باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 5 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

دمج قوات الدعم السريع وقوات الحركات المسلحة الأخرى في الجيش السوداني

اخر تحديث: 5 يونيو, 2026 10:34 صباحًا
شارك

دمج قوات الدعم السريع وقوات الحركات المسلحة الأخرى في الجيش السوداني: مقاربة واقعية لإعادة توحيد المؤسسة العسكرية (الجزء الأول)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول هذا المقال إشكالية دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش السوداني بوصفها إحدى أكثر قضايا إعادة بناء الدولة تعقيداً في سياقات ما بعد النزاع، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في تشكيل بنية “تعدد الجيوش” داخل دولة واحدة. ينطلق التحليل من فهم تعدد القوات المسلحة في السودان باعتباره نتيجة لانهيار احتكار الدولة للعنف وظهور فاعلين مسلحين يمتلكون شرعية موازية وموارد مستقلة وقدرات تنظيمية خارج المؤسسة العسكرية الرسمية.
يعرض المقال الخلفية التاريخية لتطور هذه القوى، بما في ذلك تحول قوات الدعم السريع من تشكيل شبه عسكري إلى فاعل عسكري-اقتصادي-سياسي مستقل نسبياً، إلى جانب تطور الحركات المسلحة مثل حركة تحرير السودان بجناحيها، وحركة العدل والمساواة، والحركة الشعبية شمال، في سياقات تفاوضية وصراعية متغيرة مع الدولة والجيش. ويُظهر هذا التطور أن العلاقة بين هذه القوى والمؤسسة العسكرية اتسمت بالدوران بين التحالف والصراع وليس الاندماج المستقر.
على المستوى النظري، يعتمد المقال على مفاهيم احتكار العنف، والدولة الهشة، وإصلاح قطاع الأمن، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إضافة إلى مفهوم الاقتصاد السياسي للعنف والجيوش الموازية، لتفسير كيف يؤدي تداخل الموارد مع السلطة العسكرية إلى إنتاج أنظمة مسلحة متعددة داخل الدولة الواحدة. ويُبرز أن الشرعية العسكرية والسياسية في السودان أصبحت موزعة بين فاعلين متعددين، ما أضعف مركزية الدولة.
في تحليل الاقتصاد السياسي، يوضح المقال أن استمرار الجيوش غير النظامية يرتبط مباشرة بتوفر مصادر تمويل مستقلة تشمل الذهب، والضرائب غير الرسمية، والتجارة الحدودية، والدعم الخارجي، والاقتصاد الموازي. وقد أدى ذلك إلى نشوء اقتصاد حرب متعدد المراكز، حيث تمتلك كل قوة مسلحة شبكاتها الاقتصادية الخاصة التي تمول نشاطها وتدعم استقلالها السياسي والعسكري. هذا الوضع جعل الدمج العسكري دون تفكيك اقتصادي غير قابل للاستدامة.
كما يحدد المقال مجموعة من الإشكاليات البنيوية التي تعيق عملية الدمج، أبرزها تضارب مراكز القوة، وانعدام الثقة بين الأطراف المسلحة، وغياب الحوافز للتخلي عن النفوذ، والخوف من الإقصاء أو المحاسبة، والتباين في العقائد العسكرية، وتعدد الولاءات الاجتماعية والإقليمية، وصعوبة استيعاب أعداد كبيرة من المقاتلين، وضعف المؤسسات المدنية القادرة على إدارة العملية. هذه العوامل تجعل الدمج ليس مجرد قرار سياسي بل عملية إعادة هندسة كاملة لموازين القوة.
ويعرض المقال نماذج متعددة محتملة للدمج، تتراوح بين الدمج التدريجي طويل المدى، وإعادة هيكلة شاملة لقطاع الأمن، والدمج المشروط ضمن تسوية سياسية، وتفكيك الاقتصاديات العسكرية الموازية، وبرامج الإدماج الاقتصادي والمدني، ومرحلة تجميد مؤقتة للصراع، وصولاً إلى خيار الحسم العسكري عالي المخاطر، مع التأكيد على الدور المحتمل للرقابة الدولية والإقليمية في دعم هذه المسارات.
من خلال استعراض التجارب الدولية، يبين المقال أن نجاح الدمج يرتبط بوجود دولة مركزية قادرة على فرض السلطة، أو بوجود دعم دولي قوي لبرامج نزع السلاح وإعادة الإدماج، كما في سيراليون وليبيريا، أو عبر نماذج دمج قسري كما في رواندا. في المقابل، فإن فشل الدمج يرتبط غالباً بغياب الإصلاح الاقتصادي وعدم معالجة مصادر التمويل المستقلة للفاعلين المسلحين.
أما السيناريوهات المستقبلية في السودان، فتتراوح بين سيناريو الدمج الناجح المرتبط بتسوية شاملة وإصلاح اقتصادي، وسيناريو التعايش المسلح القائم على توازن هش بين القوى، وسيناريو التفكك إلى مناطق نفوذ متعددة، وسيناريو إعادة التأسيس القسري للدولة عبر الحسم العسكري أو إعادة بناء مفروضة. ويُرجح المقال أن السيناريوهات الأكثر احتمالاً على المدى القريب هي استمرار التعايش المسلح أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك، في ظل ضعف مؤشرات الدمج الشامل.
وفي التوصيات، يؤكد المقال أن أي عملية دمج ناجحة يجب أن تبدأ باحتكار الدولة للموارد الاقتصادية المرتبطة بالقوة المسلحة، وإصلاح شامل لقطاع الأمن، وتقديم الدمج الاقتصادي على العسكري، وتنفيذ برامج DDR طويلة المدى، وإصلاح المؤسسات المالية، وإشراك الوساطات الإقليمية والدولية، ومعالجة جذور الصراع السياسي بدلاً من الاكتفاء بالحلول العسكرية أو الإدارية.
ويخلص المقال في خاتمته إلى أن دمج القوات المسلحة في السودان يمثل عملية إعادة تأسيس للدولة نفسها، وأن استمرار تعدد الجيوش يعكس أزمة بنيوية عميقة في بنية الدولة السودانية. كما أن الحلول الجزئية أو التقنية غير كافية، وأن المقاربة الواقعية تتطلب معالجة متكاملة للأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، بما يضمن تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة بناء عقد اجتماعي جديد للدولة.
