ذكريات الهروب العظيم والغربة المفتوحة -5- … بقلم: أحمد جبريل علي مرعي



الحلقة 5

gibriel47@hotmail.com

توطئة

الغربة ثقيلة على النفس إلا إذا كانت لفترة معلومة الأمد محفوفة بوعود وثمار قريب موعد قطفها. والغربة شرعا هي النفي من الأرض، ولكن في حالة معظم السودانيين كانت طوعا واختيارا. فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار.  ورغم كل شيء، فهي خطى كتبت علينا (ومن كتبت عليه خطى مشاها).

لقد اضطررنا للخروج من السودان تحت وطأة الضوائق المعيشية وسعيا لتحسين الأوضاع الحياتية التي تسبب في ترديها ساسة فاشلون وعسكر أغبياء وأساتذة جامعات حمقى ومرتزقة وضعاف نفوس شاركوا في كل الحكومات – الديمقراطية والعسكرية – يجيدون مسح جوخ العسكر وتقبيل أيدي السادة ويعتقدون بأنهم يستطيعون سياسة الناس كما يجيدون تحضير رسالاتهم العلمية.

وكانت المحصلة النهائية أن هذا الثلاثي البائس لم يحسن تدبير أمور البلاد وتصريف أمور العباد ولم يستطع خلال أكثر من نصف قرن من الزمان توفير العيش الكريم لأقل من أربعين (40) مليون نسمة في بلد تكفي موارده لأكثر من مائتي (200) مليون نسمه.

 ولم نكن ندري أن الغربة ستتحول إلى ثقب أسود كبير يبتلع كل أعمارنا ويأخذنا إلى ما لا نهاية فتصبح غربتنا غربة مفتوحة على كل الاتجاهات والاحتمالات.

 لقد خرجنا كغيرنا من السودانيين الذين ركبوا أمواج الغربة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي والذين ليست لديهم تجارب كبيرة في الغربة قبل ذلك، أو ربما كانوا هم الرواد من أسر لم تعرف ولم تألف الغربة قط.

ومنذ ذلك الحين توالت موجات الغربة واشتد زخمها وتكسرت على شواطئ ومرافئ كل بقاع المعمورة. وكنا كالهشيم الذي يحمله السيل الجارف لا يدري أين يلقى به!!! أو كالقصب في مهب الرياح العاتية المزمجرة التي تقصف بعضه وتترك بعضه (وما تدري نفس بأي أرض تموت).

وخلال هذه المسيرة الطويلة (التي تمطت بصلبها وأردفت أعجازا وناءت بكلكل)، ذاق السودانيون الذين يمموا دول الشرق الأوسط خاصة صنوفا من المعاناة لم يكونوا يتصورونها، وتعرضوا لاستهجان وازدراء من شعوب أقل منهم حضارة، وصبروا على آلام  وتجارب كالحنظل وتبينوا لاحقا أنهم كانوا في سابق أيامهم يعيشون في رغد من العيش الكريم ومحفوظة كرامتهم في وطنهم الكبير ،قبل أن تجتزئه الذئاب وتمزقه أشلاء.

وفي هذه المحاولة أردت أن ألقي الضوء على تجربة غربة بدأت بالهروب العظيم من السودان في أواخر حكومة مايو وامتدت لأكثر من ثلاثين (30) عاما، ولا تزال، ولا أحد يدري أين ستحط هذه الموجه رحالها !!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

استميحكم العذر مقدما إن وجدتم في هذه التجربة ما يعكر صفوكم، وهو أمر لم أقصده. وأسألكم التكرم بالنصح أو بحسب ما ترونه من أفكار وآراء نيرة إن راقت لكم التجربة، فهي تجربة وددت توثيقها ليس إلا. وأنا بانتظار السماع منكم.

المؤلف

وكالة السودان للأنباء (سونا)
انتقلت في عام 1977 إلى وكالة السودان للأنباء (سونا)، التي كانت تحت إدارة السيد مصطفى أمين ونائبة السيد حسني حواش، والتي انتقلت من شارع الجامعة حيث كانت تحت إدارة ا لسيد عبد الكريم المهدي، إلى تقاطع شارع الجمهورية مع شارع القصر، قبل الانتقال الأخير إلى مبانيها الحالية بشارع الجمهورية جنوب غرب المبنى الرئيسي لجامعة الخرطوم.

 عملت في قسم اللغة الإنجليزية تحت إدارة الأستاذ محمد الفاتح ونائبه الأستاذ  الموسوعي محمد سعيد، رحمه الله. فكنا ثلة ضمت الأستاذ الزاكي، مع باقة من الحسناوات على رأسهن الأستاذة دينا عمر عثمان،والأستاذة نعمات الشامي، والأستاذة بثينة عبد الله كديرو(التي اغتربت مع زوجها  الأستاذ خالد عبد الباقي في الرياض بالسعودية)،  وبرئاسة زميلنا الصحفي الرائع محمد إبراهيم "أبو حسام" (الذي يعمل الآن في صحيفة عرب نيوز  Arab News السعودية). كان علينا إصدار الاستعراض الأسبوعي (The Weekly Review) إلى السفارات الأجنبية وبعض المسئولين الكبار.

كانت وكالة الأنباء للسودان آنذاك تضم نخبة طموحة ورائعة من الشبان والشابات. على سبيل المثال لا الحصر: بكري ملاح، وأبي بكر وزيري، والنجيب قمر الدين الذي تولى لاحقا إدارتها في عهد الإنقاذ، و عبد الله آدم خاطر، والروائي والقاص والناقد الألمعي محمود محمد مدني (رحمه الله)، وعمر الفحيل (بوكالة الأنباء القطرية حاليا)، وبابكر الوكيل (بصحيفة الرياض السعودية حاليا)، ويوسف إسماعيل عبد الله (الآن الدكتور يوسف إسماعيل عبد الله والذي عمل سابقا مترجما في وزارة الدفاع السعودية)، وهشام الزبير، والأستاذة الأستاذة نعمات،والأستاذة سيدة المنشاوي(التي اغتربت مع زوجها الدكتور شرف الدين بانقا لفترة في السعودية ثم عاد وزيرا للإسكان وكان من أفضل وزراء الإنقاذ  أداء على الإطلاق بالإضافة إلى ابنة السودان البارة وزيرة الصحة تابيتا بطرس) ، و الأستاذ محمد خير في القسم الفني، والأستاذ خليل (الذي عمل في مؤسسة اليمامة الصحفية السعودية).وغيرهم.

فكانت أمسياتنا كخريجين جدد إما في السينمات لمشاهدة آخر الأفلام العالمية، أو المسرح القومي الذي كان يعيش عصره الذهبي بمسرحيات نبته حبيتي رائعة المسرحي والشاعر الكبير هاشم صديق،وسفر الجفا، وخطوبة سهير تأليف الكاتب المسرحي الكبير  الرائع حمدنا الله عبد القادر، ومدير ليوم واحد الخ. والعمالقة من الممثلين الرائعين على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ عوض صديق ومكي سنادة و الممثلات تحية زروق وبلقيس عوض وفائزة عمسيب الخ. والمخرجين المسرحيين الكبار من أمثال عثمان قمر الأنبياء (الذي عمل في جامعة الملك سعود بالرياض)

 ونقصد أحيانا المراكز والمعاهد الثقافية الأجنبية لحضور بعض الفعاليات الثقافية في المجلس البريطاني في مبناه القديم بالهاشماب في أم درمان، أو تعلم  اللغات الأجنبية  كالفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي، أو الألمانية في معهد جوته الألماني،أو الروسية في المركز الثقافي الروسي.

وأحيانا أخرى ننهمك في قراءة أخر إصدارات الكتب العالمية مثل كتاب " الجذور" للكاتب الأمريكي أليكس هيلي الذي شدنا إبحاره في تأريخ الأفارقة المستعبدين وقتها بأمريكا عبر ملاحقته روائيا لحياة أكثر من ستة أجيال من الشخصيات الموحية كالبطل الرمز كونتا كونتي وجدته بنتا وغيره من الكتب التي كانت تساعدنا على معرفتها الطبعات الأوتوماتيكية في وكالة السودان للأنباء من وكالات الأنباء العالمية مثل رويترز والأسوشيتد برس وغيرهما فنطلبها من مكتبة (الخرطوم بوك شوب) العامرة والقريبة من وكالة السودان للأنباء في مبناها القديم.

الجدير بالذكر أننا شهدنا في فترة بداية السبعينيات إلى أواخرها من القرن العشرين السادة:  اللواء عمر حاج موسى (رحمه الله)، وبونا ملوال (الآن الدكتور بونا ملوال)، والدكتور إسماعيل حاج موسى كوزراء لوزارة الثقافة والإعلام؛ والسادة: كابوس( رحمه الله)، والفنان التشكيلي العالمي الرائع إبراهيم الصلحي كوكلاء للوزارة؛ مع شخصيات بارزة مثل  عمنا نيكولا ديمتري المشهور بالبازار السوداني، والشاعر عزيز التوم وغيرهما.

كان أداء وكالة السودان للأنباء (سونا) أداء رائعا في كل المجالات: داخليا وخارجيا. وكانت تضم نخبة من المثقفين المؤهلين. فقد عمدت الوكالة لوضع لوحة إلكترونية على قمة مبنى أجزخانة (صيدلية) كمبال على شارع الجمهورية تمكن المشاهدين وزوار مقهى المحطة الوسطى من المثقفين، وهم يرشفون أكواب الشاي والقهوة، من مطالعة آخر الأخبار العالمية.

وكعادة الأنظمة الديكتاتورية بدأت حكومة مايو في تسخير تلك الكوادر والكفاءات لصالحها وتغطية أخطائها التي لا تحصى بدءا بالهجوم على مجموعة الأنصار في الجزيرة أبا وضرب حي ود نوباوي العتيق داخل مدينة أم درمان وإقصاء الأحزاب الأخرى كلها وتعطيل الحياة الديمقراطية وتكميم أفواه الناس.

وددت لو اتخذ الشعب السوداني قرارا بحظر وتكميم أفواه الأحزاب التي اعتدت على الديمقراطيات وسرقت مقدرات الشعب السوداني بليل بمقدار سنين احتلالها لسدة الحكم حتى تعرف معنى تكميم الأفواه وغصة القهر.

كان السودان في أوائل السبعينيات من القرن العشرين يعيش عصرا ذهبيا. وكان كل شيء على ما يرام. لكن ولسوء حظ هذا البلد المنكوب ورثته في تلك السنوات عصابة من الضباط السفهاء الذين تولوا أمره في انقلاب مشئوم جمع كل شذاذ الآفاق من اشتراكيين وشيوعيين وقوميين عرب وبعثيين وعلمانيين لا يخافون الله ولا يرقبون في الناس إلا ولا ذمة.

و زاد الطين بله أن انضمت إليهم مجموعة من أفسد أساتذة الجامعات؛  فاستقطبت هذه الفئة الفاسدة كل الفاسدين في السودان. ونتيجة لذلك انتظم الفساد كل أركان السودان وكما يقول المثل الإنجليزي والطيور على أشكالها تقع(Birds of the same feathers flock together)

وفي وقت وجيز قضت هذه الفئة الضالة على الأخضر واليابس في سكر وعربدة وسفاهة وصعلكة وقلة حياء. فما انقضت عشر سنوات من حكمها غير الرشيد حتى بدأت الموجات الأولى للهاربين من السودان إلى بلاد الله الواسعة، وتسارعت الوتيرة في بداية الثمانينات ولسان حالهم يقول: (انج سعد فقد هلك سعيد).

وبخروج الكوادر المؤهلة والكفاءات في كل المجالات تهاوي السودان شيئا فشيئا حتى سقط سقوطا مدويا ومروعا لم يتعاف منه حتى الآن في عهد حكومة انقلاب الإنقاذ التي ابتلته بأمراض العنصرية وزادت على الفساد بأنواع أخرى منه لم تخطر على بال وتحت اسم الدين والإسلام!!!

كان علي أن أغطي زيارة وزير الخارجية السودانية السيد الرشيد الطاهر بكر ( رحمه الله) إلى رومانيا عام 1978 في وفد ضم الدكتور حسن عابدين المؤرخ المشهور والسفير السابق في لندن وغيره، حيث شهدت العلاقات السودانية الرومانية إبان عهد انقلاب مايو ازدهارا وتطورا ملحوظا.

شيد الرومانيون مجلس الشعب كهدية للحكومة السودانية. وانتظم المئات من الطلاب السودانيين في الجامعات الرومانية أيام رئيسها الراحل نيكولاي شاوشيسكو. وشمل برنامج التبادل الثقافي العديد من الفعاليات السودانية في رومانيا وكذلك الرومانية في السودان.
 
كما شيدت جمهورية الصين الشعبية قاعة الصداقة، ذلك المعلم البارز، كهدية للشعب السوداني الذي امتدت صداقتها معه منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. كما قامت بتدريب أول فرقة أكروبات سودانية، وهي من الفرق الرائدة في القارة السمراء.

ومثل رومانيا كانت العلاقات الثقافية مع الصين في أوج قوتها وزخرت برامج التبادل الثقافي مع جمهورية الصين الشعبية بالعديد من النشاطات والفعاليات المدهشة. ولا تزال الحركة الثقافية والعلاقات السودانية الصينية إلى الآن تشهد زخما منقطع النظير شمل جوانب اقتصادية وسياسية أيضا في عهد حكومة الإنقاذ.

الجدير بالذكر أن حكومة مايو ورثت سودانا ثريا للغاية. ولكنها كانت كالوريث السفيه غير الرشيد، الذي حذر منه المولى عز وجل في فواتيح سورة النساء، الذي بدد أمواله بصرفه البذخي وسفاهته حتى أتى على آخر مليم في خزانته عندما انقضت عليه الجماهير السودانية في انتفاضة عام 1985.

 وإلى انقلاب مايو يعزي كل التدهور والانحطاط في كل نواحي الحياة من فقر  وسفاهة وصعلكة وقلة حياء بفضل عساكرها الأغبياء ووزرائها الحمقى من أساتذة جامعة الخرطوم وغيرها الذين كانوا يسعون للاستوزار بكل الطرق حتى استهان بهم العسكر!!!

وفي ذات الطريق ذهبت حكومة انقلاب الإنقاذ التي وجدت فرصة ذهبية للنهوض بالسودان وإنجاح تجربة إسلامية وليدة في بيئة مثالية بعد أن اجمع الناس عليها في بدايتها، ولكنها للأسف أضاعتها!!!

دخلت سفارة السودان في بوخارست، التي كان على رأسها الدبلوماسي سيد شريف الذي شرفنا لاحقا بالعمل في سفارة السودان لدى المملكة العربية السعودية في الرياض، وطلبت من  المسئولين تسهيل تركيب اللاسلكي على مبنى السفارة كأرض سودانية للاتصال بوكالة السودان للأنباء.

كان مدير الوكالة الأستاذ مصطفى أمين يعول كثيرا على تلك الزيارة وأريحية الرومانيين تجاه السودانيين في تلك الفترة. فأوصاني بضرورة ورود الأخبار فورا.

وكعادة المسئولين السودانيين الذين يبحثون عن العقبات ويوجدون المشاكل من عدم لم تجر الأمور كما أردنا.  وتعثر تركيب جهاز اللاسلكي على مبنى السفارة وخشيت من تأخر الأخبار السارة.

اتجهت مباشرة إلى غرفتي في الفندق وطلبت السودان من هاتف الفندق وأخذ راحتي في إملاء الأخبار ولاسيما أن الدكتاتور السابق شاوشيسكو قد غمرنا بكرم فياض وأجزل العطاء فكانت هناك البعثات الدراسية التي جاد بها وغيرها من العطايا التي تثلج الصدر.

وفي النهاية ثارت ثائرة السفارة على قيمة فاتورة الهاتف الفلكية، ولكنها كانت زوبعة في فنجان وتحقق مراد مدير الوكالة بورود الأخبار السارة في حينها.

كانت نثريات الوفد كبيرة مقارنة بقوة العملة السودانية في ذلك الوقت وضعف العملة الرومانية (اللي) خاصة عندما يتم فتل الدولار أو الجنيه الإسترليني(بيعه في السوق السوداء). فقصدنا كحال السودانيين دائما محلات الملابس الرومانية الأنيقة  ودبج كل منا ثلاث من البدل الكاملة (بثلاث قطع) واشترينا الأواني المنزلية لوزارات داخلياتنا (زوجاتنا) والكثير من القمصان للأخوة والزملاء والأصدقاء.

أدهشنا وكان مثار تعجبنا أن أيادي (أذرع) البدل في محلات الملابس الرومانية كانت قصيرة بدرجة ملفتة. ويبدو أنها من خصائص بلدان شرق أوروبا. ودارت بأذهاننا نظرية النشوء عند داروين وكدنا أن نصدقها ونعتقد بوجود علاقة بيننا وبين الشامبانزي والغوريلا ومجموعة القرود  الأفريقية الكبيرة.
 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات