دكتور الوليد آدم مادبو
في مقاله اللافت: “التاريخ والسرد واللاوعي السياسي.. أو ماذا فعل الطيب صالح بالمحمودين؟” يخوض أحمد حسب الله الحاج مواجهة فكرية وأدبية نادرة مع الطيب صالح، مواجهة تتسم بشجاعة تنأى عن عبادة الأصنام الأدبية، وبصرامة أكاديمية ترفض أن يتحول الإعجاب بالمبدعين إلى تعطيل للأسئلة أو تعليق للحقيقة.
لا يبدأ أحمد الحاج من موقف عدائي تجاه موسم الهجرة إلى الشمال، بل من سؤال نقدي مشروع حول العلاقة بين التاريخ والسرد، وحول الكيفية التي يمكن بها للرواية أن تعيد تشكيل الوجدان السياسي والقومي للأمم. ولهذا يستدعي مبكراً أطروحات النقد ما بعد الكولونيالي، من فردريك جيمسون إلى إدوارد سعيد وغاياتري سبيفاك، ثم يتوقف طويلاً عند فكرة علي مزروعي المقتبسة من أرنست رينان، ومفادها أن الأمم كثيراً ما تعيد تشكيل ذاكرتها عبر “أخذ التاريخ مغلوطاً”، ليس بقصد التزوير الرخيص، وإنما لصناعة شعور قومي قادر على تجاوز الهزيمة والانكسار.
ويضرب أمثلة لذلك من الأدب الإفريقي والعالمي؛ من نقوقي واثيونغو إلى ولي سوينكا، ومن أندريه مالرو إلى هيمنغواي، بل حتى إلى نشيد الاستقلال السوداني نفسه حين قال:
“كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية…”
مع أن الجميع يعلم أن “كتل الغزاة الباغية” لم تفر في كرري، لكن الغاية كانت ترميم الكرامة الوطنية لا تكريس الهزيمة. ومن هنا يطرح أحمد الحاج سؤاله المركزي: لماذا فعل الطيب صالح العكس تماماً؟ لماذا اختار، عند واحدة من أكثر اللحظات رمزية في تاريخ المقاومة السودانية، أن ينتزع من الأمير محمود ود أحمد كبرياءه التاريخي، وأن يفرض عليه الصمت والخضوع أمام الغازي البريطاني هوراشيو هربرت كتشنر؟
يستشهد أحمد الحاج بالنص الذي أورده الطيب صالح في الرواية:
“حين جيء لكتشنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة عطبرة قال له: لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب؟ الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، وصاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً.”
هنا تتبدى أهمية المقال كلها. فالقضية ليست مجرد “تصرف روائي”، بل ـ كما يرى أحمد الحاج ـ موقف بالغ الدلالة في تشكيل الوعي التاريخي السوداني. ولهذا يمضي الرجل، لا بالانطباعات، وإنما بالشهادات التاريخية نفسها. يستدعي المؤرخين والضباط والصحفيين البريطانيين الذين حضروا الواقعة، ليقول إن محمود ود أحمد لم يصمت، ولم يطأطئ رأسه، بل واجه كتشنر بندية أدهشت حتى خصومه.
ينقل أحمد الحاج عن ديفيد ليفرنق:
“هل أنت الرجل محمود؟”
“نعم أنا محمود، وأنا مثلك في المقام.”
“لماذا جئت للقتال هنا؟”
“لقد أتيت منفذاً للأوامر، مثلك تماماً.”
ثم يستدعي شهادة الصحفي البريطاني استيفنز الذي كتب أن محمود تقدم نحو السردار “منتصب الرأس”، وأن الجميع ازداد إعجاباً به لأنه “واجه مصيره غير هياب وبلا وجل.” أما ونستون تشرشل فقد نقل أن محمود رد على كتشنر “في قدر من الجلال”، بل وتوعد البريطانيين بأن الثأر سيكون في أم درمان.
ويورد أحمد الحاج شهادة جون بولوك التي ربما كانت الأكثر دلالة، حين كتب أن كتشنر سأل محمود:
“لماذا جئت بلدي لتحرق وتقتل؟”
فرد محمود:
“مثلك تماماً. يتحتم عليّ إطاعة أوامر الخليفة كما تطيع أنت أوامر الخديوي.”
ثم ابتسم كتشنر قائلاً:
“إجابة جيدة.”
بعد هذا السرد الوثائقي المكثف، يصل أحمد الحاج إلى لب القضية: الطيب صالح لم يكن يجهل ما حدث، لأن تفاصيل الحوار الحقيقية كانت معروفة ومنشورة في كتب وشهادات متداولة، ومع ذلك اختار أن ينزع من محمود صوته، وأن يجعله مطأطئ الرأس أمام المستعمر.
ويزداد الأمر أهمية حين يستعيد أحمد الحاج المواجهة التي دارت بينه وبين الطيب صالح نفسه في ندوة أقامها مركز الدراسات السودانية بلندن عام 1998 تحت عنوان: “السودان: مائة عام بعد أم درمان: التاريخ والحداثة والهوية.”
هناك واجه أحمد الحاج الطيب صالح مباشرة بالسؤال: ما مبرر فرض الصمت والخنوع على محمود ود أحمد، رغم أن الواقعة التاريخية نفسها كانت تحمل واحدة من أبكر لحظات “رد الإمبراطورية على المركز” في السياق الإفريقي؟
لكن الطيب صالح ـ بحسب ما يروي أحمد الحاج ـ رد بغضب، وتمسك بأن “ليس هنالك من يدري بما دار بين محمود وكتشنر”، وأن من حق الروائي أن يضع على لسان شخصياته ما يشاء.
غير أن أحمد الحاج رأى في ذلك تناقضاً خطيراً، لأن الرواية نفسها استعارت السؤال الحقيقي الذي قاله كتشنر، لكنها أضافت من عندها فقط عبارة:
“طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً.”
وهنا تصبح المسألة، في نظره، أبعد من مجرد الخيال الأدبي. إنها اختيار رمزي وثقافي شديد الدلالة.
نواصل…
auwaab@gmail.com