النص الكامل للمقال
المقدمة
تشكل ظاهرة تعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة أحد أبرز مؤشرات هشاشة الدولة وضعف احتكارها للعنف المشروع، وهو ما تناوله فيبر (Weber, 1946) في تعريفه الكلاسيكي للدولة بوصفها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليم محدد. في سياق الدول الهشة، لا يعود هذا الاحتكار قائماً فعلياً، بل يتوزع بين الجيش النظامي وقوات موازية وشبه نظامية، وهو ما يخلق ما يشير إليه نورتون (Norton, 2007) بوصفه “تجزؤ السلطة الأمنية” حيث تتعدد مراكز القوة المسلحة وتتنافس على الشرعية والموارد. ويشير كل من كلمنس (Clapham, 1998) وراينو (Reno, 1998) إلى أن هذا النمط غالباً ما يرتبط بضعف الدولة المركزية وتحول العنف إلى أداة إدارة سياسية واقتصادية بديلة للدولة.
في الحالة السودانية، يتجسد هذا النمط بشكل واضح في التعدد المركب للقوى المسلحة، حيث لا يقتصر الأمر على الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل يمتد ليشمل حركات مسلحة متعددة نشأت في سياقات تاريخية مرتبطة بالتهميش السياسي والاقتصادي. فقد تطورت قوات الدعم السريع من تشكيل شبه عسكري نشأ رسمياً عام 2013 من رحم قوات “الجنجويد” في دارفور، وتم تقنينها لاحقاً بقانون قوات الدعم السريع لعام 2017، إلى قوة عسكرية-اقتصادية-سياسية ذات استقلالية نسبية عن الجيش (de Waal, 2015). وقد توسعت بشكل كبير خلال حرب دارفور (2003–2008) حيث قُدرت أعداد المقاتلين غير النظاميين في الإقليم بعشرات الآلاف، قبل أن يتم دمج جزء منهم في تشكيل الدعم السريع.
وخلال الفترة 2017–2022، توسعت القوة لتشارك في عمليات خارجية مثل اليمن وليبيا ضمن ترتيبات إقليمية، مما عزز استقلالها المالي عبر عقود خارجية. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، تحولت إلى طرف دولة-موازية يسيطر على مساحات واسعة من الخرطوم ودارفور في مراحل مختلفة من الصراع، مع تقديرات غير رسمية لأعداد مقاتليها تتراوح بين 70,000 إلى 120,000 مقاتل في بداية الحرب، مع اختلاف التقديرات بسبب الطبيعة غير الشفافة للتجنيد (International Crisis Group, 2023).
في المقابل، برزت حركات مسلحة أخرى مثل حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي التي وقعت على اتفاق جوبا للسلام عام 2020 ودخلت في السلطة الانتقالية، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم التي تحولت إلى شريك سياسي في الحكومة الانتقالية، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور التي رفضت معظم اتفاقات السلام، والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز آدم الحلو التي تتمسك بمشروع علماني أو تقرير المصير. وتسيطر هذه الحركات على مناطق متفاوتة النفوذ في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، مع قوات تتراوح تقديراتها بين بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف لكل فصيل حسب تقارير الأمم المتحدة (UNMISS Reports, 2022).
وتتمحور إشكالية الدراسة حول سؤال مركزي يتعلق بإمكانية دمج هذه القوى المسلحة المتعددة في جيش وطني واحد، في ظل تباين عميق في المصالح الاقتصادية والبنى التنظيمية والولاءات السياسية والاجتماعية. فعملية الدمج لا تتعلق بإعادة هيكلة عسكرية تقنية فقط، بل تمس جوهر توزيع السلطة والثروة داخل الدولة، حيث يشير كولير (Collier, 2009) إلى أن الحروب الأهلية غالباً ما تكون مرتبطة بـ”اقتصاديات العنف” التي تجعل استمرار التسلح أكثر ربحية من السلام في بعض السياقات.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تتناول أحد أكثر الملفات حساسية في مستقبل الدولة السودانية، إذ إن استمرار تعدد الجيوش يمثل تهديداً مباشراً لوحدة الدولة واستقرارها، ويعيد إنتاج دورات العنف والحرب الأهلية التي شهدها السودان منذ الاستقلال عام 1956، مروراً بحروب الجنوب الأولى والثانية (1955–1972، 1983–2005)، وصولاً إلى نزاعات دارفور منذ 2003 وحتى الحرب الحالية. كما أن تجربة السودان مع اتفاقات السلام المتعددة (نيفاشا 2005، أبوجا 2006، الدوحة 2011، جوبا 2020) تظهر أن الإدماج الجزئي غير المكتمل غالباً ما يؤدي إلى إعادة إنتاج التمرد وليس إنهائه.
وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة البحثية المركزية: ما الشروط الواقعية اللازمة لدمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش السوداني؟ ما العوائق البنيوية التي تحول دون تحقيق هذا الدمج؟ ما النماذج الممكنة لإعادة التوحيد العسكري؟ وما السيناريوهات المستقبلية المحتملة في ظل التوازنات الحالية التي أفرزتها حرب 2023–2025؟
وتنطلق الفرضية الأساسية للدراسة من أن الدمج العسكري لا يمكن أن ينجح بمعزل عن تفكيك الاقتصاديات العسكرية الموازية وإعادة بناء عقد سياسي شامل يعيد تعريف الدولة ومصادر السلطة فيها، بما يتسق مع أدبيات إصلاح قطاع الأمن (Hänggi, 2003) ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) (Knight, 2008)، والتي تؤكد أن نجاح الدمج يعتمد على ثلاثة شروط: إعادة توزيع السلطة، وإعادة توزيع الموارد، وضمانات أمنية موثوقة.
وتعتمد منهجية الدراسة على تحليل بنيوي-سياسي يستند إلى أدبيات الاقتصاد السياسي للعنف وإصلاح قطاع الأمن، مع توظيف مقارنات دولية من تجارب ما بعد النزاع في إفريقيا مثل سيراليون (1991–2002) وليبيريا (1989–2003) ورواندا (1994–1998)، حيث تشير الأدبيات إلى أن نجاح الدمج العسكري ارتبط بوجود سلطة انتقالية قوية ودعم دولي واسع وتمويل ضخم لبرامج DDR تجاوز في بعض الحالات مئات الملايين من الدولارات (World Bank DDR Reports, 2010). كما تستخدم الدراسة مقاربة تحليل الفاعلين المسلحين المتعددين لفهم ديناميات التنافس والتكامل بين الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة، في سياق دولة ما بعد الاستعمار التي لم تستقر فيها بعد مؤسسات احتكار العنف بشكل كامل.
