أواب عزام البوشي
في تطور سياسي خطير، يستعد عبد الله حمدوك للسفر إلى واشنطن حاملاً رؤية سياسية متكاملة صاغتها القوى السياسية والمدنية السودانية، بدعوة رسمية من الإدارة الأمريكية، وذلك خلال زيارته المرتقبة في الأيام القادمة، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة السودانية.
ما يميّز هذه الزيارة أنها تأتي في وقت تضرب فيه واشنطن بكل قوة على وتر حساس، بعد أن أعدّت القوى السياسية رؤية قوية ومتماسكة، ليس فقط حول وقف الحرب، بل حول مستقبل الحكم في السودان. وهنا يكمن جوهر الخطر على “الكيزان” والجناح العسكري.
قبل أيام، أصدرت الخارجية الأمريكية تصريحات حاسمة، جاءت بمثابة رد مباشر على حوار البرهان ومحاولاته المستمرة للتفاوض من موقع القوة. فقد أكدت واشنطن بوضوح أن أي حوار حول مستقبل السودان يجب أن تكون له قيادة مدنية، وأن العسكر سواء كانوا في بورتسودان أو غيرها لا يمكن أن يكونوا طرفاً في العملية السياسية المقبلة، وكذلك “الكيزان” الذين تحمّلهم واشنطن مسؤولية إشعال الحرب وتعطيل السلام.
هذه التصريحات لم تكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل هي بمثابة رسالة مبطّنة، وربما الأخيرة، للإسلاميين والعسكر معاً: أنتم خارج المعادلة، ولن يكون لكم دور في المرحلة القادمة.
غير أن ما زاد من رعب الكيزان أنهم، قبل هذه الدعوة وبالتوازي معها، كانوا يشنّون حملة ابتزاز غير مسبوقة ضد واشنطن، راهنوا فيها على أغلى ما يملكون، محاولين إغراء الإدارة الأمريكية بعروض مغرية، من الذهب السوداني ووعود بمنح امتيازات للتعدين، مروراً بمناطق التعدين الاستراتيجية في دارفور وجنوب كردفان، وصولاً إلى مياه البحر الأحمر وموانئه الحيوية، في محاولة لتقديم أنفسهم كشركاء أمنيين لا غنى عنهم في الممرات البحرية الدولية. لكن المفاجأة التي أرعبتهم، أن واشنطن رفضت كل هذه العروض جملة وتفصيلاً، وأصرّت على أن استقرار السودان لن يتحقق عبر صفقات الذهب أو الإغراءات الجيوسياسية، بل عبر المدنيين وحدهم. هذا الرفض القاطع كشف أن أمريكا قد أنهت أي حسابات عملية مع الإسلاميين والعسكر، وأدركت أن أطماعهم في الثروات والمواقع لا تعني شيئاً مقارنة ببناء دولة مدنية مستقرة.
الأهم أن واشنطن لم تكتفِ بالكلام ولا بالرفض، بل تدرس الآن خيارات ميدانية تصعيدية، تصل إلى حد اللجوء إلى الفصل السابع لحماية المدنيين، في حال استمر تعنّت حكومة بورتسودان. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن الدولي الذي يعقد اجتماعاً لمناقشة فرض حظر طيران شامل فوق أجواء السودان، كخطوة أولى ضمن سلسلة عقوبات قادمة. هذه العقوبات، التي يُنتظر أن تشمل تجميد أصول وقيود سفر جديدة، ستكون لها آثار مدمرة على النظام في بورتسودان، وستجردهم من آخر أوراق القوة التي يتشبثون بها، وتُفقدهم القدرة على استمرار الحرب وتجويع المدنيين.
وهذا يعني، في الترجمة السياسية، أن أمريكا ومجلس الأمن يريدان كسر عظام “الكيزان” نهائياً، وسحب البساط من تحت أقدامهم، خاصة أنهم كانوا يلعبون لعبة “الهبوط الناعم”، محاولين الحفاظ على نفوذهم في أي ترتيبات مستقبلية، وبعد أن خسروا آخر أوراقهم في ابتزاز واشنطن، ها هم يواجهون تهديداً وجودياً بحظر الطيران وعقوبات ستطال أشدّهم تحصيناً.
لكن هذه الدعوة، وهذا التنسيق، وهذه التحركات الدولية، تأتي لتضرب لعبة “الهبوط الناعم” في مقتل. فتوحيد الرؤية الأمريكية مع رؤية القوى المدنية السودانية، يعني عملياً تشكيل جبهة موحدة تستبعد الإسلاميين وتجعل منهم طرفاً منبوذاً، ليس فقط عسكرياً بل سياسياً أيضاً.
هنا ارتعب “الكيزان”، وأسرعوا لعقد اجتماع عاجل، بينما تحدّث البرهان عن عقوبات قادمة، في اعتراف ضمني بأن الضربة قادمة ولا مفر منها. لكن يبدو أن الأوان قد فات، فالمعادلة الجديدة التي ترسمها واشنطن بالشراكة مع القوى المدنية، لا مكان فيها للعسكر ولا للإسلاميين، وكأن أمريكا تقول بصوت عالٍ: المرحلة القادمة مختلفة تماماً، ومن يتوهّم أنه قادر على البقاء في المشهد كما كان، أو أن يشتري واشنطن بثروات البلاد، فهو واهم، فالرهان الحقيقي اليوم هو على الشعب السوداني وحقه في الحياة والسلام، وعلى حمدوك الذي سينقل هذه الرسالة إلى العالم من واشنطن في الأيام القادمة.
awabazzam456@gmail.com
