بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
في الحلقات الست من سلسلة «نحو نظرية سودانية في التحول الديمقراطي»، حاولنا أن نقترب من سؤال مختلف عن السؤال التقليدي حول فشل الديمقراطية في السودان. لم نسأل فقط لماذا تفشل الحكومات، وإنما حاولنا أن نتتبع ما يحدث للدولة نفسها عندما تتكرر الانقلابات والانقطاعات الدستورية. وانتهينا إلى فكرة أسميناها “نظرية الانقطاع والتجريف المؤسسي” (Institutional Disruption and Erosion): أن الانقطاع السياسي لا يقطع المسار الدستوري للدولة فحسب، وإنما يقطع أيضاً تراكم الخبرة والذاكرة والقدرة على التعلم داخل مؤسساتها.
وقد يبدو هذا المفهوم بعيدًا عن أزمة سعر الصرف، لكنه قد يكون أحد المفاتيح المهمة لفهم ما يحدث. فحين تنهار العملة، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا ارتفع سعر الدولار؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الذي حدث لقدرة الدولة على إنتاج القرار الاقتصادي، وعلى التعلم من قراراتها، وعلى حماية مؤسساتها من صراعات الأشخاص ومراكز القوة والنفوذ داخل منظومة السلطة؟
وقد يبدو هذا المفهوم، للوهلة الأولى، بعيداً عن أزمة سعر الصرف أو عن القرارات التي تصدر عن بنك السودان المركزي. لكنه في الحقيقة قد يكون أحد المفاتيح المهمة لفهم ما يحدث. فحين تنهار العملة، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا ارتفع سعر الدولار؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ما الذي حدث لقدرة الدولة على إنتاج القرار الاقتصادي السليم، وعلى التعلم من قراراتها، وعلى حماية مؤسساتها من صراعات الأشخاص ومراكز القوة والنفوذ ضمن منظومة السلطة؟
وهنا يصبح بنك السودان المركزي حالة تستحق النظر، لا باعتباره المسؤول الوحيد عن أزمة الجنيه، فالحرب وتدمير الإنتاج والصادرات وشح النقد الأجنبي والانقسام الاقتصادي عوامل أساسية، وإنما باعتباره مؤسسة يفترض أن تكون قادرة على إنتاج سياسة نقدية مستقرة، وعلى الاحتفاظ بخبرتها وذاكرتها، وعلى تصحيح أخطائها بطريقة مؤسسية.
فالمؤسسة ليست مجرد مبنى أو موظفين أو لوائح؛ إنها أيضاً ذاكرة متراكمة، وخبرة تنتقل من قرار إلى آخر ومن أزمة إلى أخرى. وهي القدرة على التعلم: أن يتحول الخطأ إلى معرفة مؤسسية تستفيد منها القرارات اللاحقة.
وهنا تتصل المؤسسية بطبيعة النظام السياسي اتصالاً وثيقاً. فالحكم المدني الديمقراطي، بما يقوم عليه من تداول للسلطة واحترام للقواعد الدستورية والفصل بين الاختصاصات، يوفر البيئة التي تستطيع فيها المؤسسات أن تتراكم خبراتها وتحتفظ بذاكرتها دون أن تعاد صياغتها مع كل تغير في السلطة. أما الانقطاعات الدستورية والسياسية، التي كانت في التجربة السودانية في معظمها نتاجاً للانقلابات العسكرية، فتعمل في الاتجاه المعاكس؛ إذ تعيد ترتيب مراكز القوة داخل الدولة، وتفتح الباب لتغيير المؤسسات وقياداتها وقواعد عملها، وتقطع التراكم الذي تحتاجه الدولة لكي تتعلم وتستمر.
وبهذا المعنى فإن الانقلاب لا يقطع المسار السياسي للدولة فحسب؛ بل يبدأ مساراً سيقود غالباً إلى تجريفها مؤسسياً.
وإذا تكرر ذلك عبر عقود، فإن الأثر لا يظل سياسياً. فالمؤسسة التي تفقد قدرتها على التراكم تفقد جزءاً من قدرتها على إنتاج القرار المستقر. وحين تضعف القواعد والإجراءات والخبرة المتراكمة، يصبح القرار أكثر اعتماداً على الأشخاص، وعلى موازين القوة، وعلى مراكز النفوذ. وحين يصبح القرار أسيراً للأشخاص ومراكز النفوذ، تبدأ المؤسسة نفسها في فقدان قدرتها على التعلم.
