة نجاح أفريقية أو يبقى أسير أزماته المتكررة. إن الإصلاح ليس حدثاً يُعلن في مؤتمر صحفي، بل عملية طويلة تتطلب صبراً وإرادة ومؤسسات قادرة على التعلم من أخطائها. وهو أيضاً اختبار أخلاقي للنخب السياسية: هل ترى في السلطة وسيلة لخدمة الناس أم غاية في حد ذاتها؟ في اللحظة التي يُحسم فيها هذا السؤال عملياً، يمكن أن يبدأ التحول الحقيقي. وحتى يحدث ذلك، سيبقى المشهد كما هو: أوانٍ تتبدل على الطاولة، وخطب تتغير نبرتها، لكن الماء ذاته يظل راكداً، يحمل معه كل أسباب العطب. وحين يطول الركود، لا يعود الإصلاح خياراً من بين خيارات، بل يصبح شرطاً للنجاة. إن مستقبل جنوب السودان لن تحدده قوة السلاح ولا مهارة المناورة السياسية وحدهما، بل ستحدده قدرة أبنائه على الاتفاق حول معنى الدولة التي يريدونها. دولة تحمي الجميع، وتخدم الجميع، وتخضع فيها السلطة للقانون لا العكس. تلك هي المعركة الحقيقية التي لم تبدأ بعد، لكنها المعركة التي سيُكتب على ضوئها تاريخ البلاد.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

خطاب البرهان والارتهان للنمط التقليدي للقادة العسكريين في السودان

بقلم: لوال كوال لوال يشكل خطاب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في السنوات الأخيرة …