خالد البلولة
بعض الدورات التدريبية لا تترك في ذاكرة المتدرب سوى شهادة وصور تذكارية، وربما شبكة من العلاقات العامة، ثم ينتهي أثرها بانتهاء أيامها. الدورة التدريبية التي نظمتها إذاعة دويتشه فيله (DW Akademie) فكانت مختلفة تمامًا.
منحتنا دروسًا عملية في مهارات الانتاج التلفزيوني والسلوك المهني،وإدارة الموارد،والانضباط المالي،والعمل الجماعي واحترام الوقت،.كانت دورة تُعلِّم بالممارسة أكثر مما تُعلِّم بالمحاضرات، ولذلك بقيت تفاصيلها ودروسها حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم،وأجدني أستدعيها كلما أعددت ميزانية عمل أو واجهت موقفًا يحتاج إلى قرار مهني قبل أن يكون قرارًا شخصيًا.
(١)
التحقتُ في العام(2005) بدورة تدريبية متخصصة في كتابة المجلة التلفزيونية، نظمتها إذاعة دويتشه فيله الألمانية لعدد من منسوبي التلفزيون القومي،وأقيمت معهد جوته بالخرطوم وضمت عدد من منتجين،ومخرجين،ومهندسي إضاءة،ومونتاج وصوت.
في اليوم الأول طلبت برغيتا،منسقة الدورة،من المشاركين اختيار موعد بدء المحاضرات،وطرحت خيارين:الثامنة ص أو التاسعة وبعد نقاشٍ قصير،اختارت الأغلبية الثامنة صباحًا، لم يكن ذلك التوقيت يناسبني،فانا احضر من الجزيرة مسافة ٥٠ كلم ،لكنني احترمت رأي الأغلبية،فقالت برغيتا بهدوء (دي الديمقراطية)أن يعبّر الجميع عن رأيه،ثم يلتزم الجميع بما تراه الأغلبية.
(٢)
مرت أيام قليلة على انطلاق الدورة، حتى بدأ بعض الزملاء يشعرون بأن الموعد الذي اختاروه لم يكن موفقا، مطالبين بتأخيره إلى التاسعة صباحًا، غير أن منسقة الدورة، برغيتا، رفضت الطلب بهدوء وحزم، وقالت:أنتم من اخترتم هذا التوقيت،رغم أنه لم يكن مناسبًا لبعض زملائكم.فكنت أصل إلى معهد جوته، الثامنة إلا ربعًا، وأجد برغيتا وصلت قبلي بقليل، فكنت اتحرك من الجزيرة عقب صلاة الفجر مباشرة. وفي أحد الأيام التفت الي وقالت: أنت ملتزم بالموعد المحدد.
وأذكر الزميل محمد عيسى وقف محتجا على أن الثامنة غير مناسبة معه وقالت له المنسقة:-(يبدو أن لديك مشكلة مع الديمقراطية.)
(٣)
كان نظام الوجبات في الدورة يعتمد على البوفيه المفتوح. وكعادتنا كثير ، منا يملأ طبقه بأكثر مما يحتاج، ثم يتناول جزءًا من الطعام ويترك الباقي.مر اليوم الأول، ثم تكرر المشهد في اليوم التالي.عندها وقفت منسقة الدورة،برغيتا،وقالت بهدوء بوفيه مفتوح. خذ ما يكفيك، من الطعام وإذا شعرت أنك ما زلت جائعًا،يمكنك العودة مرة أخرى.(أعتقد أن كل إنسان يعرف مقاس بطنه) .ثم أضافت ::-إذا وضعت الطعام في طبقك ثم تركته،فلن يأكله أحد بعد ذلك،وسيذهب إلى سلة المهملات.)
(٤)
سجلنا فيلمًا قصيرًا مع أحد في منطقة جبل أولياء، واسمينا العمل الصائد العجوز Older Fisher. كان الرجل قد أمضى يومه معنا بين النهر والشباك والكاميرا، اقترحت على المنسقة أن تمنحه مبلغًا من المال تقديرًا لوقته وجهده.لكنها قالت :-خذ هذه قاعدة في الإنتاج ،أنت توثق لتجربة الرجل، ستُحفظ وتُروى، وأنت تتدرب وتتعلم. يحتاج العمل الميداني إلى ضبط الميزانية، وليس كل من يشارك معك في التصوير يُصرف له مقابل مالي.
ثم أضافت:-ستواجه أحيانًا ظروفًا طارئة وخارجة عن إرادتك، وستحتاج إلى كل جنيه في الميزانية.إذا أنفقت المال بدافع العاطفة في كل موقف،فقد تجد نفسك عاجزًا عندما تأتي الحاجة الحقيقية.
(٥)
في طريقنا إلى جزيرة توتي لتوثيق مراحل تشييد الجسر الذي يربطها بالخرطوم، ضمن برامج التدريب ،اضطررنا لعبور النيل على متن البنطون،إذ لم يكن الجسر قد اكتمل بعد.وعندما جاء متحصّل التذاكر،سارعتُ لدفع قيمة التذكرة للفريق الذي كات معي،ومن بينهم منسقة التدريب. لكنّها رفضت ان ادفع .
قلت لها:- أنتم ضيوفنا.
وأضافت :-هناك ميزانية مرصودة لهذا العمل. وعندما أكتب التقرير سأذكر أننا ذهبنا إلى توتي، وأننا عبرنا بالنقل النهري،و هناك تذاكر وفواتير تثبت ذلك.ماذا سأقول إذا لم تُصرف الميزانية في الغرض الذي خُصصت له؟هذه ليست أموالًا شخصية،إنما ميزانية أُعدّت لهذا العمل ولابد أن تُصرف فيه وأن تكون كل مصروفاتها موثقة.
(٦)
من أهم ما تعلمته في هذه الدورة ادارة الميزانيات وتصريفها والقدرة على اتخاذ القرار في أوقات الأزمات، خاصة أثناء التصوير الخارجي.ففي الميدان لا تسير الأمور دائمًا كما خُطط لها؛قد تتغير الظروف،أو يداهمك الوقت، أو تواجه مشكلات فنية أو لوجستية. عندها لابد من قرار ..
وخرجت من هذه الدورة بفكرة برنامج دنيا الذي حاز على الجائزة الثانية (الفضية) في مهرجان الأعلام العربي بالقاهرة عام ٢٠٠٨م..
dr.khalidbalula@gmail.com