وهذا هو معنى التجريف المؤسسي.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الجدل الدائر حول بنك السودان وسعر الصرف بطريقة مختلفة. فالمشكلة ليست فقط ما إذا كان قرار نقدي معين صحيحاً أو خاطئاً، ولا ما إذا كانت سياسة معينة قد ساهمت في ارتفاع سعر الدولار أو عزوف المصدرين عن توريد حصائل الصادر. المشكلة الأعمق هي: هل تستطيع المؤسسة أن تنتج قراراً مستقراً، وأن تشرح أسبابه، وأن تقيس نتائجه، وأن تعدله إذا ثبت خطؤه، دون أن يتحول التعديل نفسه إلى دليل على اضطراب المؤسسة؟
فالخطأ في السياسة الاقتصادية أمر طبيعي. المؤسسات القوية لا تتميز بأنها لا تخطئ، وإنما بأنها تستطيع أن تتعلم من أخطائها. أما عندما تتكرر القرارات المتناقضة، أو تتغير السياسات دون تفسير مؤسسي مقنع، أو تصبح كل قضية مرتبطة بمراكز القوة حول المسؤولين، فإن السؤال ينتقل من كفاءة القرار إلى كفاءة المؤسسة التي تنتج القرار.
وتزداد أهمية هذا السؤال إذا نظرنا إلى قضية شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية. فقد أعلن بنك السودان المركزي في يوليو 2026 إلغاء التصديق الممنوح للشركة للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني، وقال إن القرار جاء بناءً على توصية لجنة فنية وقانونية وبعد مراجعة لأوضاع الشركة وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية. كما أكد البنك أن الترخيص إذن تشغيل مشروط، وأن الشركات المرخصة تخضع للمراجعة والرقابة المستمرتين.
من حق البنك، بل من واجبه، أن يراجع أي ترخيص إذا تبين أن شروطه لم تعد متوافرة. لكن القضية المؤسسية التي تطرحها هذه الواقعة تتجاوز الشركة نفسها: كيف مُنح الترخيص؟ وعلى أي أساس؟ وما الذي تغير بعد منحه حتى أصبح الإلغاء ضرورياً؟ وهل كانت معايير الرقابة نفسها مطبقة قبل الترخيص وبعده؟ وهل يستطيع المواطن أو المستثمر معرفة القواعد التي تحكم مثل هذه القرارات بصورة واضحة ومتسقة؟
هذه الأسئلة أهم من الدخول في الجدل حول ملاك الشركة أو خصومها.
وفي خضم هذا الجدل، برز موقف الصحفي الطاهر ساتي الحاد منتقداً سحب الترخيص، حيث لفت إلى أن شركة العسجد قد أتمت—بحسب روايته—جميع الفحوصات والإجراءات الفنية قبل نيلها الترخيص النهائي، متسائلاً عن أسباب التفاوت في التعاطي مع الشركات التي تعمل في المجال ذاته. في حين أوضح البنك أن صدور القرار جاء بناءً على مراجعة دقيقة للجانب المالي والفني والرقابي، مؤكداً التزامه بتطبيق المعايير على الكافة بصرامة.
ومن هنا لا نحتاج إلى حسم الروايتين لصالح أحدهما حتى نصل إلى السؤال المؤسسي الأهم: هل تعمل المؤسسة وفق قواعد يمكن للجميع فهمها والتنبؤ بها، أم أن القرارات أصبحت جزءًا من صراع أوسع بين مراكز النفوذ؟
ولا يعني ذلك أن كل خلاف داخل الدولة هو بالضرورة «صراع أجنحة»، ولا أن كل قرار متناقض دليل على الفساد. لكن عندما تتكرر التناقضات وتتشابك المصالح الاقتصادية مع مراكز القوة السياسية، يصبح من المشروع أن نسأل عن قدرة المؤسسة على حماية قرارها من التأثيرات الخارجية.
فالفساد لا يعيش فقط في غياب القانون؛ إنه يزدهر أيضًا في غياب المؤسسة.
عندما تكون الاختصاصات واضحة، والإجراءات موثقة، والمعايير معلنة، والقرارات قابلة للمراجعة، والمسؤولية محددة، تصبح مساحة التدخل الشخصي أضيق. أما عندما تضعف المؤسسة، تصبح العلاقات والنفوذ أكثر أهمية من القواعد، ويصبح السؤال: من يعرف من؟ ومن يستطيع التأثير في من؟ ومن يملك القدرة على تغيير القرار؟
وهنا تتحول الدولة تدريجيًا من دولة تحكمها المؤسسات إلى دولة تتأثر بموازين القوى داخلها.
وهذه هي النقطة التي تجعل أزمة بنك السودان مرتبطة مباشرة بنظرية الانقطاع والتجريف المؤسسي. فنحن لا نقول إن انهيار الجنيه سببه ببساطة ضعف البنك المركزي، ولا إن الحرب يمكن تفسيرها بأزمة مؤسسية. لكننا نقول إن الأزمات تكشف قدرة المؤسسات على التعامل معها. والحرب يمكن أن تدمر الاقتصاد، لكنها لا تفسر وحدها لماذا تفشل الدولة في الحفاظ على الذاكرة والخبرة والقدرة على التعلم.
فالمؤسسة التي تتعلم تستطيع أن تقول: أخطأنا هنا، والسبب كذا، ولذلك سنغير الإجراء كذا. أما المؤسسة التي انقطع تراكمها فقد تعيد إنتاج الأخطاء نفسها، لأن الخبرة لا تتحول إلى معرفة مؤسسية، والمعرفة لا تتحول إلى قواعد تستمر بعد تغير الأشخاص.
ولهذا فإن انقطاع التراكم قد يكون أخطر من الخطأ نفسه.
فالخطأ الاقتصادي يمكن تصحيحه، أما فقدان القدرة المؤسسية على التعلم فيجعل الخطأ قابلًا للتكرار. وإذا استمرت هذه العملية سنوات طويلة، تصبح الدولة أكثر اعتمادًا على الأشخاص، وأقل اعتمادًا على المؤسسات؛ ويصبح كل تغيير سياسي أو عسكري فرصة لإعادة توزيع المواقع والنفوذ بدل أن يكون مجرد تغيير في القيادة السياسية.
وهذا يعيدنا إلى الفكرة التي حاولنا تأسيسها عبر سلسلة «نحو نظرية سودانية في التحول الديمقراطي». فالانقلاب لا يغير الحكومة فقط. إنه يقطع المسار الدستوري، ويعيد تشكيل علاقة السلطة بالمؤسسات، ويبدأ مسارًا قد يقود إلى تجريفها. ومع تكرار الانقطاعات، تنقطع الخبرة والذاكرة والتراكم. ثم تفقد المؤسسات قدرتها على التعلم، وتتسع مساحة الأشخاص ومراكز النفوذ، وتصبح الدولة أقل قدرة على إدارة أزماتها.
وهكذا يصبح المسار:
الانقلاب ← الانقطاع السياسي والدستوري ← التجريف المؤسسي ← انقطاع التراكم والذاكرة المؤسسية ← ضعف القدرة على التعلم ← شخصنة القرار وصراع مراكز النفوذ ← ضعف الدولة.
هذه ليست مجرد سلسلة من الأحداث السياسية؛ إنها عملية طويلة يمكن أن تفسر لماذا تصبح الدولة، بعد عقود من الانقطاعات، أقل قدرة على إدارة أبسط وظائفها وأكثر تعرضًا للأزمات المتكررة.
ومن هنا فإن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تعني فقط إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب. نحن بحاجة أيضًا إلى إعادة بناء المؤسسات التي تصنع القرار الاقتصادي والسياسي: مؤسسات تحتفظ بخبرتها، وتراكم المعرفة، وتراجع قراراتها، وتعمل وفق قواعد واضحة، وتحمي اختصاصاتها من التدخل، وتستطيع أن تستمر عندما تتغير الحكومات والأشخاص.
فالدولة المؤسسية لا تعني أن كل مسؤول فيها كفء، ولا أن كل قرار سيكون صحيحًا؛ معناها أن الدولة تحتفظ بخبرتها، وتتعلم من أخطائها، وتصحح سياساتها من خلال قواعد وإجراءات مستقرة.
ولهذا فإن السؤال الأهم في أزمة الجنيه ربما لا يكون: لماذا انهار سعر الصرف؟ وإنما: ماذا حدث لقدرة الدولة على إنتاج القرار الذي تتطلبه أزمة بهذا الحجم؟
إذا كان انهيار العملة هو العرض، فقد يكون اضطراب القرار المؤسسي أحد الأعراض الأعمق التي ينبغي ألا نتجاهلها.
فالمشكلة ليست أن مسؤولًا أخطأ أو أن قرارًا اقتصاديًا فشل. الدول تخطئ. المشكلة عندما تصبح الدولة غير قادرة على تحويل أخطائها إلى خبرة، وخبرتها إلى مؤسسات، ومؤسساتها إلى قواعد تستمر بعد رحيل الأشخاص.
وهنا ربما تكون الخلاصة الأهم من تجربة السودان كلها: المؤسسة تحتاج إلى الاستمرارية لكي تتراكم، والتراكم يحتاج إلى الاستقرار الدستوري لكي يستمر.
ولهذا فإن الدفاع عن الحكم المدني والديمقراطي ليس دفاعًا عن الانتخابات وحدها، وإنما عن بيئة سياسية تسمح بتداول السلطة سلميًا، وتحمي استقلال المؤسسات، وتفصل بين الوظائف السياسية والتنفيذية والرقابية، وتتيح للمجتمع محاسبة حكامه وتغييرهم دون عنف، كما تفتح المجال أمام بناء سياسات عامة طويلة الأجل تتجاوز عمر الحكومات. فالديمقراطية لا تضمن حسن اختيار الحكومات دائمًا، لكنها توفر آلية سلمية لتصحيح الاختيار، بينما يتيح الحكم المدني للمؤسسات أن تعمل وفق اختصاصاتها وتتراكم خبراتها بعيدًا عن الاستيلاء السياسي على الدولة.
وبالمقابل، فإن مقاومة الانقلابات ليست فقط دفاعًا عن الشرعية السياسية، وإنما دفاع أيضًا عن استمرارية المؤسسات، وعن تراكم الخبرة والذاكرة، وعن استقلال الوظائف العامة، وعن قواعد التعيين والترقي والمساءلة المهنية، وعن قدرة مؤسسات الدولة على التعلم والتطور دون أن تتعرض في كل انقطاع لإعادة تشكيل واسعة. وهي كذلك حماية للحدود الفاصلة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، بما يسمح ببناء جيش مهني قوي يتفرغ للدفاع عن الدولة وسيادتها، ومؤسسات مدنية قوية تتفرغ لأدوارها، بدل أن تستنزف المؤسسات كلها في صراع السلطة.
لقد حاولنا عبر الحلقات الست من «نحو نظرية سودانية في التحول الديمقراطي» أن ننتقل من سؤال «لماذا فشلت الديمقراطية؟» إلى سؤال أعمق: لماذا لم نستطع بناء الدولة المؤسسية التي تجعل الديمقراطية قابلة للاستمرار؟ والدولة المؤسسية، في تصورنا، ليست مجرد شرط للاستقرار السياسي، وإنما هي المدخل الصحيح للتنمية البشرية والاقتصادية والازدهار؛ لأنها توفر بيئة تحمي الحقوق، وتبني الثقة، وتسمح بتراكم المعرفة والخبرة، وتدعم الاستثمار والإنتاج، وتضمن استمرارية السياسات العامة. وهي كذلك الأساس لبناء مؤسسات مدنية وعسكرية قوية، تتميز بالاستقلال المهني، وكفاءة الأداء، ووضوح الاختصاصات، والقدرة على أداء أدوارها الوظيفية بكفاءة داخل الدولة، لا على حسابها.
وربما يقدم لنا بنك السودان وسعر الصرف اليوم مثالًا عمليًا على أن آثار الانقطاع الدستوري لا تظهر فقط في شكل الانقلابات والحكومات الانتقالية، وإنما تظهر أيضًا في قدرة مؤسسات الدولة اليومية على اتخاذ القرار، والاحتفاظ بالخبرة، ومقاومة صراع المصالح، والتعلم من أخطائها.
فحين تتآكل المؤسسة، لا ينهار المبنى بالضرورة؛ قد يبقى الاسم والهيكل والموظفون. لكن ما ينهار تدريجيًا هو شيء أكثر أهمية: القدرة على إنتاج قرار مؤسسي مستقل ومستقر ومتراكم، وعلى اتخاذ القرارات المهنية الصحيحة.
وحين ينهار القرار قبل العملة، تصبح أزمة سعر الصرف جزءًا من أزمة أعمق: أزمة دولة فقدت جزءًا من قدرتها على التعلم واتخاذ القرار المهني الرشيد.
وهنا يصبح مفهوم الانقطاع والتجريف المؤسسي ليس مجرد مفهوم نظري، وإنما عدسة يمكن أن نرى من خلالها جانبًا من أزمتنا السودانية الراهنة، وأن نفهم من خلالها لماذا لا يكفي إصلاح القرار المنفرد، وإنما نحتاج إلى إصلاح البيئة المؤسسية التي تنتجه.
ونكرر ما قلناه سابقا: الديمقراطية تسمح بتغيير الحكومة، ولكن دون أن يكون ثمن تغيير الحكومة إعادة تشكيل الدولة بما يؤدي إلى الصراعات والحروب وانهيارها.
