باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
إبراهيم برسي
إبراهيم برسي عرض كل المقالات

خِفة مُبارك الفاضل التي لا تُحتمل

اخر تحديث: 31 أغسطس, 2026 11:11 مساءً
شارك

إبراهيم برسي

ربما لا تكمن الخفة في أن يكون للإنسان ماضٍ لا يثقل حاضره، وإنما في قدرته على امتلاك ماضٍ ثقيل من غير أن يشعر بأنه مدين له بشيء. وبين الثقل الذي يمنح الأفعال معناها والخفة التي تجعلها قابلة للنسيان، توجد سيرة سياسية تستحق التأمل. ولعل السياسة هي أكثر الأماكن التباساً بين الخفة والثقل، وسيرة مبارك الفاضل واحدة من أكثر السير إثارة لهذا السؤال.

دخل مبارك الفاضل السياسة السودانية قبل أكثر من نصف قرن، وظل فيها حتى اليوم. تولى وزارات مهمة، عارض أنظمة وشارك أخرى، قاد حزباً وانشق عن حزب، عمل مع الصادق المهدي ثم خاصمه، وحارب عمر البشير قبل أن يصبح مساعداً له. خرج من حكومته ثم عاد إليها نائباً لرئيس الوزراء، دعا مبكراً إلى التطبيع مع إسرائيل، وكانت له علاقات واسعة بالقاهرة وعواصم أخرى، وما يزال يظهر في الفضائيات ليحدث السودانيين عن الجيش والدعم السريع والإسلاميين ومصر والإمارات وأسرار ما يجري خلف الكواليس.

ومع كل هذا التاريخ، لا أعرف موقفاً واحداً التصق بمبارك الفاضل أكثر من مبارك الفاضل نفسه. ولعل هذه المفارقة هي ما جعلت سيرته تستوقفني.

فبعض السياسيين، حتى عندما نختلف معهم، نستطيع أن نختصرهم في فكرة حملوها طويلاً. نذكر الاسم فتأتي الفكرة معه. أما مبارك، فحين حاولت أن أفعل ذلك، وجدت أمامي سلسلة من المواقع أكثر مما وجدت مشروعاً سياسياً متصلاً. وكلما أمسكت بموقف وجدته بعد سنوات واقفاً في مكان آخر، يشرح الموقع الجديد بالثقة نفسها التي كان يشرح بها القديم.

وللمفارقة، أصدر مبارك الفاضل قبل سنوات كتاباً سماه “ماذا جرى؟”، حاول فيه أن يستعيد ثلاثة عقود من الصراع السياسي في السودان، وأن يقرأ شيئاً من الأسباب التي قادت البلد إلى ما هو فيه. غير أنني كلما تأملت سيرة الرجل شعرت أن السؤال يمكن أن يرتد إليه بطريقة لم يقصدها: ماذا جرى لمبارك الفاضل نفسه خلال كل ما جرى للسودان؟ وكيف احتفظ، بعد كل هذه التحولات، بموقع المفسر لما جرى، من غير أن يتحول بالقدر نفسه إلى موضوع للسؤال عن دوره في بعض ما جرى؟

ومن هذه النقطة، لا من مجرد التشابه في العنوان، وجدتني أعود إلى ميلان كونديرا و روايته ”خفة الكائن التي لا تُحتمل”. فقد بدا لي أن ثنائية الخفة والثقل التي جعل منها كونديرا سؤالاً مفتوحاً في الرواية تفتح باباً مختلفاً لقراءة هذه السيرة السياسية. ماذا يبقى من الإنسان إذا استطاع أن يتخفف دائماً من وزن ما فعل؟ وهل الثقل، الذي نهرب منه عادة، هو ما يمنح حياتنا معناها لأن أفعالنا تبقى معنا ولا نستطيع التخلص منها كلما تغيرت الظروف؟

فالخفة عند كونديرا تمنحنا حرية الحركة، لكنها قد تسلب أفعالنا رسوخها، والثقل يقيد حركتنا لكنه يجعل ما نفعله قابلاً لأن يؤخذ بجدية. وهذه المفارقة تصلح للسياسة أيضاً. فالمشكلة ليست في أن السياسي يغير مواقفه؛ السياسي الذي لا يغير رأيه مهما تغير الواقع ليس بالضرورة أكثر مبدئية. السؤال هو مقدار ما يحمله معه من الموقف القديم عندما يصل إلى الجديد، وما إذا كان التغيير يلغي المسؤولية أم يضيف إليها.

