ديدن الطبقة السياسية السودانية: تقسيم المقسّم

 


 

 

 


من الخفة بمكان قراءة تطورات الأزمة الداخلية التي تمر بها الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال، والتي توشك أن تعصف بوحدتها، والتي فجرّتها الاستقالة المسبّبة لنائب رئيس الحركة عبد العزيز الحلو، خارج السياق الكلي للأزمة الوطنية السودانية المستفحلة، ذلك أن ما تشهده دوائر الحركة من صراع لا يعدو أن يكون مظهراً آخر من تجليات مأزق النخبة السياسية السودانية، فما حدث ليس بدعاً لا في تاريخ الحركة الشعبية نفسها، ولا في سيرة القوى السياسية السودانية المختلفة على امتداد طيفها في مراحل تاريخية بعينها.
ومن التبسيط المخل التعاطي مع هذا الحدث السياسي المهم عند البعض بمنظار الحبور والاحتفاء وكأنه اكتشاف جديد يثبت إلى أي مدى أن الحركة الشعبية وحدها معطوبة تنظيمياً من دون سائر القوى السياسية السودانية سواء تلك التي تتربع على دست السلطة، أو تلك التي تعارضها. والحقيقة هي أن الخطوة التي أقدمها عليها عبد العزي الحلو، بغض النظر عواقبها تبعاتها ومآلاتها المنتظرة، ليست سوى تكرار للسيناريو ذاته الذي غشي القوى السياسية الواحدة تلو الأخرى، حتى لا يكاد أياً منها تخلو سيرته من صراعات داخلية مماثلة أدت إلى ما نشهده في الساحة السودانية من تشرذم وتمزق وتفتت دارت كأسه على الجميع، وما استمرار الأزمة الوطنية السودانية واستطالة أمدها إلى اليوم إلا نتيجة مباشرة لهذا النمط الصراعي الإقصائي الذي يسيطر على العقلية السائدة في أوساط الطبقة السياسية.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن داء الصراع المدفوع باعتبارات ذاتية، على الرغم من كل الإدعاءات البرّاقة التي تُساق عادة لتبرير الذهنية الانقسامية، مرض قديم مستفحل وسط النخبة السودانية، بدأ مع بواكير تشكل الحركة الوطنية، وبانت أولى تجلياته بإنقسام مؤتمر الخريجين تحت بروق الطمع، الذين اختار نخبته الانضواء تحت جناحي المؤسسة التقليدية اختصاراً لطريق النضال الحقيقي من أجل تأسيس طريق ثالث يقود إلى نشأة قوى سياسية حديثة، وهكذا ظلت النخبة السياسية السودانية تتنكب الطريق القويم انقسام يقود إلى انقسام حتى يوم الناس هذا، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أنه حتى بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال لا تزال البلاد بعيدة عن أية تسوية وطنية حقيقية لأن العقلية الانقسامية المستفحلة وسط النخبة السياسية المنتجة للأزمة المتطاولة لا تزال حاضرة بقوة، لم تنس شيئاً ولم تتعلم شيئاً، تفرض إرادتها وتقف حجرة عثرة في وجه التغيير.
ولا حاجة هنا للتفصيل بإيراد الأمثلة المؤكدة بأن ما تشهده الحركة الشعبية اليوم، ليس سوى امتداد لتاريخ طويل من الصراعات العبثية على النفوذ، تقف عليه شاهدة سيرة الحركة الشعبية نفسها التي عرفت تاريخاً طويلاً من الصراعات الدموية والانقسامات من أشهرها انقسام مجموعة الناصر في العام 1991 بقيادة رياك مشار ولام أكول، وللمفارقة من يرجع لقراءة إعلان الناصر فسيجد المبررات ذاتها التي يسوقها الحلو اليوم. وسيرة الحركة الإسلامية الانقسامية تقف شاخصة، دعك من انقساماتها قبل وصول فصيلها الرئيس إلى السلطة بانقلاب 1989، وما لبثت أن مزق الصراع على السلطة وحدتها، ولم يقف تأثير ذلك عليها بل كانت نتيجته أن الحركة الحاكمة التي فشلت في الحفاظ على وحدتها كان قمين بها أن تفشل في الحفاظ على وحدة البلاد التي حكمتها بالتغلب، وكان من نتاج تبعاتها مأساة دارفور بكل فصولها الدامية، وخذ عندك الأحزاب السياسية الأخرى ذات اليمين وذات اليسار لم يسلم أي منها من الانقسام والتشرذم
وما يدعو للاستغراب أن ظاهرة الانقسام هذه لم تقف عند حدود الفضاء السياسي بل تجاوزته إلى أبعد من ذلك بكثير حيث تغلغلت في مكونات المجتمع السوداني المختلفة حتى كاد أن يصبح من طبيعة الأشياء، فالانقسامات والصراعات المحمومة غشيت المجالات الثقافية والرياضية والاجتماعية ولحقت حتى بالطرق الصوفية التي ظلت لقرون عنوان التماسك الاجتماعي، والمفارقة أن سيادة هذه الحالة الممزقة للنسيج الاجتماعي في تجلياته السياسية وغيرها لم تعد تسترعي الانتباه، ولم تحظ بما تستحقه من دراسة وتمحيص يشخص هذا الداء ويتتبع آثاره، وينظر في معالجته، ذلك أن استمرار هذا الوضع ما هو عليه سيزيد من هشاشة الدولة السودانية ويجعلها عاجزة عن مواجهة التحديات التي تجابه وحدتها المهددة في ظل ضعف الوجدان الوطني وتضعضع ممسكات الوحدة الوطنية.
ولذلك فإن قراءة التطورات الداخلية الراهنة في الحركة الشعبية لا تنفصل بأي حال من هذا الواقع الماثل، والسؤال المطروح هو ليس لماذا يحدث هذا الصراع القديم المتجدد، ولكن ما الذي يجعل السودان حتى بعد التسوية التي أنجزتها اتفاقية السلام الشامل بكلفة غالية كان ثمنها ليس تقسيم البلاد وفقدان وحدتها فحسب، بل إعادة إنتاج الحرب على امتداد هلال التمرد المسلح من دارفور غرباً مروراً بالجنوب الجديد في جنوب كردفان وحتى النيل الأزرق في الجنوب الشرقي بكل تبعاتها المدمّرة واستدامة الأزمة الوطنية؟.
لا شك أن نهج التسويات الجزئية والصفقات الثنائية بين السلطة الحاكمة وتلك التي توازن تهديدها لقبضتها من القوى المسلحة هو من أنتج هذه الحالة المشجعة لاستدامة الصراع المسلح بحسبانها السبيل الوحيد لتحقيق مكاسب ظاهرها الصالح العام، وباطنها اقتسام امتيازات السلطة والثروة بين النخب المتصارعة، ولذلك تتناسل الحركات المسلحة وتتوالد، والأثر غرابة أن السلطات لا تفتأ تحتفي بها وتبرم معها المزيد من الصفقات مع هذا الفريق أو ذاك، مما يغري بالمزيد من الانقسامات هكذا في حلقة مفرغة لا قرار لها، وما حدث في دارفور ليس ببعيد، ومع مجموعات من الحركة الشعبية من النوبة، وتعدد الصفقات وتبقى الأزمة باقية شاخصة، لا أحد يعرف لها نهاية، وكيف له ذلك والذهنية المنتجة للمأزق لا تمل من إعادة إنتاج الفشل.
وما كان لأزمة المنطقتين ذاتها أن تظل موجودة حتى اليوم، والبعض يحتفي باستقالة الحلو التي لا معنى لها سوى تأكيد استمرارية نهج النخب السياسية المتهافتة، لو كان هناك عقل يحاسب على بقاء أجندة الصراع محشورة في اتفاقية السلام الشامل، وما هو معلوم فأن اتفاق مجاكوس الإطاري حسم التفاوض عند حدود 1956، وهو ما يعني بالضرورة أن منطقتي جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان خارج مظلة التفاوض مع الحركة الشعبية، ولكن ما حدث أن رضوخ المفاوض الحكومي لمطالب زعيم الحركة الشعبية الراحل بضرورة إدراجهما في صلب المفاوضات هو ما بذر جذور التمرد الجديد، وقد كشفت الوزير النرويجية السابقة هيلدا جونسون في كتابها عن خفايا مفاوضات نيفاشا أن قرنق استغل رغبة المفاوض الحكومي الملّحة لإقامة شراكة سياسية بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني تضمن استمرار قبضته على السلطة، لفرض إرادته التي قبلها الطرف الحكومي ثمناً لهذه الشراكة التي لم، وما كان لها، أن تتم أبداً.
ولذلك فإن إعادة إنتاج الحرب في الجنوب الجديد بعد تقسيم البلاد وانفصال الجنوب، لم يكن سوى نتيجة حتمية لعقلية التسويات الجزئية والصفقات الثنائية التي أبرمت بها اتفاقية السلام الشامل، لتناسب مقاس أطماع الطرفين المتفاوضين ولم تكن أبداً بحجم الأجندة الوطنية، كما ضاعت فترة الانتقال وسنواتها الست في مماحكات اتسمت بقصر النظر الشديد وعدم التدبر في العواقب الوخيمة، وها هي ست سنوات أخرى مضت بعد التقسيم في حرب عبثية ومفاوضات متطاولة وكلفة إنسانية باهظة، وليهدر المزيد من الوقت في اتباع التكتيكات نفسها التي أفضت للمعاناة الحالية، وفي انتظار ما تسفر عنها الخلافات الداخلية في وسط الحركة الشعبية التي لا تعني إلا صب المزيد من الوقود على زيت الحرب.
ولئن تحمّلت السلطات الحكومية قسطها من استدامة الأزمة، فالحركة الشعبية ليست بأقل منها في تحمل تبعات المسؤولية في استمرار نزاع يدفع ثمنه في نهاية الأمر غمار الناس، فالقادة في نهاية الأمر هم من يحصدون ثمار التسويات، ومشكلة الحركة الشعبية/ شمال أنها تطرح نفسها امتداداً لمشروع السودان الجديد الذي تبناه قرنق، وهو ما ركّز عليه كثيراً عبد العزيز الحلو في خطاب استقالته، لكن مأزق هذا المشروع لم يظهر فقط على الصراع الراهن، بل قبل ذلك بكثير حين ساوم به صاحبه نفسه في مفاوضات نيفاشا حين تخلى عن حلم السودان الجديد الموحد وفق رؤيته وآثر أن يقايض وحدة السودان بتقرير المصير للجنوب في خطوة لا يمكن أن توصف إلا أنها انتهازية بإمتياز.
وقد سقط مشروع السودان الجديد مرتين مسجلاً فشلاً ذريعاً، الأول حين قررت الحركة الشعبية التنازل عنه طواعية وتواطأت مع خصمها التاريخي في السلطة الحاكمة لتسريع خطوات تقسيم في تجاهل تام للإلتزام بأولوية الوحدة والعمل من أجلها التي أكدت عليها اتفاقية السلام. والسقوط الثاني المدوي لمشروع السودان الجديد الفشل الكبير الذي أظهرت الحركة الشعبية بعجزها عن تطبيقه في دولة جنوب السودان المستقلة، ليس ذلك فحسب بل إنتاج دولة فاشلة بإمتياز في غضون سنوات قلائل وتوريط الجنوب في حرب أهلية دموية، ليدفع مواطنوها ثمناً أغلى بكثير مما دفعوه على مدار خمسة عقود من الصراع مع الشمال، وتفرقت الحركة الشعبية أيدي سبأ، لقد تلاشت كل تلك الأعذار التي كانت تعلق على شماعة الأخرين، لتبرز الحركة عارية تماماً أمام فشل ذاتي لا يمكن أن تلقي فيه باللوم على غيرها.
والحال هذه فما هو مشروع السودان الجديد الذي يدعو الحلو للتمسّك به، ويتهم رفاقه بالتخلي عنه، لقد ثبت بالواقع المعاش أنه مشروع خيالي لم يكن ممكناً تحقيقه في كل الأحوال، من الواضح أن الأزمة داخل الحركة الشعبية التي حاول الحلو في استقالته تصويرها بأنها اختلاف حول المبادئ والتوجهات، وليس حول المسائل التنظيمية فحسب، أمر لا يسنده الواقع المعاش، ومع كل الحجج التي ساقها سواء فيما يتعلق بدستورها وعدم وجود مانفيستو للحركة، وحول غياب المؤسسية، والخلاف حول نهج التفاوض، لا تعكس سوى صراع دارج على النفوذ والسيطرة في التنظيمات السياسية، يتوسل إليه برفع شعارات برّاقة.
والطرف الآخر في هذه الأزمة، رئيس الحركة عقار وأمينها العام عرمان، يمثل الوجه الآخر للأزمة، والعقلية ذاتها وإن اختلفت التكتيكات والأساليب، وما دلقاه في بياناتهم الصحافية رداً على الحلو لا يعدو أن يكون وقودا لاستمرار الأزمة، فليس هناك متآمر على الحركة ولا يحزنون، فهي أزمة نابعة من داخلها شأنها شأن غيرها من الصراعات الداخلية المستشرية في السودان، ومن المفارقات أن خطاب استقالة الحلو يصورهما كحمامتي سلام، ويقدمان التنازلات المجانية للجانب الحكومي، وبالطبع فإن سلسلة جولات التفاوض الفاشلة على مدار ست سنوات تنبئ عن واقع الحال.
الخلاصة أن هذه التطورات في الحركة الشعبية لن تكون إلا سبيلاً لتقسيم المقسّم، وهو ما يعني أن السلام المرجو سيبتعد أكثر من دائرة التحقق، على الرغم من كل الإرهاصات التي كانت تشير إلى عكس ذلك. والعبرة الأهم أن نهج التسويات الجزئية والصفقات الثنائية الذي ظل يثبت فشله المستمر على كثرة الاتفاقيات التي تعد ولا تحصي التي أبرمت على مدار ربع القرن الماضي ثم لم يتحقق منها سلاما مستداماً، لا يمكن أن تكون هي اللعبة ذاتها المفضلة للنخب السياسية الحاكمة والمعارضة، المطلوب تسوية حقيقية كلية شاملة بلا صفقات ثنائية.


عن صحيفة إيلاف


khalidtigani@gmail.com

 

آراء