عبدالرحيم خميس
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو تعليق كتبته على موضوع لأحد الكتاب الذين دأبوا على الكتابة عن استمرار الحرب بين الأطراف المتحاربة في السودان. كان تعليقي بسيطا: إذا استمرت هذه الحرب، فربما لن تجدوا وطنا أجمل من وطنكم، ووجودكم في مصر لن يكون أبدا كوجودك على أرضكم.
لكن كانت ردة الفعل صادمة. انهالت علي عبارات مثل: “يا عميل”، و”يا مرتزق”، و”يا داعم لأحد أطراف الحرب”، وغيرها من الألفاظ التي لا يسعني ذكرها هنا احتراما وتقديرا للقراء الكرام.وهذا في نظري يعكس العقلية التي كرستها النخب السياسية التي تعاقبت على إدارة البلاد، حتى أصبح الاختلاف في الرأي عند البعض خيانة، وأصبح النقاش يستبدل بالتخوين، والحجة بالشتائم. وما زال كثيرون يتعاملون بعقلية لا تنسجم مع عصر تتوفر فيه المعلومات و تعددت فيه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الحديثة.
في السودان، يبدو أن أكبر خطيئة يمكن أن يرتكبها الإنسان هي أن يرفض الانتماء الأعمى لأي حزب سياسي. فبمجرد أن تعلن استقلال رأيك، تصبح هدفا لاتهامات الجميع؛ هذا يصفك بالخائن، وذاك يتهمك بالعمالة، وآخر يراك عدوا لأنه لم يجد شعار حزبه على لسانك.
لكن الحقيقة المرة هي أن السودان لم تدمره قلة الموارد، بل دمرته عقلية تقديس الأحزاب والزعماء. فمنذ الاستقلال، تعاقبت الأحزاب على السلطة أو شاركت في تشكيل المشهد السياسي، وكانت النتيجة واحدة: انقسامات، وانقلابات، وحروب، وأزمات اقتصادية، و تمزق في النسيج الوطني. وكل طرف يلقي المسؤولية على الآخر، بينما يدفع الشعب الثمن وحده.
لم أقف ضد الأحزاب لأنها تختلف في برامجها، بل لأن كثيرا منها جعل مصلحة الحزب فوق مصلحة الوطن. أصبح الولاء للتنظيم أهم من الولاء للسودان، والدفاع عن القيادات أهم من الدفاع عن المواطن، وأصبح تبرير الأخطاء ثقافة سياسية راسخة ما دام المخطئ ينتمي إلى الحزب نفسه.
لقد اختطف الوعي السياسي حتى صار الناس يقيسون المواقف بميزان الانتماء لا بميزان الحقيقة. فإن انتقدت حزبا اتهمك أنصاره بالتحيز، وإن انتقدت الجميع اتفق الجميع على مهاجمتك. وكأن المطلوب من المواطن ألا يفكر، بل أن يصفق.
إن السودان لن يخرج من أزمته بتبديل أسماء الأحزاب أو الوجوه، وإنما بتغيير الثقافة السياسية التي جعلت الحزب غاية، والوطن مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة. فلا قيمة لأي حزب إذا كان وجوده يضيف أزمة جديدة إلى أزمات البلاد، ولا قدسية لأي زعيم إذا كان النقد يعد جريمة.
لذلك، سأظل أقول: لا للحزب عندما يتعارض مع الوطن، ولا للزعيم عندما يتجاوز القانون، ولا للولاء الأعمى الذي قتل فينا روح المسؤولية. انحيازي الوحيد هو للسودان، وللمواطن السوداني الذي دفع ثمن صراعات النخب لعقود طويلة.
قد يغضب هذا الكلام أصحاب المصالح، لكنه يعبر عن حقيقة لا يمكن تجاهلها: السودان لن ينهض ما دام المواطن يطلب منه أن يكون تابعا لحزب، بدلا من أن يكون شريكا في بناء وطن. وعندما يصبح الانتماء للوطن أقوى من الانتماء للتنظيم، عندها فقط يمكن أن نبدأ كتابة فصل جديد في تاريخ السودان.
فإذا كانت هذه جريمة في نظر البعض، فإنني أعترف بها دون تردد: جريمتي أنني اخترت الوطن لا الحزب، واخترت أن أحتكم إلى عقلي لا إلى شعارات الآخرين، وأن أقف مع مصلحة السودان حتى لو وقفت وحدي في مواجهة جيوش من التخوين والتصنيف والاتهامات الجاهزة.
akhfur@gmail.com