ولكي نفهم هذه الخفة في سيرة مبارك، ربما ينبغي أن نبدأ من الثقل الذي سبق الرجل نفسه. فقبل الحزب والحكومة والمعارضة والقاهرة، كان هناك اسم “المهدي”، بكل ما تراكم خلفه من تاريخ ودين وسياسة وولاء اجتماعي. ولد مبارك الفاضل في الخرطوم سنة ١٩٥٠ داخل واحدة من أثقل الأسر اسماً في تاريخ السودان. وهو من أحفاد الإمام محمد أحمد المهدي، وابن بيئة لم يكن فيها اسم “المهدي” مجرد لقب. فالاسم وراءه الأنصار، وحزب الأمة، والمهدية، وإرث عبد الرحمن المهدي، ثم الصديق والصادق، وكتلة اجتماعية واسعة امتدت تاريخياً في كردفان ودارفور والنيل الأبيض ومناطق أخرى. أي أن مبارك لم يدخل السياسة كرجل يبحث عن اسم؛ دخلها والاسم في انتظاره.

درس في بيروت وواصل دراسته خارجها، وتكوّن مبكراً في عالم الإدارة والاقتصاد والسياسة الدولية، ودخل العمل السياسي المعارض لنظام جعفر نميري، وارتبط بالجبهة الوطنية التي حاولت إسقاط نظام مايو بالقوة في يوليو ١٩٧٦. وبعد انتفاضة أبريل ١٩٨٥ وعودة الديمقراطية، أصبح نائباً ووزيراً في حكومة ابن عمه الصادق المهدي، وتولى الصناعة، والاقتصاد والتجارة الخارجية، والطاقة والتعدين، ثم الداخلية.

وهنا ظهر ذلك المزيج الذي سيلازمه طويلاً: “السيد” الذي يستند إلى تاريخ البيت، و”الأفندي” الذي يعرف لغة الدولة والسفارات والعواصم. مبارك ليس زعيماً طائفياً من الطراز القديم، وليس ابن طبقة الأفندية وحدها. يستطيع أن يتحرك داخل الولاء التقليدي للأنصار، ثم يغادر إلى القاهرة أو أسمرا أو اي عاصمة غربية ويتحدث بلغة موازين القوى والاتصالات الدولية. الاسم يمنحه ثقلاً موروثاً، بينما يمنحه التعليم والعلاقات قدرة واسعة على الحركة فوق ذلك الثقل. ومبارك لم يكن في الديمقراطية الثالثة شاباً يقف في هامش حزب الأمة؛ كان قريباً من قلب السلطة، يعرف الدولة من الداخل ويمسك ببعض ملفاتها الاقتصادية والأمنية.

ثم وقع انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩. أطاح عمر البشير والإسلاميون بحكومة الصادق، وانتهت الديمقراطية الثالثة، وخرج مبارك إلى المعارضة، وأصبح من القيادات المهمة في التجمع الوطني الديمقراطي الذي جمع حزب الأمة والحركة الشعبية والحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي وبعض القوى الاخرى ضد نظام الإنقاذ.

وفي التسعينيات دخلت القاهرة بقوة في حياة مبارك، وكانت وقتها إحدى أهم ساحات المعارضة السودانية. تحرك فيها والتقى مسؤولين مصريين، كما نسج علاقات في إريتريا ومع مسؤولين ودبلوماسيين غربيين. ومن يتابع سيرة الرجل يلاحظ انشغاله بما يجري خلف السياسة المعلنة: من التقى بمن، وماذا تريد القاهرة، وكيف تنظر واشنطن إلى هذا الملف، وأين يتحرك الخلاف داخل الحزب أو السلطة.

ولهذا نشأت حوله أحاديث كثيرة عن علاقته بالمخابرات المصرية. بحثت عن دليل يثبت أنه عمل لحسابها فلم أجده. علاقته الوثيقة بالقاهرة ومعرفته بمسؤولين مصريين لا تكفيان لتحويل العلاقة السياسية إلى عمالة، ومثل هذا الاتهام لا يثبت إلا بدليل يرقى إلى مستوى خطورته. الأهم عندي أن علاقته بمصر تكشف جانباً آخر من شخصيته: فقد تعلم مبكراً أن وزن السياسي السوداني لا يصنع كله داخل السودان. ففي السياسة السودانية كانت هناك دائماً القاهرة وأسمرا والعواصم الغربية والخليج والسفارات والوسطاء. لم يخترع مبارك هذا التقليد، لكنه أتقنه؛ اسم شديد الرسوخ في الداخل، يقابله رجل شديد القدرة على الحركة من عاصمة إلى أخرى.

ثم جاءت الأزمة الكبرى داخل حزب الأمة. لم يبدأ الخلاف فجأة سنة ٢٠٠٢، لكنه بلغ في ذلك العام نقطة الانفصال الواضح. اتهم مبارك الصادق المهدي بالهيمنة على الحزب وإضعاف المؤسسية، وانتهى إلى تأسيس “الإصلاح والتجديد”. ورد الصادق ومعسكره بأن مبارك يسعى إلى السلطة وأن النظام شجع الانشقاق لإضعاف حزب الأمة. ولم يكن كل ما قاله مبارك عن الحزب بلا أساس؛ فالعلاقة الملتبسة بين الحزب والبيت، وبين القيادة السياسية والإمامة، ظلت من الأسئلة التي رافقت حزب الأمة طويلاً.

لو توقفت الحكاية هنا لكانت واحدة من انشقاقات الأحزاب السودانية التي لا تنتهي. لكن مبارك فعل شيئاً آخر: دخل حكومة عمر البشير وأصبح مساعداً لرئيس الجمهورية. وهذا هو النظام الذي أمضى أكثر من عشر سنوات يعمل في المعارضة لإسقاطه، والرجل الذي قاد انقلاب ١٩٨٩ وأسقط الحكومة التي كان مبارك وزيراً فيها أصبح الآن رئيسه.

المشكلة ليست أن مبارك غيّر موقفه؛ تغيير الآراء من طبيعة العمل السياسي. المشكلة في مقدار ما يبقى من وزن الموقف القديم بعد الانتقال إلى الجديد. فهو لم ينتقل من خلاف تكتيكي إلى آخر، وإنما من معارضة نظام إلى المشاركة فيه. والسياسة، حين تؤخذ بجدية، لا تطلب من الإنسان أن يبقى أسير مواقفه، لكنها تطلب منه أن يشرح كيف غادرها، وما الذي أدركه لاحقاً، وما الذي يتحمله مما فعله قبل أن يغادرها.

أقاله البشير سنة ٢٠٠٤، وفي ٢٠٠٧ اعتقله النظام في قضية قيل إنها تتعلق بمخطط تخريبي أو انقلابي، وهي اتهامات لم تنته إلى إدانة ثابتة. دخل القصر، خرج منه، سجنه النظام، عاد إلى المعارضة، وفي ٢٠١٠ جرت مصالحة وإعادة توحيد مع حزب الأمة، ثم عاد الخلاف مع الصادق وانتهى الأمر مرة أخرى إلى انفصال سياسي وتنظيمي. وهذا يجعل عودته التالية إلى الإنقاذ أكثر دلالة: فقد عاد إلى نظام عرفه معارضاً، وشريكاً، وخصماً، وسجّاناً.

ولا ينفصل الصراع السياسي داخل حزب الأمة هنا عن الصراع داخل البيت نفسه. مبارك ابن البيت، وأقدم سياسياً من أبناء الصادق المهدي، ثم دخل هؤلاء الأبناء السياسة بأنفسهم؛ أصبحت مريم من أبرز قيادات حزب الأمة، ودخل عبد الرحمن مؤسسة الرئاسة في عهد البشير مساعداً للرئيس. لذلك لا أرى الخلاف مجرد خصومة شخصية أو صراعاً بسيطاً على الوراثة. هناك شرعية الأبناء القريبين من الصادق، وفي مقابلها شرعية القريب الأقدم الذي يرى في تجربته الطويلة استحقاقاً سياسياً مستقلاً. والمفارقة أن مبارك يعترض على هيمنة البيت، فيما يستمد هو نفسه جزءاً مهماً من ثقله السياسي من البيت ذاته.

ثم، بعد ثلاثة عشر عاماً من إقالته، عاد مبارك إلى حكومة البشير. في مايو ٢٠١٧ أصبح نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للاستثمار.

هذه العودة الثانية أهم عندي من الأولى. في ٢٠٠٢ كان يستطيع أن يقول إن هناك تسوية جديدة أو محاولة لتغيير النظام من الداخل. أما في ٢٠١٧ فقد كان عمر الإنقاذ ثمانية وعشرين عاماً. الرجل عرفها معارضاً، وعرفها مشاركاً، وعرفها بعد أن أقاله رئيسها، وعرف سجونها أيضاً، ثم عاد إليها بإرادته. كان ملف دارفور معروفاً، ومذكرات المحكمة الجنائية بحق البشير معروفة، والتمكين معروفاً، وسيطرة الإسلاميين على مؤسسات الدولة معروفة. لذلك، عندما يتحدث مبارك بعد سقوط البشير عن الإسلاميين وخطرهم واختطافهم للدولة، لا يمكن قراءة كلامه من دون هذه الصفحة. ليس لأن من شارك نظاماً يفقد حقه في نقده، لكن لأن التاريخ لا يفقد حقه في سؤاله: متى عرفت كل هذا؟ وما الذي تغير في النظام، أو فيك، بين لحظة رفضه ولحظة العودة إليه؟

وفي أواخر ٢٠١٧ اقترح استمرار حكومة “الوفاق الوطني” نحو عشر سنوات، مع بناء الانتخابات من المستوى القاعدي. وهذه واقعة تقول شيئاً مهماً عن نظرته إلى الترتيب السياسي القائم وهو في داخله، وتجعل مواقفه اللاحقة بعد سقوط النظام محتاجة إلى أن تقرأ معها.

فمن حق السياسي أن يراجع نفسه، لكنني لا أذكر، في كل هذه الانتقالات، مراجعة توازي حجمها. قلما نسمع مبارك يقول: أخطأت هنا، أو أسأت التقدير هناك، أو كانت مشاركتي في هذه الحكومة قراراً غير موفق. الرجل يشرح الماضي كثيراً، لكنه يحاكم الآخرين اكثر مما يحاكم نفسه.

وهنا تظهر مفارقة كتابه “ماذا جرى؟” مرة أخرى. عند تدشينه تحدث مبارك عن أزمة النخب السودانية، وعن الكيد السياسي والغيرة والتنافس وعجز القوى السياسية عن حل قضايا السلام والديمقراطية. وهو تشخيص فيه قدر كبير من الصحة. غير أن الرجل الذي كتب عن فشل النخب يعد واحد من أبناء تلك النخبة الأكثر استمراراً في قلب المشهد؛ عاشها، وصنع بعض تحالفاتها، وشارك بعض حكوماتها، وخرج من بعضها، وانشق عن أحد أحزابها الكبرى. وربما كان مبارك، وهو يشخص مرض النخبة، يصف شيئاً من سيرته من حيث لا يقصد.

هنا يعود كونديرا من طريق آخر، ومعه نيتشه الذي يبدأ منه سؤال “العود الأبدي”. إذا كانت الأشياء تتكرر إلى الأبد، تصبح ثقيلة على نحو لا يطاق. أما ما يحدث مرة واحدة فقد يبدو خفيفاً، عابراً، يكاد يفلت من الحكم. والسودان، على نحو ساخر ومؤلم، جمع الاثنين معاً: مآسيه تتكرر، بينما يتعامل بعض صانعيها مع كل مرحلة كأنها تحدث للمرة الأولى. الانقلاب يعقبه حوار، والحوار تسوية، والتسوية انقسام، ثم انقلاب آخر وحرب جديدة؛ يتكرر الشكل، أما المسؤولية فتبدأ كل مرة من الصفر.

ومن هنا لا تبدو مشكلة مبارك في كثرة تنقلات مواقفه وحدها؛ السياسة نفسها تنقلات وحركة.
المشكلة في القدرة على مغادرة محطة ثقيلة ثم دخول التالية من غير أن يبدو أن الأولى تركت ديناً واجب السداد. والغريب أن الرجل، في أشياء أخرى، شديد الثقل: شديد الإحساس بمكانه، شديد الثقة بخبرته، حاضر بقوة في المجال العام، ومطمئن إلى معرفته بدهاليز السياسة. ولهذا لا أراه “خفيفاً” بصورة بسيطة. المفارقة الأدق ربما أنه خفيف في علاقته بالمواقف، وثقيل في علاقته بنفسه.

وتظهر هذه الثقة في مواقف أخرى اتخذها من قضايا شديدة الحساسية. ففي حكومة البشير نفسها، سنة ٢٠١٧، ظهر ملف إسرائيل. دعا مبارك علناً إلى تطبيع العلاقات معها، وكان من أوائل السياسيين السودانيين البارزين الذين قالوا ذلك بهذه الصراحة. لكنه لم يكتف بمناقشة مصلحة السودان في التطبيع، وإنما ذهب إلى حديث أثار غضباً واسعاً عن الفلسطينيين، ومنه أنهم “باعوا أراضيهم”، وأن القضية الفلسطينية عطلت العالم العربي، وتحدث عن سلوك بعض الفلسطينيين تجاه السودانيين في دول الخليج. هاجمه الصادق المهدي وأدانته حماس، وقالت حكومة البشير إن حديثه يمثل رأيه الشخصي. أما ما انتشر لاحقاً في وسائل التواصل الاجتماعي عن امتلاكه جواز سفر إسرائيلي، فقد ثبت أن الصورة المتداولة غير حقيقية. ولا يحتاج موقفه الحقيقي إلى وثيقة مختلقة؛ فقد دعا إلى التطبيع وقال عن الفلسطينيين ما قاله علناً، وهذا وحده ما ينبغي أن يناقش.

أما غرب السودان فهو، بالنسبة لي، أكثر الملفات أهمية في قراءة الرجل والبيت السياسي الذي خرج منه. قال مبارك في حوار سنة ٢٠٠٥ إن ٩٩ في المئة من سكان دارفور من قواعد حزب الأمة. قد يكون الرقم مبالغة سياسية، لكن العبارة تستحق التأمل: دارفور “قواعد حزب الأمة”.

تاريخياً، كان للحزب والأنصار نفوذ ضخم في دارفور وكردفان، ومن هذه المناطق جاءت أصوات ورجال وولاءات ساهمت في صناعة ثقله. وهنا نصل إلى مشكلة تتجاوز مبارك نفسه. فقد استطاعت النخب المركزية، الطائفية منها والأفندية، أن تحول القوة الاجتماعية الموجودة في الأطراف إلى قوة سياسية في المركز، من دون أن ينتقل المركز نفسه بالقدر الكافي إلى أصحاب تلك القوة.

غرب السودان يعطي الحزب ثقله، والقيادة تبقى داخل بيت المهدي. لا احب ان أستخدم كلمة “استغلال” هنا، فالمسألة أعمق من رجل شرير يستغل أناساً طيبين. نحن أمام بنية سياسية كاملة: الولاء الديني يتحول إلى أصوات، والأصوات إلى مقاعد، والمقاعد إلى سلطة، لكن رحلة السلطة في الاتجاه المعاكس، من الخرطوم إلى المواطن الذي صنعها، قلّما قطعت الطريق نفسه عائدةً إليه.

ومبارك نموذج واضح لهذا التناقض. هو ابن بيت المهدي، وفي الوقت نفسه ابن طبقة الأفندية الحديثة. يستطيع أن يستند إلى القوة الاجتماعية للأنصار في غرب السودان، ثم يمارس السياسة في الخرطوم والقاهرة وبين العواصم والسفارات. غرب السودان يمنح الثقل البشري والانتخابي والتاريخي، ثم يحمل هو نفسه أعباء الحرب والنزوح والفقر، بينما تمتلك النخبة حرية أوسع في الحركة بين الحزب والقصر والمعارضة والعواصم الأجنبية.
الريف يمنح الشرعية، والمركز يحولها إلى قرار، ومبارك يقف في نقطة تجمع ثقل البيت وأدوات الأفندي وشبكة العلاقات الخارجية.

ومن هذه الزاوية تكتسب مذبحة الضعين سنة ١٩٨٧ حساسية خاصة. وقعت قبل أن يصبح مبارك وزيراً للداخلية، ولذلك سيكون من الخطأ تحميله مسؤولية مباشرة عنها. الخلاف يتعلق بمرحلة لاحقة، عندما تولى الداخلية سنة ١٩٨٩، وبما رواه عشاري أحمد محمود عن استمرار إجراءات تتصل بحظر السفر والتضييق على من وثقوا المذبحة. مبارك نفى مسؤوليته عن الحظر الأصلي، ولا أملك ما يسمح بتحويل الرواية إلى حكم نهائي عليه. لكن القضية تفتح سؤالاً أكبر: ماذا تعني “قاعدة الحزب” عندما تكون حياة الناس نفسها موضع الامتحان؟ فالحزب الذي يحصل على شرعيته من إقليم ما لا يثبت علاقته به بعدد الأصوات وحده، وإنما بما يفعله عندما يصبح إنسان الإقليم نفسه في مواجهة الخطر وحده.

وفي ١١ أبريل ٢٠١٩ سقط البشير. ذهب مبارك إلى محيط اعتصام القيادة العامة، فتعرض لاحتجاجات وهتافات من بعض الثوار. انتشرت رواية أنه طُرد من ميدان الاعتصام، ونفى هو ذلك. يمكن أن نختلف حول التفاصيل، لكن غضب بعض الشباب منه مفهوم في سياقه؛ فمبارك لم يكن بالنسبة إليهم معارضاً قديماً للنظام فقط، كان أيضاً الرجل الذي شغل قبل وقت قصير منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة البشير. وهنا اصطدمت سرعة الانتقال بثقل ذاكرة جيل لم يمض على قتلاه وقت يسمح بالنسيان. السياسي يستطيع أن يقول إن مرحلة انتهت وبدأت أخرى، أما ذاكرة من دفع ثمن المرحلة فلا تعمل بهذ المعيار.

وفي فبراير ٢٠٢١ دعا مبارك إلى حل لجنة إزالة التمكين، وقال إن قضايا الفساد يجب أن تتولاها الشرطة والنيابة والقضاء، وانتقد تجاوزات اللجنة وتضارب صلاحياتها. وفي هذه الحجة جانب قانوني يستحق النقاش. والإنصاف يقتضي ألا نرفض حجته بسبب تاريخه، مثلما يقتضي ألا نمحو تاريخه ونحن نزنه. فمن حق الرجل الذي شارك نظام الإنقاذ مرتين أن ينتقد لجنة تفكيكه، ومن حق الآخرين أيضاً أن يسألوه عن موقعه من النظام الذي يناقش كيفية تفكيكه.

ثم جاءت حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، وظهر مبارك مرة أخرى في المكان الذي يجيده: الفضائيات. تحدث في بداياتها عن تمرد الدعم السريع وعن استدراج حميدتي إلى مغامرة للاستيلاء على السلطة، وانتقد أخطاء البرهان التي سمحت بتضخم قوة الدعم السريع. وفي سبتمبر ٢٠٢٣ قال على الجزيرة مباشر إن حميدتي مات في ١٧ مايو، وإن التسجيلات المنسوبة إليه بعد ذلك مصنوعة بالذكاء الاصطناعي. كان كلاماً قاطعاً، ثم ظهر حميدتي حياً.

لا أرى في الواقعة طرفة. أراها مفتاحاً آخر لفهم الرجل. مبارك يملك شبكة علاقات واسعة ومصادر كثيرة، لكن هناك فرقاً بين أن تملك المعلومة وأن تعرف وزنها. وربما جعلته ثقته الطويلة بمعرفته بدهاليز السياسة يمنح المعلومة أحياناً وزناً أكبر مما تحتمل.
والرجل الذي يعرف قيمة المعلومة يفترض أن يعرف أيضاً وزن الشك. مبارك في ظهوره الإعلامي لا يمنح الشك مساحة كبيرة؛ وفي كل مرحلة تبدو المعلومة عنده كأنها الحقيقة التي لا جدال فيها.

وهنا نصل إلى شكل آخر من الوزن السياسي. لا نعرف اليوم، بعد عقود من الانقسامات، الحجم الانتخابي الحقيقي لتنظيم مبارك في انتخابات حرة، لكننا نعرف حجمه التلفزيوني. ما يزال حاضراً باعتباره “زعيم حزب” و”سياسياً مخضرماً”، يعلق على كل مرحلة جديدة. وحين يضعف التنظيم، تستطيع الشاشات أن تحفظ للزعيم حضوراً أكبر من حضور مؤسسته. وفي غياب الانتخابات والمؤسسات التي تختبر الشرعية بصورة دورية، يصبح الظهور نفسه نوعاً من الرأسمال السياسي.

أما اتهامات الفساد التي لاحقته، فقد بحثت فيها ولم أصل إلى حكم قضائي نهائي يسمح لي بالجزم بثبوتها، كما لم أجد دليلاً يبرر وصفه بالعميل المصري أو الإسرائيلي. لا أعتقد أننا نحتاج إلى أي من هذه الاتهامات حتى نفهم المشكلة. وليس هذا تساهلاً معه؛ فالنقد، عندي، يصبح أقوى حين لا يستعير من الخصومة ما لا يستطيع إثباته.

وهنا، أخيراً، أفهم لماذا أخذني مبارك إلى كونديرا. ففي عالم لا يتكرر فيه شيء يصبح الإنسان حراً بصورة مخيفة، لأن قراره يمر مرة واحدة ولا توجد حياة ثانية يختبر فيها إن كان قد أصاب. أما السودان فيقدم مفارقة أكثر قسوة: الأشياء عندنا تتكرر، لكن المسؤولية لا تكتسب دائماً وزن التكرار. تعود الأخطاء بأسماء جديدة، ويصل بعض الرجال إلى النسخة التالية من التاريخ أخف مما خرجوا من السابقة. وإذا كان كل موقف مؤقتاً، وكل تحالف ابن لحظته، وكل مشاركة تفسرها ظروفها، وكل خطأ تستطيع المرحلة التالية أن تمحوه، فما الذي يبقى من السياسي غير قدرته على البقاء؟

هذا هو السؤال الذي تركتني أمامه سيرة مبارك الفاضل. فهو يحمل اسماً من أثقل الأسماء في تاريخ السودان، وجاء من حزب استمد ثقله من ملايين الأنصار، وشغل مناصب ثقيلة في الدولة، وعاش أحداثاً ثقيلة من نميري إلى الإنقاذ إلى الثورة والحرب. لكنه أتقن، في الوقت نفسه، أن يجعل هذا الثقل مستقراً في اسمه وحضوره وخبرته، بينما تظل مواقفه أكثر قدرة على الخفة والحركة. وربما لهذا كانت المفارقة الأدق فيه أنه خفيف في الانتقال وثقيل في الحضور، خفيف تجاه أخطاء الأمس وثقيل في تفسير اليوم، خفيف في الاعتراف بالخطأ وثقيل في اليقين.

لكن الثقل، بطريقة غريبة، كان يقع دائماً في مكان آخر: على الناس الذين صوتوا وحاربوا ونزحوا وماتوا، وعلى دارفور التي أصبحت “قواعد”، وعلى السودان الذي ظل يدفع ثمن تجارب نخبته. فالعبء الذي يتخفف منه السياسي لا يختفي، بل ينتقل إلى مكان آخر. تحمله دولة أضعف، ومؤسسات أكثر هشاشة، وأقاليم أكثر فقراً، وجيل جاء بعده ليكتشف أنه مطالب مرة أخرى بدفع فاتورة فُرضت عليه.

وربما لهذا ظل مبارك الفاضل حاضراً كل هذه السنوات: من نميري إلى الصادق، ومن المعارضة إلى البشير، ومن البشير إلى الثورة، ومن الثورة إلى الحرب، ومن القاهرة إلى الخرطوم، ومن القصر إلى شاشات الفضائيات. تغير السودان مرات كثيرة، وتغيرت مواقف مبارك معه مرات كثيرة، لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً على نحو يثير التأمل: مبارك الفاضل نفسه.

وهنا تصبح خفة مبارك أقل شأناً شخصياً مما تبدو. إنها تكشف خفة طبقة كاملة أتقنت البقاء بعد فشل التجربة، بينما ظل السودان يحمل وزن التجربة نفسها. وربما لهذا يعود عنوان كتابه في النهاية بصورة لم يقصدها صاحبه. لم يعد السؤال “ماذا جرى؟” وحده كافياً؛ فبعد أكثر من نصف قرن من السياسة يصبح السؤال الأثقل: من الذي ظل يجري عليه التاريخ، ومن الذي استطاع دائماً أن يجري فوقه؟

ولعل المسافة بين الاثنين هي، في النهاية، المسافة نفسها بين ثقل التاريخ وخفة الإفلات منه. وعند هذا الحد، تصبح خفة مبارك الفاضل ثقيلة فعلاً، وثقيلة إلى حد لا يُحتمل.

zoolsaay@yahoo.com

Author
إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
لم يخسر السفير طارق، بل خسر الوطن
منبر الرأي
التماس من الاخ العزيز محمد جلال هاشم رد الله غربته
بيانات
السودان يكون أو لا يكون: مبادرة حملة سودان المستقبل لإيقاف الحرب واستعادة الاستقرار
منبر الرأي
الرياض تفشل في قِراءة مِزَاجِ الشعب السوداني التّواق للحُريّة والمدَنيّة.
منبر الرأي
بخت الرضا تعليم الامس الجميل وتعليم الغد اجمل باذن الله .. بقلم: حسين الزبير

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

من ضيق الحروب إلى سعة السلام: الوعي كبنية للانفراج

أحمد محمود كانِم
منبر الرأي

السيد الخطيب: أغلق هذه الصحيفة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

أضواء كاشفة على روشة رابطة المحامين والقانونيين السودانيين في بريطانيا.! بقلم: الطيب الزين

طارق الجزولي
منبر الرأي

الحِوار .. بقلم: عبد الجبار دوسه

عبد الجبار محمود دوسه
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss