دَمْـعَـةٌ عَـلى سَــفيْـرٍ راحِـل: الصديق العزيز بشير محمد الحسن  .. بقلم: السفير/جمال محمد ابراهيم


أقرب إلى القلب:

(1)

لم يهتد قلمي إلى أول حرف أبدأ به رسالتي في وداعك أيّها الصديق الوفيّ..

لكني أود بداية أن أحدّث عن المهنة الدبلوماسية  التي امتهنا. إنّها مهنة  سامية تتصل بالتواصل  مع من هم في الضفة الأخرى ، يحدّث الدبلوماسي السوداني عن  سياسة واقتصاد واجتماع وثقافة  بلدٍ  بلغ  في شموخه  العميق، أن حاصره الحاسدون  على تاريخه،   فأبقوه تحت الثرى دفينا. نرى بلادنا تتعثر خطاها، ولا تكاد تقف  على شموخها . تكون مهمّة الدبلوماسي  على معاناته  ومجاهداته،  وإن لقيتْ بعض تقدير ، محفوفة  بمشاعر حسد  من زملائهم في الداخل، لما يلقى منسوبيها من فرص للإقامة في بلدان  كالسواح ، وينعمون بسياحة مدفوعة الثمن بما تدفع لهم حكومتهم أموالا صعبة وطائلة. ذلك نظر قاصر بلا شك.  لا يرى أكثر الناس ، وخاصّة أكثر موظفي الدولة في الداخل، ما يعانيه زملاؤهم الددبلوماسيون من مكابدات خلال أدائهم لمهنتهم في الخارج. .

 

(2)

ذلك الحديث يبدو عند بعض من يقرأه أنه حديث خارج السياق، فيما أنا انتويت أن اعبر عن حزنٍ عميق  في رحيل صديق عزيز هو السفير “بشير محمد الحستن”.    جاء أخي “بشير” إلى رحاب الدبلوماسية السودانية  قبلي، ليبلي فيها البلاء الذي  شهدته معه في أكثر من سفارة سودانية عملنا في رحابها معاً . تلك مهنة  قلّ أن يجتمع ممتهنيها  في مكان واحد، أو في سفارة واحدة، إذ هيَ  في أصلها  تسفارٌ وغربة ومفارقة  للوطن، إلى البعيد  المختلف، ليسمع منّا الأخرون  عن  بلدٍ في وادي النيل  إسمه السودان ، كانت من ملوكه أوّل الزّمان  “كنـداكـة”  سادتْ دولتها قبل قرون ، و مليكاً إسمه “تهراقا”،  دالت دولته من وادي النيل إلى أطراف الشام شمالا. .

هكذا خرجتْ دبلوماسية السودان – ومنذ استقلاله في عام 1956م- بأبنائها إلى أركان الدنيا الأربعة،  فـشـرّق منهم من شرّق، وغرّب من غرّب .  كنتُ وصديقي “بشـير” في يفاعتنا الدبلوماسية ،  قد دفعتْ بنا وزارة الدبلوماسية إلى أصقاع  تتباين طبيعتها  وثقافاتها وعقائدها وألسنتها .  بين المهمّة الأولى لصديقي “بشـير” في جنيف، ومهمته التالية في تنزانيا، بونٌ  ثقافيٌّ  شاسع، كما هو واضح  .  أما أنا الذي التحقتُ بالدبلوماسية بعده،  فقد كانت مهمتي الأولى في  سفارة السودان في يوغندا، ثمّ من بعد في تونس-أفريقيا،  المُطلة عبر المتوسط على أوروبا . مهمّتي الثالثة  أخذتني إلى الصين   في مشـارق الأرض ، وبين تونس  والصين  كما ترى، تباينٌ عظيمٌ،  وقـد لا تعينك الجغرافيا  لتجد رابطاً بين  ذينك البلدين، ولكنها طبيعة المهنة الدبلوماسية من تجد تلك الرابطة. .

 

(3)

دفعتْ وزارة الدبلوماسية بصديقي “بشــير” إلى تونس ، مثلما دفعتْ بي إليها  بعده  بأيام، لنكون  معاً  دعماً  لبعثتنا  الدبلوماسية السودانية هناك ، إذ إلى  جانب مهمّة تلك البعثة في معالجة  علاقات السودانية  الثنائية مع تونس ، طرأتْ عليها مهمّة جديدة،  بعد انتقال الجامعة العربية  من القاهرة – مقرّها التاريخي – إلى مقرّها الجديد في تونس . كانت لي مع صديقي الرّاحل “بشـير” صحبة هناك، أكثر من زمالة مهنة . أمّا وقد كنتُ الأعزبَ الوحيد في تلك السفارة ، فقد أسبغَ  عليّ “بشـير” و زوجُهُ الراحلة  “نجاة الأزرق”، حُنوّاً وعطفاً ، ولم يكن سكناي بعيداً عن مكان سكنهما  في  حي “المنْـزَه الخامس” .  حين وقع لي هناك حادثٌ أصبتُ بعده  بانزلاقٍ  غضروفي  طفيف، أضعف حركتي أياما ،  كانت “نجاة”  طوق نجاتي  في مصابي ، تعدّ لي وتوافيني بمشربٍ ومأكل،  رحمها الله وجزاها قبولا حسنا. .

 

(4 )

غير أنّ  متاعب  شتى قد تصادف  الدبلوماسي  في أداء مهام مهنته.  ولصغر حجم سفارتنا في تونس ،  وقلة الدبلوماسيين  العاملين فيها، كان من الطبيعي والعمل قد تضاعف بعد إضافة مهمّة تمثيل البلاد  في اجتماعات الجامعة العربية،  أنْ  تنشأ  في سخونة العمل احنكاكات  وبعض تبايناتٍ   وعناء.  كان أوّل قدومي إلى السفارة السودانية  في تونس ، أن أصدر السفير توجيهاً لي  بأنْ أشارك السكرتير الثالث – وهو مثلي  أعزبٌ وقتذاك – مسكنه  في الحيّ المتاخم  لمبنى السفارة في حيّ “المنـزه الخامس” وسط  تونس العاصمة، ولكني، ولأسباب وجيهة  لم أقبل .  لم يكن  ذلك من  التقليد الدبلوماسي المتبع في شيء، إذ لكلِّ دبلوماسيّ  مسكنه الخاص، لخصوصية طبيعة المهنة.  لم يقبل السـفير مِنّي ذلك الاعتراض ، فصار ذلك الخلاف  مدعاة  لتصعيدٍ من جانبه ، دفعني دفعاً  – وأنا في أوّل أيّامي في تونس- لتقديم طلبٍ بالنقل إلى رئاسة الوزارة ، لقناعتي  أن خلافاً  يبدأ طفيفاً مع رئيس البعثة  سيتضاعف تصاعداً،  ولن تطيب لي معه  مواصلة  مهامي الدبلوماسية .

لم يكن صديقي “بشــير” ليقبل طلبي وقتذاك، وهو المسئول الإداري في السفارة ، توسّط بعظبم جهده ولباقته الدبلوماسية ، فأقنعني بالعدول عن طلب النقل .  بعدها  لم يبخل عليَّ بخبراته  في تيسير قيامي بمهامي في تلك البعثة على الوجه المرضي .

 

(5)

في وقتٍ لاحقٍ  وبعد عدّة سنوات، دفعتْ  بي وزارة الدبلوماسية إلى سفارة السودان في الصين،  مثلما حكيت .  وهكذا فقد أسعدتنا محاسن الصدف أن نكون معاً في سفارة واحدة، إذ انتقل “بشــير” نائبا للسفير السوداني في الصين. كانت تلك أسعد أيامنا معاً بالفعل ، خاصة وكنت قد اقترنت  ومعي زوجة رافقتني إلى الصين،  فصرنا  إلى علاقاتٍ أوثق وإلى تواصل مُستدام بين أسرتي وأسرته.  غير أن  حلاوة الأشياء  لا تجيؤك كاملة ، على قول المثل .  لكأنّ أقداري تسوقني على الدوام للعمل في سفارةٍ  لا يطيب لي التعامل المثمر مع رئيسها.

كان الرّجل  مسكونا بهواية  لعب الورق – الكوتشينة- وما كان لي من نصيب في ذلك، فأنا لا  أجيد ولا لعب “البصرة”.  أما صديقنا السفير الذي أكمل سنوات  طويلة في  وحشة الصين، ولا تسلية متاحة له غير لعب الورق، فقد ساورته الشكوك تجاهي ، ظانّاً من وسواسه، أنّي أتعمّد أن لا أشاركهم لعب الورق ، فتوالت معاملاته لي بفظاظةٍ غير خافية. وهكذا لم يطب لي المقام مع سفيرٍ  لا أجد عنده قبولا.  للمرّة الثانية  يهبّ صديقي “بشـير” ،  ليثنيني عن أيّ محاولة للانتقال للعمل  في أيّ سـفارة  سودانية أخرى .  حكيتُ له عن سوء حظٍ  يلازمني في امتهاني المهنة  الدبلوماسية،  فكأني  قد جئت عن طريق الخطأ، إلى مهنة لا تروق لي، ولا تناسبها قدراتي ومواهبي. .

 

(6)

آخر ما سعى إليه ذلك السفير في افتعال  مشاكل معي،  أن  ادّعى أنّي – وأنا في درجة السكرتير الأول بالسفارة- تعمّدت الغياب عن وداع  وفد الرئيس (السابق) جعفر نميري في مطار “بكيـن” بعد  انتهاء زيارته الرسمية  للصين . ولتخريب علاقتي مع صديقي “بشــير”، فقد كلفه ذلك السفير بالتحقيق معي عن ملابسات غيابي عن وداع رئيس الجمهورية ، بما يوحي أنّي معارض خفيّ لنظام مايو . أدرك صديقي أنّ للرّجل  أهدافا أبعد من الإضرار بعلاقتنا معا ، بل مضى  لتوريطي بمخالفة  ذات أبعاد سياسية. لم يأخذ صديقي “بشـير” ما طلبه  ذلك  السفير بمحمل الجد، لكن رأى السفير أن يتجاهل وجودي بالبعثة تجاهلاً تاما .   بعد أسابيع قليلة سقط نظام مايو إثر انتفاضة أبريل عام 1985م ، فتخلص ذلك السفيرمن أوراق كثيرة،  بينها مستندات  التحقيق بحسباني معارضاً لنظام مايو، فماتت القصة . لك أن  تتأمل  بؤسَ المكائد . .

 

(7)

عن أيّامي التي قضيتها في العاصمة الصينية  “بكـيــن”،  وهي مدينة جميلة وإنْ أضافت المنغّصات  بعض بهارات إليها،  فقد تعزّز  جمالها في عـينيّ بمرافقة دبلوماسي ثالث  لحق بنا أنا والرّاحل “بشـير” ، ذلكم هو الدبلوماسيّ  السودانيّ  المسيحيّ، ابن حيّ “المسالمة”: “ماريو أوتو أنطون”.  لم يكن  صديقنا “ماريو” مرتاحاً في تلك السفارة ، لكن تبقى للدبلوماسية ما تمنح الواحد منا من قدرات عالية لمقاومة بعض مكائد المهنة. بعد انتقالي ومغادرتي العاصمة الصينية إلى سفارة أخرى، أصيب صديقنا “ماريو” بعلة سرطان الدم.

رحل صديقي  إبن  حيّ “المسالمة” ، بعلة سرطان الدّم بينما كان في القاهرة للعلاج.  ولأني امتهنتُ  الكتابة الروائية،  فقد نسجت رواية، عن رحيل صديقنا  “مـاريـو” بسنوات، من زاوية التسامح  في مدينتي أم درمان.  روايتي “دفاتر القبطي الأخير” ، لا زالت الأثيرة عندي، لما حوَتْ من صادق المشاعر الإنسانية  بين ثلاثتنا، “بشــير” و”ماريـو” وشخصي ، في تلكم التخوم البعيدة.  جعلتُ  من ثلاثتنا أشخاصاً حقيقيين،  فكان الراحلين “ماريو” و”بشـير” حاضرين- وصديقي “بشـير”بإسمه- في روايتي تلك..

لا أنسى  كيف اسعدتني الأقدار بصديقٍ  وفيٍّ،  هيأتْ  صحبته لي  في بعض رحلاتي  في المهنة الدبلوماسية، أياماً  طيباتٍ ورفقة نبيلة . لعلّ في صحبتي للرّاحل المقيم “بشير محمد الحسن”،   ما منحني  سوانح  استوعبت خلالها من تجاربه المهنية،  ما أعانني على إنجاز ما أوكِل إليّ من مهام، مثلما  هيأتْ لي الأقدار صحبة رجلٍ خلوق جمُّ المزايا ، هو  وزوجه المرحومة السيدة “نجاة الأزرق”،  فنعمت بالصداقة الحقة وبالخلق الأصيل  وبالدبلوماسية الحاذقة..

 

(8)

يعجز قلمي  إلّا عن الحديث   عن أفضل ما لقيتُ  في صداقتي ومرافقتي  لدبلوماسيٍّ  قدير ، وسفيرٍ حاذق،  وإنسان  كثير النبل والكرم والأريحية، هو السفير العزيز “بشير محمد الحسن”  الذي رحل بعد علة لازمته  لأيامٍ قللة،  واضطر للمغادرة إلى القاهرة لاستكمال العلاج ، غير أن القدر أراد له الرحيل وأصطفاه  ربُّهُ سبحانه وتعالى  في يوم الأربعاء 29 سبتمبر 2021 . ما نعيته هنا ، إلّا لأعبّر عن عظيم  اعتزازي لصداقةٍ جمعتْ بيني و شخصه النبيل ، كما جمعت بين أسرتينا ، سائلاً  ربّي أن يتقبله القبول الحسن  في آخرته، إنه سميع مجيب .

 

 

الخرطوم – 8 أكتوبر 2021

 

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!