لم أكن حزينة بما يكفي لأبكي… ولا بخيرٍ بما يكفي لأتحدث.!
على وقع حبات القنقليز استيقظتُ. هواء ثقيل يلفّي بصمته، وعلى مرمى الصمت، هناك ظل يرسم أرجوحة معلقة على حافة الانتظار. أغمض عيناي، و استدعيها لئلا تهرب مني!
الآن يمر شريط طويل من الأحلام المؤجلة أمامي، كوميضٍ خافت يظهر ويختفي، كأن أحدًا يعبث بضوء داخلي لم يعد مستقرًا. أراكِ هناك، فتاة صغيرة بجديلة تهفو إلى وردٍ وشوكولا، وتؤمن أن العالم مكانٌ قابل للفرح.
كان أكثر ما يعجبني ملمح المرايا حين تسرق بصيص ضوء من الشمس وتبرق على الحائط؛ لم تكن لعبة عابرة، وإنما كانت نافذتي الصغيرة إلى اتساع لا أفهمه، لكنني أشعر به. كنت أنجز فيها طول النهار، أجري من زاوية إلى أخرى ألاحق الضوء، و اربط خيط حلمي الصغير بتلك البقعة اللامعة لئلا تفلت مني، ثم أرسم أشكالًا وهمية وأخرى فرِحة دون أن أفرّق بينهما، لأنني ببساطة اوقن أن الفرح يومها لم يكن يحتاج إلى تعريف.
وحين يعاودني المساء، كنت أجلس قرفصاء فرحتي، كأنني أتهيأ لطقسٍ داخلي لا أعرف اسمه، فألملم بقايا زفراتي، وأترك حبات القنقليز تقفز بين أصابعي، أعدّ إلى العشرة ثم أبدأ من جديد، ليمر الوقت وترتب عالمي بعين شفق وحب. وحين يصمت صبحي، يوقظني مواء قطتي فأعرف أن الوقت قد حان لأعود أدراج طمأنينتي، لأمشي متلمسةً طريقي نحو قمري… وأمي. كان ذلك يكفي، يكفيني أن أعرف أن هناك طريقًا، حتى إن لم أفهمه، وأن هناك نهاية آمنة ليومي مهما طال اللعب أو تاه الضوء.
أما الآن، فالأمر مختلف بطريقة لا يمكن نسبها إلى حدثٍ واحد؛ لم يحدث ما يستحق هذا الانسحاب، لا خسارة صاخبة ولا كسر واضح، فقط تآكل بطيء يشبه اختفاء اللون من صورةٍ قديمة دون أن تتمزق. أحيانًا أحاول أن أتذكر متى توقفتُ عن ملاحقة الضوء، متى مرّ أمامي دون أن أتبعه كما كنت أفعل، حين كنت أربط خيط دهشتي بتلك البقعة اللامعة على الحائط، وأظن أنها تكفيني ليومٍ كامل.
الآن تمرّ الأشياء من حولي كاملة، لكنها لا تمسّني؛ أؤديها أكثر مما أعيشها، كأنني أقف خارج المشهد أراقب نفسي تقوم بدوري دون أن أكون فيه حقًا. أجلس كما كنت أفعل في المساء، لكنني لا أعرف ماذا أجمع هذه المرة، ولا إلى كم أعدّ، ولا لماذا يبدو الليل أطول من احتمالي، ربما، لأنه لم يعد ينتهي عند حضنٍ أعرفه، ولا عند صوتٍ يعيدني إلى نفسي.!
لم تعد هناك حبات قنقليز تقفز بين أصابعي، بل فراغ خفيف يمرّ من بينها دون أن يُمسك، فراغ لا يمكن عده، ولا يمكن البدء معه من جديد. أؤجل الردود، و أؤجل اللقاءات، وأقنع نفسي أنني بخير لأنني ما زلت قادرةً على الصمت، لكن الحقيقة أقل ترتيبًا من ذلك بكثير؛ أنا لا أنعزل لأنني أريد العزلة، بل انزلق إليها بهدوء، دون مقاومة تُذكر، كأن شيئًا داخليًا كان يعرف الطريق دائمًا قد فقد رغبته في الإشارة إليه.
أقلّل الكلام، لأن الشرح لم يعد ممكنًا؛ كيف يمكن تسمية هذا الغياب، أو تبرير تعبٍ لا يترك أثرًا واضحًا؟ أحاول أحيانًا أن أستعيدكِ من بين التفاصيل، كذكرى بعيدة، وأحياناً كحالة كاملة كانت تسكنني دون أن أنتبه لها.
اكنتِ تعرفين بعفوبتكِ، كيف أنجو من يومي دون أن أسمّي ذلك نجاة؟
أفكّر فيكِ كلما مرّ الضوء أمامي دون أن أتوقف، وأتساءل كيف كنتِ تلتقطينه بسهولة، كيف كنتِ تصدّقين أن لعبة صغيرة تكفي، وأن العدّ إلى العشرة قادر على إعادة الأشياء إلى أماكنها. الآن يبدو كل شيء أبعد من أن يُمسك، حتى أنا، أتحرك بخفةٍ زائدة، لكنني لا أصل.!
أكتب إليكِ يا أنا، لأستعيدكِ كما كنتِ، لكنني أفشل، واطلب منكِ أن تعودي، لكنني انتظر فراغاً، وفي النهاية أجدني احصر امنياتي في حفظ ملامحكِ داخلي تمامًا، كي أعانق روحكِ بخيطٍ رفيع يدلّني عليكِ كلما تهت. إن مررتِ يومًا من هنا، لا تقولي شيئًا، ولا تحاولي أن تغيّري هذا الصمت، يكفيني أن تتركي لي أثرًا صغيرًا يشبهكِ؛ ومضةً من ضوء، أو عادةً قديمة، أو يقينًا عابرًا بأن الطريق، مهما طال، كان يُعثر عليه في النهاية.
وربما، دون أن أشعر، أجدني أعدّ من جديد… فقط لأتأكد أنني ما زلت هنا.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم