يوم وحرف
بقلم: صالح محمد عبدالله
بينما تنشغل الأطراف المتحاربة في السودان بصراعاتها على النفوذ والثروة والسلطة، تغيب عن أعينهم حقيقة مؤلمة، أن دارفور، التي مزقتها الحروب لعقدين، تقف اليوم على مفترق طرق بين “الوحدة الجاذبة” تقوم على العدالة والتنمية، أو “انفصال” يفرضه واقع الرفض والتهميش.
هذا المقال ليس تحليلاً أكاديمياً، بل جرس إنذار لكل من يظن أن بإمكانه امتلاك زمام المبادرة في السودان دون العودة لإرادة الشعب السوداني لا للحرب نعم للسلام.
جنوب السودان:
قبل عقدين، راهن الجميع على الوحدة الجاذبة مع جنوب السودان عبر اتفاقية السلام الشامل، التي تضمنت تقاسم الثروة والسلطة وإجراء استفتاء. لكن الأطراف السودانية الحاكمة سابقاً فشلت في جعل الوحدة جذابة؛ فاستمر التهميش، وانتهكت الاتفاقيات، وسادت ثقافة النخبة التي تظن أن القبضة الأمنية تحل محل الإرادة السياسية، فالنتيجة؟ انفصال الجنوب كخيار أخير أمام نموذج وحدة فاشل، هذا هو الدرس الذي يجب أن يقرأه المتحاربون اليوم بعيون مفتوحة.
دارفور هو السودان:
ما يفعله المتنازعون الآن في دارفور من انتهاكات وتهجير وحصار للمدنيين، هو بالضبط ما صنع البيئة الخصبة لخيار الانفصال جنوباً، كل مقاتل يظن أنه يدافع عن”المركز” أو “الهامش”وينسى أن هناك جيلاً كاملاً من أبناء دارفور لم يعرف السودان الموحد إلا كذكرى مؤلمة.
هذا الجيل وُلد ونشأ في معسكرات اللاجئين في تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وفي مخيمات النازحين داخل دارفور نفسها، جيل المعسكرات هو صاحب القرار الفعلي، في الوحدة الجاذبة والانفصال مستقبلاً.
هؤلاء الشباب لا تربطهم ذاكرة عاطفية بالخرطوم أو نيلها، ولا يقرؤون تاريخ السودان القديم بنفس رومانسية آبائهم، هؤلاء يعرفونه أنهم حُرموا من التعليم والصحة والأمن بسبب حروب لا تنتهي.
هؤلاء يتعلمون من تجارب الآخرين، مثل جنوب السودان، أن الانفصال ليس جريمة في القانون الدولي، بل هو حق للشعوب التي تثبت الدول المركزية عجزها عن تحقيق وحدة جاذبة، هؤلاء ليسوا بحاجة إلى محرضين من الخارج، بل يحتاجون فقط إلى لحظة يأس جماعية ليتحول حلمهم بالحياة الآمنة إلى مشروع سياسي انفصالي.
يا ليت قومي يعلمون:
أيها الأطراف المتحاربة في السودان، كل قنبلة تسقطها اليوم على قرية في دارفور، وكل إمداد غذاء أو دواء تمنعه، وكل خطاب كراهية تطلقه، هو بمثابة توقيع إلكتروني على عريضة انفصال مستقبلية. أنتم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما
الوحدة الجاذبة:
بأن تتحول دارفور إلى مشروع تنموي شامل، ومحاكمة عادلة لمرتكبي الجرائم، وتمثيل حقيقي في صنع القرار، وإعادة بناء الثقة عبر اتفاق سلام غير قابل للخرق.
الانفصال:
وهو سيناريو أصبح قابلاً للتصويت الضمني عبر صمتكم وانتهاكاتكم، جيل المخيمات ينتظر اللحظة التي يجد فيها قيادة سياسية تمنحه صوتاً، وستجدون أن المجتمع الدولي، الذي استنزف صبره، قد يصبح أكثر مرونة مع خيار الانفصال هذه المرة.
تذكروا السلام:
جنوب السودان لم ينفصل لأن أهله كانوا يحلمون بدولة مثالية، بل لأن “الوحدة” تحولت لديكم إلى سجن مؤقت، دارفور تنتظر إجابتكم، هل ستجعلونها رهينة حروبكم أم نموذجاً جديداً للسودان الممكن؟ الأجيال هناك تراقب عن كثب.
