محمد عبد المنعم صالح الأمين
mohamed.abdommm@icloud.com
منذ طفولتنا الغضة ونحن نتربى على مايسمي بحب الوطن بدون شروط حتى لو كان لا يحترم ادميتنا ، وكنت متاكد تماما من ان حب الوطن هو حقيقة لا ينكرها الا خائن لوطنه أو علي الأقل هكذا كما تربينا . واننا مثلما نحب امهاتنا واباءنا بدون شروط فالوطن ايضا هو الام التي تحتضننا بين ضلوعها وحبها واجب وكرهها كفر ..
لكن مع الوقت وبشكل خاص بعد ثورة ديسمبر المجيدة في السودان بدأ هذا الشعور يخمد في داخلي وبدأت تلك العلاقة الرومانسية تخفت رويدا رويدا لتصبح عقلانية اكثر ، وكلما ازدادت عقلانية ازدادت تلك العلاقة تشوها واطلت بوجه قبيح لم احسب يوما انني ساراه يوما من الأيام .
ففي تقديري أصبح أن من المفترض أن تكون علاقة المواطن بوطنه هي علاقة منفعة متبادلة ، فقد أصبحت لا اقتنع كثيرا بمن يسرح بنظراته ويتحدث بلهجة حالمة ان الوطن هو الشارع الذي يسكن فيه والقهوة المفضلة لديه وجلوسه مع اصدقائه في جلسات السمر وسماع آغاني الحقيبة ، هذه كلها في رايي هي ذكريات ارتبطت بتلك الاماكن لكنها لا تعني ان الفضل يعود لتلك الاماكن عينها ، فلو ان صاحب هذه الذكريات قضى سنين حياته الاولى في دولة غير دولته لاصبحت تلك الذكريات مرتبطة بتلك الدولة وكانت ستحتفظ بنفس القدر من الحنين اليها ..
من الطبيعي ان يتمنى المواطن ان تصبح دولته افضل دولة بل ويضحي بحياته في سبيل ذلك ، وذلك مرجعه ببساطة ان الدولة حين تكون متحضرة سيعود هذا بالنفع على المواطن وابنائها . فالدولة التي تحترم ادمية مواطنيها ستوفر لهم خدمات راقية وممتازة تلبي احتياجاتهم وتحترم انسانيتهم ، لكن للاسف يخرج البعض ليحدث الشباب ان الوطن قدم لهم و..و.. وينتظر منهم رد الجميل . هو في الواقع يتحدث من منطلق ان تلك الخدمات هبة من الدولة من ان هذا هو دورها وليس شيئا تعاير به ابنائها عليه ، بل على العكس من المفترض ان يكون الاعتراض على عدم ادمية تلك الخدمات ومحاسبة المسئولين عن ردائتها هو رد الفعل الطبيعي حين تثار تلك النقطة .
الدفاع عن الوطن هو دفاع عن نفس بالدرجة الاولى ، بل هوايضا دفاع عن الاهل والارض وعن كل ما يمتلكه الشخص . لذا فالدفاع عن الوطن والموت في سبيله هو رد فعل طبيعي ولا يشترط ان يكون تعبيرا عن حب الوطن ، بل هو واجب يحتمه مقتضيات العقد الاجتماعي بين الوطن ومواطنيه .
تخيل معي يا عزيزي ان دولتنا بكل تعقيداتها قد انضمت لدولة في حجم ومكانة كندا على سبيل المثال ، بحيث سيتم التعامل معنا انسانيا وماديا واجتماعيا كما يعامل المواطن الكندي . لنفترض انه بعد سنتين مثلا من تلك التجربة ان نقوم بعمل استقتاء بين سكان هذه بلدنا ، هل يودون ان ينضموا رسميا لكندا ام يعودوا لاحضان الوطن ؟ اعتقد ان الاجابة ستكون محسومة ..
لنعمم اكثر ودعونا نفكر ان نعرض جنسية اخرى على اهل احدى بلادنا (عربية & افريقية ) وانظر كم المواطنين الذين سيسافرون اليوم قبل الغد ، هذا ليس دليلا على كرههم للوطن بقدر ما هو يدل على تطلعهم الى توفير مستقبل افضل لهم ولاولادهم وهو امر مشروع . ستجد هؤلاء الاشخاص اصبح ارتباطهم بالوطن مجرد عطلة سنوية يقضونها مع الاهل ، واذا اضطرته الظروف التعيسة للتعامل مع احد اجهزة الدولة سيسارع باظهار جواز سفره الخاص بجنسيته الجديدة حتى لا يتم التعامل معه على انه من اهل البلد لانه يعلم تلك المعاملة جيدا .
لهذا فان اي مسئول او زعيم سياسي من دهناء وسياسي الصدف من حملة الجوازات الملونة ذات الإمتياذات أو الإقامات الدائمة أو يتاح له في اي وقت السفر بكل سهولة للعالم الأول أن يتحدث عن حب الوطن يجعلني اشعر انه مجرد كائن سلطوي يحاول ان يداري الإمتيازات التي يتمتع بها بتلك العبارات الرنانة التي تثير العواطف وتعطل العقول .
فيا سادة لا تتوقع من مواطن لا يجد ماء او هواء نقيا او تعليما لاولاده او رعاية صحية ان يحب وطنه ويخلص له ، لا تنتظر من شخص لا يجد قوت يومه ويعتمد على نفسه في توفير ابسط حقوقه ان يضحي في سبيل وطنا احترف اذلاله . ان توفير الاحتياجات الاساسية لاي انسان واجب مقدس اذا فشل الوطن في توفيره فلا يحق له مطالبة ضحاياه ،،، اقصد رعاياه ،،، بالصبر والسكوت بل والتبرع في بعض الاحيان . لقد قمنا بدفع فاتورة فشل قادتنا المذعومين تاريخياً أو حديثاً طويلا تحت مسمى حب الوطن ، وقد حان الوقت لنستوعب ان تلك العلاقة المشوهة لابد لها ان تنتهي وتحل محلها العلاقة الطبيعية بين المواطن ووطنه كما في كل العالم الأول .
هذا لا يعني كره البلد ، انما يعني ببساطة ان نكون اكثر عقلانية حين نطالب بحقوقنا مثلما نطالب ( بضم وتشديد النون ) بتادية واجباتنا..
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم