زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
في خضم الحرب السودانية المستمرة، لا تبدو المعركة محصورة في ساحات القتال وحدها، بل تتجاوزها إلى ميدان أخطر وأكثر خفاءً: معركة السرديات وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية
فبينما يرزح السودانيون تحت ثقل الحرب، متأرجحين بين مطرقة الواقع العسكري وسندان الكارثة الإنسانية، تطلّ علينا من الخارج خرائط جديدة لا تشبه السودان كما عرفه أهله؛ خرائط صُممت في غرف باردة، لتكون سيناريوهات جاهزة لإعادة التقسيم، قبل أن يتوقف صوت الرصاص
ليست هذه مجرد “رسوم توضيحية” أو “توقعات أكاديمية”، بل هي “خرائط الغدر”- مشاريع ذهنية للتفكيك تُمارس “احتلالاً رمزياً” للمستقبل دولة تُختزل إلى أقاليم متنازعة، وحدود تُرسم على مقاس الفوضى، وهويات تُعاد صياغتها خارج سياقها التاريخي والاجتماعي
من الحرب إلى هندسة التفكيك
المفارقة أن الحرب، بدل أن تكون لحظة لاستعادة الدولة، تُستغل كنافذة لإعادة إنتاج سيناريوهات الانقسام
آخر هذه الخرائط تروّج لثلاثة كيانات- “جمهورية النيل” في الشرق، و”كونفدرالية دارفور–كردفان” في الغرب، ودولة “غير ساحلية” في النيل الأزرق
هي لغة اقتصادية باردة تخفي مشروعاً سياسياً لتهميش الأطراف مجدداً، وكأن السودان بات مختبراً جيوسياسياً مفتوحاً، حيث تُقاس احتمالات البقاء لا بوصفه دولة، بل بوصفه “مساحات قابلة لإعادة التشكيل”
منطق الخارج- إدارة الأزمة لا إنهاؤها
اللافت في سلوك الفاعلين الخارجيين أن الهدف لم يعد إنهاء الحرب بقدر ما هو “إدارة تداعياتها”
فبينما تتعدد المنابر والمتناقضات، وتتدفق الأسلحة وتتوقف مبادرات السلام، تنمو الخرائط البديلة: خرائط النفوذ، وخرائط الموارد، وخرائط “ما بعد الدولة”. لقد أصبح السودان موضوعاً لإعادة الترتيب، لا طرفاً في تقرير مصيره. وتلعب مراكز الفكر الغربية والعواصم الإقليمية دور “المهندس” الذي يجرب نماذج فاشلة في الصومال وليبيا، لضمان بقاء السودان ساحة للصراعات المفتوحة والتبعية المستدامة
بين الدم والورق
المأساة أن ما يُرسم على الورق، يُترجم في حياة الناس نزوحاً وتفككاً وانهياراً
لكن السودان ليس “صفحة بيضاء”؛ إنه تاريخ كثيف، وتكوين اجتماعي معقد، وذاكرة مقاومة ترفض الاختزال
وأخطر ما في “خرائط ما بعد الحرب” أنها تتجاهل حقيقة تاريخية بسيطة: الدول لا تُلغى بالتصور، حتى لو أُنهكت بالحرب
السودان بين سيناريوهين
اليوم، يقف السودان أمام مفترق طرق هما -المسار الأول: بقاء الدولة فاعلاً في تقرير مصيرها عبر مشروع سياسي جامع يعيد توزيع الثروة والسلطة بعدالة
المسار الثاني- التحول إلى ملف مفتوح لإدارة الآخرين، حيث يصبح مجرد ساحة لتجربة نظريات فاشلة في التفكيك
“خرائط الغدر” ليست مجرد وصف. بل هي إنذار مبكر-Inline image
إنذارٌ بما يُراد للسودان أن يكونه إذا تُركت الجغرافيا للأوهام، والتاريخ للغرباء. إن هذه الخرائط لن تمر إلا إذا سكت السودانيون عن حقهم في رسم ملامح وطنهم بأيديهم. فالسودان – بحدوده التي نعرفها وتاريخه الذي نصونه – سيظل أكبر من كل الأقلام المسمومة التي تحاول تمزيقه قبل أن تضع الحرب أوزارها.
