خطوة إلى الأمام إثنتان إلى الوراء ..بقلم: عمر العمر

 


 

عمر العمر
20 يونيو, 2022

 

الخطابات الملتهبة المثيرة للمشاعر لا تنم عن وعي قيادي ، من ثم فهي لا تصنع وعيا جماهيريا. أهم من ذلك انها لا تضيف خطوات على درب التقدم .فالثورة تشكل في أبهى صورها ومضامينها قطيعة مع الاطر التقليدية. من ثم لا ساسة معاصرون حقيقيون طالما لا ينعمون بخيال وقدرات خلاقة من شأنها المساهمة في إحداث تلك القطيعة . المشهد الراهن يعج بالمنغمسين في السياسة لكنا لا نعثر على ذلك السياسي ذي الكاريزما المبهرة أو القيادة الملهمة . لذلك كلما لاحت في الأفق فرصة مؤاتية لتحقيق اختراق عبر طوق الأزمات المتراكبة يجهض الساسة أؤلئك تلك الفرصة بالتباطؤ ،الانغلاق والقصور في الخيال والرؤى . هم أنفسهم عبءٌ على الحركة الجماهيرية الرشيقة المسلحة بالوعي والخيال البديع.
*****
بفعل ذلك الإعشاء الفكري نتأخر خطوتين كلما تقدمنا خطوة . هكذا تبدو سحائب التفاؤل الفجائية فوق المشهد واهية أقرب الى التبدد .فما أدركت قيادات التغيير ابعاد زخم اللحظة الفجائية المدفوعة برياح خارجية منحت الطموحات الداخلية المثقلة بالبذل ، التضحيات والدم قوة تيار وجهته النصر الوشيك. فما استطاع أؤلئك كسر ذلك القن التقليدي حيث دأبوا على ممارسة صراع الديوك . كما لا بصر لثورة بلا بصيرة فلا ساسة لا خيال لهم ولا ديناميكية .فالرياح المبشرة بالنجاح ولّدتها عناصر خارجية تشابكت مصالحها مع الحراك الجماهيري البازخ من اجل بلوغ قدر من الاستقرار.لكن مصالح تلك القوى ليست رهينة بالتطور في بلدنا وحده.
*****
إكثر من ذلك فلتلك القوى انشغالاتها المنداحة على الإقليم ،بل على الصعيد الدولي .فقضيتنا المركزية هي قضيتنا نحن بالدرجة الاولى .حسمها بايدينا أولا . لنا فقط حق الإستثمار في الرياح الخارجية حين تهب لصالحنا ليس الإتكاءعليها بغية الخلاص. هي حين تهب لاتستمر طويلًا .الادارةالاميركية ستنكب بعد قليل على ملفات رحلة بايدن الشرق أوسطية. هي أصلا مهجوسة بالحرب الأوكرانية حتى النخاع .السعودية تغرق في الإعداد ثم استقصاء حصاد تلك الجولة بمافي ذلك القمة الإقليمية المزمع انعقادها في الرياض. تحت مظلتها تتشابك قضايا السلام ، التطبيع و النووي الايراني .فما كان لهذا المتثاؤبون القدرة على مواكبة إيقاع رياح الدفع المباغتة. هكذا جعل نعراك الديوك داخل القن التقليدي تلك السانحة برقًا خلبا
*****
هكذا تآكلت فرص تفكيك الأزمة في غياب الوعي بمدى فعالية عنصر الزمن .فعوضا عن شحذ الهمم وعصف الأدمغة واستنفار الخيال من اجل تخليق برنامج عمل يستنفر جموع الجماهير لممارسة مزيد من الضغط بغية اجبار الجونتا على تعجيل الترجل تعثرت قيادات التغيير في رذائلها العتيقة غير مدركة حساسية اللحظة الماثلة.في المقابل لم يجد الجنرالات ما يحملهم على إرخاء قبضتهم عن مفاصل السلطة او مفاتيح الثروة.دع عنك الإحساس بخطر تهديد وشيك او ضغط محتمل .لاشيء يستدعيهم استبدال نهج المناورات والمغامرات.
*****
ذلك التراخي المترهل بالعجز عن صنع المناخ الثوري أتاح للجالسين على الربوة المقابلة فرص إزاحة سحب الاحباط بعدما تمكنت منهم عند ذلك المنحنى الفجائي.على قدر التباطؤ الممارس من قبل قيادات التغيير يكثف تحالف أعداء التقدم جهودهم من اجل تبديد كل فرص بلوغ الثورة المجيدة أهدافها الكبرى.لديهم من المال ما يعينهم على ذلك التبديد عبر الاغراء والترغيب حتى داخل معسكر الثورة.فبينما سماعون لهم من ذوي النفوس الخائرة والجيوب الجائعة.
*****
قيادات التغيير لم تستوعب دروس التاريخ البعيدة اوتتعظ بتجربتنا القريبة .فهي تتأرجح دومًا بين الإخفاق والتردد ،تتأخر خطوتين كلما تقدمت خطوة.لولا جذوة الأمل المتقدة في قلوب الشباب لأدركنا اليأس والقنوط.فهذا الجيل الفتي يفاجئ الساسة مثلما فاجأ دهاقنة الانقاذ حينما عمدوا الى إفقار المجتمع ثقافيا مثلما أنهكوه اقتصاديا .قناعاتهم في ذلك ان المجتمع الأضعف ثقافة والأدنى عائدًا اكثر طواعية وأسهل انقيادا. لكن جيل الثورة الفتي تمرد على النظام برمته ؛ مؤسساته، مناهج حكمه وتربيته وثقافته فخرج عليها وعلى عقوده الثلاثة العجفاء ليصنع مستقبله بأيديه ودمه .مما يميز هذه الثورة انطلاقها دون التفلت الى مراكز الوعي السياسي التقليدية فهي تعاني من إعطاب متباينة .
*****
من صعد الى قطار الثورة من المستنيرين فعل ذلك بمبادرة شخصية فتم افساح المجال له على القطار بذلك التوصيف.لكن حينما حاولت التنظيمات السياسية الصعود الى القطار لم تتخل عن عتادها العتيق فأضافت عبئا على القطار.
نجاح الثورة ليس رهين بتوقيت انفجارها بل بما تراكم من إنجازات . الساسة الصاعدون بتنظيماتهم على القطار عجزوا عن تقديم النموذج الوضيء لقيادات اللحظة الثورية . بدلًا عن ذلك حشروا خلافاتهم المزمنة ومكايداتهم الصدئة داخل كابينة القيادة. تلك كانت إحدى أسباب تعطيل حركة القطار وانحرافها احيانا . نحن حاليا عالقون في محطة خلوية منفوضة خارج خارطة مزاج الثورة.
*****
ما لم تستجمع قيادات التغيير طاقاتها الخلاقة الشحيحة المبعثرة من اجل استنفار الكتلة الحرجة -كما يحلو للصديق ياسر عرمان-ستردد المسيرة الى المربع الاول في انتظار غودو غير المرتقب.حتى تحدث المعجزة ننزف مزيدا من الدم،نشيع عديدا من الشهداء ، نبدد كثيرا من الو فت ،نراكم الخسائر الفادحة وتجهض كل الفرص.

aloomar@gmail.com
///////////////////////////

 

آراء