الإطار النظري
يشكل الإطار النظري الأساس المفاهيمي الذي يُبنى عليه تحليل حالة دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش السوداني، إذ إن فهم هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم خارج الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة في علم الاجتماع السياسي ودراسات النزاع وإصلاح القطاع الأمني. ويستند هذا الإطار إلى ستة محاور رئيسية مترابطة توضح طبيعة الدولة، والعنف، والشرعية، والاقتصاد السياسي للحرب، وآليات التحول من التعدد المسلح إلى الاحتكار المؤسسي.
أولاً: مفهوم احتكار الدولة للعنف المشروع عند ماكس فيبر كأساس لفهم الدولة الحديثة
يُعد مفهوم ماكس فيبر (Weber, 1946) حول احتكار الدولة للعنف المشروع داخل إقليم محدد حجر الزاوية في تعريف الدولة الحديثة. فالدولة وفق هذا التصور ليست مجرد جهاز إداري أو سياسي، بل هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام الشرعي للقوة الفيزيائية. في السياق السوداني، يواجه هذا المفهوم تحدياً بنيوياً نتيجة وجود قوات متعددة تمارس العنف بشكل فعلي خارج الاحتكار الكامل للدولة، مثل الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة. ويشير فيبر إلى أن فقدان هذا الاحتكار يؤدي إلى تآكل شرعية الدولة نفسها، وهو ما يظهر في حالات الدول الخارجة من النزاع حيث تتعدد مراكز القوة المسلحة وتتنازع الشرعية.
ثانياً: مفهوم الدولة الهشة وتعدد مراكز القوة المسلحة داخلها
تُعرف الدولة الهشة بأنها الدولة التي تعاني من ضعف مؤسسي مزمن وعدم القدرة على تقديم الخدمات الأساسية أو احتكار العنف أو فرض سيادة القانون (Rotberg, 2004). ويضيف نورتون (Norton, 2007) أن أحد أبرز سمات هذه الدول هو “تجزؤ السلطة الأمنية”، حيث تتوزع القوة بين الجيش النظامي، والقوات شبه النظامية، والجماعات المسلحة غير الحكومية. في الحالة السودانية، يتجسد هذا التعدد في وجود الجيش السوداني، قوات الدعم السريع، والحركات المسلحة المختلفة، ما يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ”تعدد الشرعيات المسلحة” داخل الدولة الواحدة، وهو ما يضعف وحدة القرار السيادي ويؤدي إلى صراعات داخلية مستمرة.
ثالثاً: نظرية إصلاح قطاع الأمن (SSR) وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية
تشير نظرية إصلاح قطاع الأمن (Security Sector Reform) إلى عملية إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الأمنية والعسكرية بهدف جعلها خاضعة للرقابة المدنية وفعالة في حماية الدولة والمواطنين (Hänggi, 2003). وتتضمن هذه العملية إعادة تنظيم الجيش، الشرطة، الاستخبارات، والقوات شبه العسكرية، بحيث يتم دمج أو تفكيك التشكيلات غير النظامية. في حالة السودان، يمثل تطبيق SSR تحدياً معقداً بسبب وجود قوات مستقلة نسبياً اقتصادياً وعسكرياً مثل الدعم السريع، إضافة إلى الحركات المسلحة التي تمتلك هياكل قيادة وموارد خاصة بها. ويؤكد باراك (Brzoska, 2006) أن نجاح SSR يتطلب وجود دولة مركزية قوية وإرادة سياسية جامعة، وهو ما لا يتوفر بشكل كامل في السياق السوداني الحالي.
رابعاً: مفهوم الاقتصاد السياسي للعنف ودور الموارد في استمرار الجيوش غير النظامية
يركز مفهوم الاقتصاد السياسي للعنف على العلاقة بين الموارد الاقتصادية واستمرار النزاعات المسلحة، حيث يصبح العنف وسيلة للسيطرة على الموارد وليس فقط نتيجة للصراع السياسي (Collier, 2009). في الحالة السودانية، تلعب الموارد مثل الذهب في دارفور والبحر الأحمر، والمعابر الحدودية، والأنشطة التجارية غير الرسمية دوراً محورياً في تمويل قوات الدعم السريع والحركات المسلحة. ويشير دي وال (de Waal, 2015) إلى أن “اقتصاد الحرب” في السودان تحول إلى نظام قائم بذاته، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية بشكل يجعل إنهاء الصراع العسكري مرتبطاً بإعادة توزيع الثروة والموارد.
خامساً: أدبيات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) كمدخل لدمج المقاتلين
تمثل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (Disarmament, Demobilization, Reintegration) أحد الأدوات الأساسية في عمليات ما بعد النزاع، وتهدف إلى تحويل المقاتلين من الفضاء العسكري إلى المدني (Knight, 2008). وتشير تجارب الأمم المتحدة إلى أن نجاح هذه البرامج يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: نزع السلاح الفعلي، تسريح المقاتلين من الهياكل العسكرية، وإعادة إدماجهم اقتصادياً واجتماعياً. في حالات مثل سيراليون وليبيريا، ساهمت برامج DDR في خفض العنف، لكنها فشلت عندما لم تُرافق بإصلاح اقتصادي شامل. في السودان، تعقّد هذه العملية بسبب تعدد الفاعلين المسلحين وتداخلهم مع الاقتصاد السياسي المحلي.
سادساً: مفهوم الجيوش الموازية وتعدد الشرعيات العسكرية داخل الدولة الواحدة
يشير مفهوم الجيوش الموازية إلى وجود قوات مسلحة تعمل خارج التسلسل الهرمي الرسمي للدولة، لكنها تمتلك شرعية فعلية على الأرض (Reno, 1998). وتؤدي هذه الظاهرة إلى نشوء تعدد في مراكز القرار العسكري، حيث تصبح القوة المسلحة موزعة بين الجيش النظامي والقوات شبه النظامية والحركات المسلحة. في السودان، ينطبق هذا المفهوم على العلاقة بين الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة، حيث يمتلك كل طرف مصادر قوة مستقلة وشرعية قائمة على السيطرة الميدانية أو الاتفاقات السياسية أو الموارد الاقتصادية.
سابعاً: العلاقة بين الشرعية السياسية والشرعية العسكرية في سياقات ما بعد النزاع
تتداخل الشرعية السياسية مع الشرعية العسكرية في الدول الخارجة من النزاع، حيث لا تستمد السلطة شرعيتها فقط من الدستور أو المؤسسات، بل أيضاً من القوة العسكرية الفعلية على الأرض (Boege, 2011). في السودان، أدى ضعف الدولة المركزية إلى نشوء شرعيات متعددة: شرعية الجيش بوصفه مؤسسة الدولة التقليدية، وشرعية الدعم السريع بوصفه قوة ميدانية فعالة، وشرعية الحركات المسلحة بوصفها ممثلاً لمطالب الهامش. ويؤكد كرايتون (Creveld, 1991) أن هذا التعدد في الشرعيات يؤدي إلى “تفكك احتكار العنف” ويجعل عملية إعادة التوحيد المؤسسي أكثر تعقيداً.
تطور قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في السودان
يمثل تطور القوى المسلحة غير النظامية في السودان نتاجاً تاريخياً معقداً لتداخل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، حيث لم تنشأ هذه القوى في فراغ، بل ضمن سياق طويل من النزاعات الأهلية وضعف الدولة المركزية وتعدد مراكز السلطة. ويشير دي وال (de Waal, 2015) إلى أن بنية العنف في السودان لا يمكن فهمها بمعزل عن “اقتصاد سياسي للحرب” تطور تدريجياً منذ سبعينيات القرن العشرين، وبلغ ذروته في العقدين الأخيرين.
أولاً: نشأة قوات الدعم السريع من الجنجويد وتطورها إلى قوة نظامية شبه مستقلة
نشأت قوات الدعم السريع في بداياتها من المجموعات المسلحة المعروفة إعلامياً باسم “الجنجويد”، والتي ظهرت بشكل واسع خلال نزاع دارفور عام 2003. وقد ارتبطت هذه المجموعات آنذاك بسياسات الدولة في مكافحة التمرد، حيث اعتمدت الحكومة السودانية على تشكيلات قبلية مسلحة غير نظامية لمواجهة الحركات المتمردة (Prunier, 2005).
في عام 2013 تم تقنين قوات الدعم السريع رسمياً كقوة شبه نظامية تتبع لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، قبل أن تُنقل تبعيتها لاحقاً إلى القيادة العامة للقوات المسلحة مع احتفاظها بهيكل قيادي مستقل. وقد توسعت القوة بسرعة خلال الفترة 2014–2019، حيث شاركت في عمليات داخل السودان وخارجه، بما في ذلك الحدود مع ليبيا وتشاد، إضافة إلى مشاركتها في التحالف في اليمن، ما وفر لها مصادر تمويل خارجية واستقلالاً نسبياً عن الميزانية العامة للدولة (Young, 2019).
وبحلول عام 2023، ومع اندلاع الصراع المسلح مع الجيش السوداني، أصبحت قوات الدعم السريع طرفاً عسكرياً رئيسياً يسيطر على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم وولايات دارفور في مراحل مختلفة من الحرب، مع تقديرات غير رسمية لقوتها البشرية تتراوح بين 70,000 و120,000 مقاتل، مع صعوبة التحقق الدقيق بسبب طبيعة التجنيد غير المركزي (International Crisis Group, 2023). ويؤكد دي وال (de Waal, 2015) أن تحول الدعم السريع من قوة مساعدة إلى فاعل مستقل يعكس منطق “خصخصة العنف” داخل الدولة الهشة.
ثانياً: تطور حركة تحرير السودان (مني أركو مناوي) من التمرد إلى التوقيع على اتفاق سلام ودخول مؤسسات الدولة
نشأت حركة تحرير السودان في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة كأحد أبرز حركات التمرد في دارفور، وبرز فيها جناح بقيادة مني أركو مناوي الذي وقع على اتفاق أبوجا للسلام عام 2006. وقد أدى هذا الاتفاق إلى دخول الحركة في ترتيبات السلطة الانتقالية، بما في ذلك تعيين مناوي كبيراً لمساعدي رئيس الجمهورية لاحقاً.
غير أن تنفيذ الاتفاق واجه تحديات كبيرة تتعلق بتوزيع السلطة والثروة، ما أدى إلى تراجع تأثير الحركة داخل مؤسسات الدولة، وانقسامها لاحقاً إلى فصائل متعددة. ويشير دوجاردين (De Waal, 2007) إلى أن تجربة أبوجا كانت مثالاً على “السلام الجزئي” الذي يدمج القيادات دون معالجة جذور النزاع.
ومع توقيع اتفاق جوبا للسلام عام 2020، عادت حركة مناوي إلى الواجهة السياسية والعسكرية، حيث تم دمج قواتها في الترتيبات الأمنية الانتقالية، لكنها احتفظت بهيكلها العسكري الخاص ضمن عملية دمج غير مكتملة.
ثالثاً: تطور حركة العدل والمساواة (جبريل إبراهيم) كقوة ذات مشروع سياسي مرتبط بإعادة توزيع السلطة والثروة
تأسست حركة العدل والمساواة في أوائل الألفية بقيادة خليل إبراهيم، ثم انتقلت القيادة لاحقاً إلى جبريل إبراهيم. وقد ارتبطت الحركة منذ نشأتها بمطالب سياسية تتعلق بإعادة توزيع السلطة والثروة بين المركز والهامش، مع خطاب سياسي ذي طابع أيديولوجي مستمد جزئياً من تجارب الإسلام السياسي في السودان.
شاركت الحركة في عدد من العمليات العسكرية في دارفور، كما شنت هجوماً واسعاً على الخرطوم عام 2008، قبل أن تدخل لاحقاً في مسارات تفاوضية انتهت بتوقيع اتفاق جوبا للسلام عام 2020. وبعد الاتفاق، أصبحت الحركة جزءاً من السلطة الانتقالية، حيث تولى جبريل إبراهيم وزارة المالية، ما يعكس تحولها من حركة تمرد إلى فاعل سياسي داخل الدولة.
ويشير هاغمان (Hagmann, 2016) إلى أن هذا النوع من التحول يعكس نمط “إعادة تدوير النخب المسلحة” بدلاً من دمجها الكامل في المؤسسة العسكرية.
رابعاً: حركة تحرير السودان (عبد الواحد محمد نور) كحركة معارضة غير موقعة على اتفاقات السلام
تُعد حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور من أكثر الحركات المسلحة تمسكاً بموقفها الرافض لاتفاقات السلام الجزئية. وقد تأسست الحركة في سياق حرب دارفور، ورفضت توقيع اتفاق أبوجا 2006 ثم اتفاق الدوحة 2011، ولاحقاً لم تنخرط بشكل كامل في اتفاق جوبا 2020.
وتتمركز الحركة أساساً في مناطق جبل مرة في دارفور، حيث تحتفظ بوجود عسكري محدود نسبياً لكنه مستمر. ويشير فلامينغ (Flint, 2008) إلى أن هذه الحركة تمثل نموذجاً لـ”المعارضة المسلحة غير القابلة للاحتواء” ضمن ترتيبات السلام الجزئي.
خامساً: الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال (عبد العزيز آدم الحلو) ذات المشروع المرتبط بإعادة هيكلة الدولة على أسس جديدة
نشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، بقيادة مالك عقار ثم عبد العزيز الحلو. وتتمركز في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وتطالب بإعادة هيكلة الدولة السودانية على أسس علمانية أو عبر نظام يضمن فصل الدين عن الدولة، إضافة إلى ترتيبات تقرير المصير في بعض التصريحات السياسية.
وقد خاضت الحركة مواجهات طويلة مع الجيش السوداني، مع سيطرة متفاوتة على مناطق جبلية في جنوب كردفان. ويشير جونسون (Johnson, 2011) إلى أن الحركة تمثل امتداداً لصراع بنيوي حول هوية الدولة السودانية منذ الحرب الأهلية الثانية.
سادساً: العلاقات المتغيرة بين هذه القوى والجيش السوداني وقوات الدعم السريع بين التحالف والصراع
اتسمت العلاقات بين الجيش السوداني والدعم السريع والحركات المسلحة بالتقلب بين التحالف والصراع. ففي بعض الفترات، تعاونت هذه القوى في مواجهة حركات أخرى، بينما تحولت لاحقاً إلى أطراف متصارعة داخل بنية الدولة نفسها.
ويشير كلمنس (Clapham, 1998) إلى أن هذا النمط من “التحالفات المتغيرة” هو سمة أساسية للدول الهشة، حيث تتغير الولاءات وفق المصالح الاقتصادية والسياسية. كما أن الدعم السريع نفسه كان في مراحل سابقة جزءاً من ترتيبات أمنية مع الجيش ضد حركات دارفور، قبل أن يتحول لاحقاً إلى خصم رئيسي.
سابعاً: تأثير الحرب الحالية على إعادة تشكيل هذه القوى ضمن مشهد تعدد الجيوش
أدت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى إعادة تشكيل جذري لموازين القوى المسلحة في السودان، حيث تحولت العلاقة بين الجيش والدعم السريع إلى صراع مفتوح، بينما أعادت الحركات المسلحة التموضع بين الحياد والانخراط الجزئي أو إعادة التسليح في بعض المناطق.
وتشير تقارير الأمم المتحدة (UN, 2024) إلى أن النزاع أدى إلى إعادة انتشار واسع للجماعات المسلحة في دارفور وكردفان، مع زيادة في عمليات التجنيد المحلي. كما أدى انهيار بعض مؤسسات الدولة إلى تعزيز اقتصاد الحرب، ما جعل عملية الدمج أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
الاقتصاد السياسي للقوات المسلحة غير النظامية
يُعد الاقتصاد السياسي للعنف أحد أهم المداخل التفسيرية لفهم استمرار وتوسع القوات المسلحة غير النظامية في السودان، حيث لا يمكن فصل البنية العسكرية لهذه الفواعل عن مصادر تمويلها وأنماط تراكمها الاقتصادي. ويشير كولير (Collier, 2009) إلى أن الحروب الأهلية غالباً ما تستمر عندما تصبح “الفرص الاقتصادية للعنف” أعلى من تكاليفه، وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة السودانية حيث تتداخل الموارد الطبيعية مع البنى العسكرية.
أولاً: مصادر التمويل (الذهب، التجارة، الضرائب المحلية، الدعم الخارجي، الاقتصاد غير الرسمي)
تعتمد القوات المسلحة غير النظامية في السودان، بما في ذلك قوات الدعم السريع والحركات المسلحة، على مجموعة متنوعة من مصادر التمويل غير الرسمية والرسمية جزئياً.
يُعد الذهب أحد أهم هذه المصادر، خاصة في مناطق مثل جبل عامر في شمال دارفور، التي تُعد من أغنى مناطق الذهب في السودان. وقد أشارت تقارير دولية إلى أن إنتاج الذهب في السودان بلغ ما بين 80 إلى 100 طن سنوياً في بعض السنوات قبل الحرب (World Bank, 2020)، مع جزء كبير من هذا الإنتاج يتم عبر قنوات غير رسمية أو شبه رسمية، ما أتاح للقوات المسلحة غير النظامية الوصول إلى عوائد مالية ضخمة خارج ميزانية الدولة.
كما تلعب التجارة عبر الحدود مع تشاد، ليبيا، جنوب السودان، وإثيوبيا دوراً محورياً في تمويل هذه القوات، خاصة في ظل ضعف الرقابة الحدودية. وتشمل هذه التجارة الوقود، السلع الغذائية، والماشية، والذهب المهرب.
إضافة إلى ذلك، تمارس بعض التشكيلات المسلحة أشكالاً من “الجبايات المحلية” في مناطق سيطرتها، حيث يتم فرض رسوم على السكان والتجار والمعابر. كما تلعب التحويلات غير الرسمية (الحوالة) دوراً في نقل الأموال بعيداً عن النظام المصرفي الرسمي.
أما الدعم الخارجي، فقد اتخذ أشكالاً مختلفة عبر مراحل النزاع، بما في ذلك الدعم السياسي أو اللوجستي أو غير المباشر عبر شبكات إقليمية متداخلة (de Waal, 2015).
ثانياً: تشكل اقتصاد حرب متعدد المراكز يشمل الدعم السريع والحركات المسلحة
يشير مفهوم اقتصاد الحرب إلى النظام الاقتصادي الذي ينشأ في سياق النزاع المسلح ويصبح جزءاً من استمراريته (Le Billon, 2001). في السودان، لا يوجد مركز اقتصادي واحد للعنف، بل عدة مراكز متوازية تشمل الجيش، قوات الدعم السريع، والحركات المسلحة المختلفة.
هذا التعدد يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ”تجزؤ الاقتصاد السياسي للعنف”، حيث تتحول كل قوة مسلحة إلى وحدة اقتصادية مستقلة نسبياً، تدير مواردها وتعيد استثمارها في البنية العسكرية. ويؤكد دي وال (de Waal, 2015) أن هذا النمط يجعل من الصعب للغاية تفكيك هذه القوات عبر الدمج العسكري فقط دون معالجة البنية الاقتصادية التي تدعمها.
ثالثاً: بناء شبكات اقتصادية مستقلة لكل قوة مسلحة
طورت كل قوة مسلحة في السودان شبكات اقتصادية خاصة بها. فالدعم السريع أسس شركات واستثمارات في مجالات متعددة، بينما تعتمد الحركات المسلحة على شبكات محلية في مناطق سيطرتها تشمل التجارة والموارد الطبيعية والجبايات.
هذه الشبكات لا تعمل فقط كمصادر تمويل، بل أيضاً كأدوات لبناء النفوذ السياسي والاجتماعي. ويشير راينو (Reno, 1998) إلى أن “اقتصادات الفاعلين المسلحين” غالباً ما تحل محل مؤسسات الدولة الرسمية في سياقات الضعف المؤسسي، مما يعزز استقلال هذه القوى عن المركز.
رابعاً: استخدام الموارد لتعزيز الاستقلال العسكري والسياسي
يتم إعادة استثمار الموارد الاقتصادية في تعزيز القدرات العسكرية، بما في ذلك شراء الأسلحة، التجنيد، ودفع الرواتب. هذا يخلق حلقة مغلقة بين الاقتصاد والعنف، حيث يصبح استمرار السيطرة على الموارد شرطاً لاستمرار القوة العسكرية نفسها.
في الحالة السودانية، ساهم هذا النمط في تحويل بعض الفاعلين المسلحين إلى كيانات شبه دولاتية، تمتلك موارد مالية وتنظيمية تسمح لها بالعمل خارج سيطرة الدولة المركزية (Young, 2019).
خامساً: العلاقة بين الموارد الطبيعية واستدامة تعدد الجيوش في السودان
يرتبط استمرار تعدد الجيوش في السودان بشكل وثيق بتوزيع الموارد الطبيعية، خاصة الذهب والأراضي الزراعية والمعابر الحدودية. ويشير روس (Ross, 2012) إلى أن الموارد القابلة للنهب (lootable resources) مثل الذهب تسهم في إطالة أمد النزاعات المسلحة.
في السودان، أدى انتشار مناجم الذهب في دارفور والشمالية إلى تعزيز قدرة الفاعلين المسلحين على التمويل الذاتي، مما قلل من اعتمادهم على الدولة وزاد من استقلالهم العسكري.
سادساً: أثر الاقتصاد الموازي على إضعاف إمكانية الدمج المؤسسي
يشكل الاقتصاد الموازي أحد أهم العوائق البنيوية أمام عملية الدمج العسكري، لأنه يخلق مصالح اقتصادية راسخة لدى الفاعلين المسلحين تجعلهم غير مستعدين للتخلي عن استقلالهم المالي.
ويشير كولير (Collier, 2009) إلى أن الفاعلين المسلحين الذين يسيطرون على موارد اقتصادية غالباً ما يفضلون استمرار الوضع القائم على الاندماج في مؤسسات دولة قد تقلص نفوذهم. وبالتالي، فإن أي عملية دمج عسكري لا تترافق مع إعادة هيكلة اقتصادية ستظل شكلية وغير قابلة للاستدامة.
سابعاً: أن الدمج العسكري دون دمج اقتصادي يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع
تُظهر تجارب ما بعد النزاع أن دمج القوات المسلحة دون معالجة البنية الاقتصادية للعنف يؤدي غالباً إلى إعادة إنتاج الصراع في شكل جديد. ففي حالة السودان، يعني ذلك أن دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش دون تفكيك شبكات التمويل المستقلة سيؤدي إلى إعادة ظهور التوترات داخل المؤسسة العسكرية الموحدة نفسها.
ويؤكد باين (Bain, 2013) أن نجاح عمليات الدمج يعتمد على “إعادة توزيع الموارد وليس فقط إعادة توزيع الأفراد”، وهو ما يجعل البعد الاقتصادي محورياً في أي تسوية مستدامة.
الإشكاليات البنيوية لعملية الدمج
تمثل عملية دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش السوداني تحدياً بنيوياً معقداً يتجاوز البعد الفني العسكري ليشمل مستويات عميقة من إعادة توزيع السلطة والموارد وإعادة تعريف الدولة نفسها. وتشير أدبيات إصلاح قطاع الأمن إلى أن فشل عمليات الدمج في الدول الخارجة من النزاع غالباً ما يرتبط بعوامل بنيوية وليس تقنية فقط (Hänggi, 2003). وفي الحالة السودانية، تتداخل هذه الإشكاليات بشكل مركب يجعل من الدمج عملية عالية المخاطر إذا لم تُعالج جذور الصراع.
أولاً: تضارب مراكز القوة بين الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة
يعكس المشهد السوداني وجود أكثر من مركز قوة مسلح يمتلك استقلالية نسبية في القرار والموارد والانتشار الجغرافي. فالجيش السوداني يمثل المؤسسة العسكرية التقليدية للدولة، بينما تمثل قوات الدعم السريع قوة موازية ذات هيكل قيادي مستقل، في حين تمتلك الحركات المسلحة (مثل حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، والحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو) هياكل عسكرية وسياسية خاصة بها.
هذا التعدد يؤدي إلى ما يشير إليه كلمنس (Clapham, 1998) بوصفه “تجزؤ السلطة السيادية”، حيث لا توجد جهة واحدة تحتكر القرار العسكري، مما يجعل أي عملية دمج عرضة للصراع حول من يدمج من ومن يهيمن على البنية الجديدة.
ثانياً: غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف المسلحة
تُعد الثقة المؤسسية أحد أهم شروط نجاح عمليات الدمج العسكري، إلا أن الحالة السودانية تتسم بانعدام شبه كامل لهذه الثقة نتيجة تاريخ طويل من التحالفات المؤقتة والانقلابات والصراعات المباشرة.
فقد شهدت العلاقة بين الجيش والدعم السريع مراحل متعددة من التعاون ثم التنافس ثم الصراع المفتوح، كما شهدت علاقة الدولة بالحركات المسلحة دورات متكررة من الاتفاق والانقسام. ويؤكد بوتنام (Putnam, 1993) أن غياب الثقة المؤسسية يؤدي إلى فشل أي ترتيبات تعاقدية طويلة الأمد، وهو ما ينطبق على الحالة السودانية.
ثالثاً: فقدان الحوافز لدى القيادات للتخلي عن النفوذ العسكري والاقتصادي
تمتلك القيادات العسكرية في الأطراف المختلفة مصالح اقتصادية وسياسية واسعة مرتبطة باستمرار الوضع القائم. فالقادة العسكريون يسيطرون على موارد مالية، وشبكات تجارية، ونفوذ سياسي داخل مناطق نفوذهم.
ويشير كولير (Collier, 2009) إلى أن الفاعلين المسلحين غالباً ما يقاومون الدمج عندما يكون العائد الاقتصادي للبقاء خارج الدولة أعلى من العائد المتوقع من الاندماج داخلها. وبالتالي، فإن عملية الدمج تواجه مشكلة “الحافز السلبي” لدى القيادات.
رابعاً: الخوف من الإقصاء أو المحاسبة بعد الدمج
يمثل الخوف من فقدان النفوذ أو التعرض للمساءلة القانونية أو السياسية أحد أهم العوائق أمام الدمج. فالقادة والمقاتلون يخشون أن يؤدي الدمج إلى إعادة توزيع السلطة بطريقة تقلل من نفوذهم أو تعرضهم للمحاسبة عن أفعال سابقة خلال النزاع.
وتشير أدبيات العدالة الانتقالية إلى أن غياب ضمانات الحماية أو الترتيبات الانتقالية يؤدي إلى انهيار عمليات الدمج (Teitel, 2000).
خامساً: التباين في العقائد العسكرية والتنظيم والانضباط
تختلف القوات المسلحة السودانية والدعم السريع والحركات المسلحة في طبيعة التدريب والانضباط والعقيدة العسكرية. فالجيش يعتمد على هيكل هرمي تقليدي، بينما تعتمد قوات الدعم السريع على هيكل مرن قائم على الولاءات الشخصية، في حين تعتمد الحركات المسلحة على تنظيمات شبه تنظيمية مرتبطة بالقيادة الميدانية.
هذا التباين يجعل عملية التوحيد العسكري معقدة، إذ تتطلب إعادة بناء كاملة للعقيدة العسكرية الموحدة، وهو ما يشير إليه بروم (Brom, 2010) كأحد أصعب تحديات دمج القوات غير النظامية.
سادساً: تعدد الولاءات الاجتماعية والقبلية والإقليمية
تُعد الولاءات الاجتماعية والقبلية والإقليمية عاملاً حاسماً في تشكيل بنية القوات المسلحة غير النظامية في السودان. فالكثير من المقاتلين ينتمون إلى شبكات اجتماعية محلية تؤثر على قراراتهم وانتماءاتهم.
ويشير فيرغسون (Ferguson, 2006) إلى أن الجيوش غير النظامية غالباً ما تكون امتداداً للبنى الاجتماعية المحلية، مما يجعل دمجها في مؤسسة وطنية موحدة عملية معقدة تتطلب إعادة هندسة اجتماعية وليس فقط عسكرية.
سابعاً: صعوبة إعادة هيكلة عشرات الآلاف من المقاتلين
تتطلب عملية الدمج إعادة هيكلة عشرات الآلاف من المقاتلين من خلفيات تنظيمية مختلفة، مع اختلاف في التدريب والخبرة والمستويات التعليمية.
وتشير تجارب برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) إلى أن استيعاب هذا العدد الكبير من المقاتلين يتطلب موارد مالية ولوجستية ضخمة، قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات كما في حالات سيراليون وليبيريا (World Bank, 2010). وفي غياب هذه الموارد، تصبح العملية غير قابلة للتنفيذ الفعلي.
ثامناً: ضعف المؤسسات المدنية القادرة على إدارة الدمج
يعاني السودان من ضعف مؤسسي مدني مزمن، خاصة فيما يتعلق بقدرة الدولة على إدارة عمليات معقدة مثل إصلاح قطاع الأمن أو دمج القوات المسلحة.
ويشير هانغي (Hänggi, 2003) إلى أن نجاح إصلاح القطاع الأمني يعتمد على وجود مؤسسات مدنية قوية قادرة على الإشراف والرقابة، وهو ما يفتقر إليه السياق السوداني، مما يضع عبء الدمج على ترتيبات سياسية هشة وغير مستقرة.
نماذج دمج القوات المسلحة في السودان
تُعد عملية دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش السوداني واحدة من أكثر عمليات إصلاح القطاع الأمني تعقيداً في سياقات ما بعد النزاع، نظراً لتعدد الفاعلين المسلحين وتشابك البعد السياسي والاقتصادي والأمني. وتشير أدبيات إصلاح القطاع الأمني إلى أن نجاح الدمج يعتمد على اختيار نموذج مناسب يتوافق مع طبيعة الدولة وتوازن القوى الداخلي (Hänggi, 2003). وفي الحالة السودانية، يمكن تحديد عدة نماذج نظرية-تطبيقية محتملة، تختلف في مستوى الطموح والمخاطر والجدوى.
أولاً: الدمج التدريجي طويل المدى داخل جيش موحد
يعتمد هذا النموذج على إدماج القوات المسلحة غير النظامية بشكل تدريجي داخل الجيش السوداني عبر مراحل زمنية ممتدة قد تتراوح بين 5 إلى 15 عاماً، وفق تجارب دولية في حالات ما بعد النزاع (World Bank, 2010).
يتضمن هذا النموذج إعادة تصنيف المقاتلين، دمج الوحدات الصغيرة تدريجياً، وإعادة التدريب وفق عقيدة عسكرية موحدة. ويُعتبر هذا النموذج الأقل خطورة من حيث احتمال انهيار العملية، لكنه يتطلب استقراراً سياسياً ومؤسساتياً نسبياً غير متوفر بالكامل في الحالة السودانية.
ثانياً: إعادة هيكلة قطاع الأمن بالكامل ليشمل الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة
يرتكز هذا النموذج على مقاربة شاملة لإصلاح قطاع الأمن (SSR) بحيث لا يقتصر الدمج على الجيش فقط، بل يشمل إعادة تعريف العلاقة بين الجيش، الشرطة، الاستخبارات، والقوات شبه النظامية (Brzoska, 2006).
في هذا النموذج، يتم إنشاء قيادة أمنية موحدة خاضعة للسلطة المدنية، مع إعادة توزيع الأدوار العسكرية والأمنية بين مختلف المؤسسات. ويُعد هذا النموذج الأكثر طموحاً، لكنه يتطلب مستوى عالياً من الإرادة السياسية والدعم الدولي.
ثالثاً: دمج مشروط ضمن تسوية سياسية شاملة تشمل تقاسم السلطة
يعتمد هذا النموذج على ربط عملية الدمج باتفاق سياسي شامل بين الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة (مثل حركة مني أركو مناوي، حركة العدل والمساواة، الحركة الشعبية شمال، وحركة عبد الواحد محمد نور).
يتضمن هذا النموذج ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة، وضمان تمثيل سياسي للفاعلين المسلحين داخل مؤسسات الدولة، مقابل إدماج تدريجي لقواتهم في الجيش. ويشير لينش (Lynch, 2004) إلى أن هذا النوع من النماذج غالباً ما يكون ضرورياً في الدول التي تعاني من تعدد مراكز القوة المسلحة.
رابعاً: تفكيك الاقتصاديات العسكرية الموازية كشرط أساسي للدمج
يركز هذا النموذج على البعد الاقتصادي كمدخل أساسي للدمج، حيث يتم تفكيك شبكات التمويل المستقلة مثل تجارة الذهب، الجبايات، والأنشطة التجارية العسكرية قبل أو بالتوازي مع الدمج العسكري (Le Billon, 2001).
ويؤكد كولير (Collier, 2009) أن استمرار الموارد المستقلة يقلل من احتمالية نجاح أي عملية دمج، لأن الفاعلين المسلحين لن يتخلوا عن مصادر دخلهم بسهولة.
خامساً: إدماج اقتصادي-مدني للمقاتلين عبر برامج إعادة التأهيل والتوظيف
يعتمد هذا النموذج على تحويل المقاتلين من الوضع العسكري إلى المدني عبر برامج DDR، بما يشمل التدريب المهني، توفير فرص العمل، ودعم إعادة الإدماج المجتمعي (Knight, 2008).
وقد أظهرت تجارب سيراليون وليبيريا أن هذا النموذج يمكن أن ينجح إذا توفر التمويل الدولي والدعم المؤسسي، لكنه يفشل في حال غياب فرص اقتصادية حقيقية للمقاتلين السابقين (World Bank, 2010).
سادساً: مرحلة انتقالية لتجميد الوضع العسكري وتقليل الاحتكاك
يتضمن هذا النموذج إنشاء مرحلة انتقالية يتم فيها تجميد الوضع العسكري القائم دون دمج فوري، مع تقليل الاحتكاك بين القوات المختلفة عبر ترتيبات أمنية مؤقتة.
ويهدف هذا النموذج إلى خلق بيئة مستقرة نسبياً تسمح بإجراء مفاوضات سياسية واقتصادية أعمق، ويُستخدم غالباً كمرحلة تمهيدية قبل الدمج الكامل في حالات النزاع المعقدة.
سابعاً: خيار الحسم العسكري كحل أخير عالي المخاطر
يعتمد هذا النموذج على استخدام القوة العسكرية لحسم النزاع وإخضاع الفاعلين المسلحين ودمجهم قسرياً في الجيش بعد الهزيمة.
غير أن هذا النموذج يحمل مخاطر عالية، حيث تشير الأدبيات إلى أن الحسم العسكري غالباً ما يؤدي إلى إعادة إنتاج النزاع في شكل تمردات جديدة أو انشقاقات داخلية (Clapham, 1998). كما أنه يتطلب تكلفة بشرية ومادية مرتفعة جداً.
ثامناً: دور الرقابة الدولية والإقليمية في دعم العملية
تلعب الرقابة الدولية والإقليمية دوراً محورياً في ضمان نجاح أي نموذج من نماذج الدمج، من خلال تقديم الدعم المالي والتقني والإشراف على تنفيذ الاتفاقات.
وتشير تجارب الأمم المتحدة في عمليات DDR إلى أن الدعم الدولي كان عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل عمليات الدمج في دول مثل سيراليون وليبيريا (UNDP, 2012). وفي الحالة السودانية، يمكن للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لعب دور وسيط ومراقب لضمان التزام الأطراف.

الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
جيل التحديات
منبر الرأي
دمج قوات الدعم السريع وقوات الحركات المسلحة الأخرى في الجيش السوداني
بَوْحٌ لصَدِيقٍ عزيز
منبر الرأي
الجلابة: ظالمون أم مظلومون؟؟ .. بقلم: د. مبارك مجذوب الشريف
منبر الرأي
كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أبو شيبة وبيت الضيافة: التعليمات شنو يا خاطر (11 من 21)؟ .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

الذكرى الخمسون لميلاد أبادماك: بيان أبادماك المانيفستو (يناير 1969) .. بقلم: د. عبدالله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

كسرا لعزلته المجيدة: الترابي (يخطرف) في الدوحة !! .. بقلم: خضر عطا المنان

خضر عطا المنان
منبر الرأي

رسالة للأخ محمد بحر النائب السابق لرئيس حركة العدل والمساواة .. بقلم: تاج السر حسين

تاج السر حسين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss