علاء خيراوي
■ لم تعد تصريحات مسعد بولس عن السودان تبدو، عند جمعها في سياق واحد، مجرد رسائل دبلوماسية عابرة أو ضغط تفاوضي محدود؛ فالرجل الذي قال قبل أيام إنه “لا مستقبل” للبرهان ولا لحميدتي في قيادة السودان، عاد ليقول بوضوح أكبر إن الولايات المتحدة لا تعترف رسميًا بالحكومة المدعومة من الجيش في بورتسودان، وإنها تتعامل معها باعتبارها “سلطة أمر واقع”. ثم جاء توصيفه اللافت لمحيي الدين سالم، في سياق اجتماعات نيويورك، بوصفه وزيرًا لخارجية سلطة القوات المسلحة السودانية، لا ممثلًا ببساطة لحكومة تحظى باعتراف سياسي أمريكي كامل. وعندما تتكرر هذه اللغة خلال أيام قليلة، ومن مسؤول يتحرك مباشرة في ملف السودان باسم الإدارة الأمريكية، يصبح من الصعب التعامل معها باعتبارها زلة لسان أو اختيارًا لغويًا عابرًا؛ فاللغة في السياسة الخارجية ليست بريئة، وحين تتغير بهذه السرعة فإنها غالبًا ما تسبق تغير الأدوات. والحقيقة أن واشنطن لم تبدأ اليوم في النظر إلى سلطة البرهان بوصفها سلطة أمر واقع؛ فقد استخدمت بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ توصيفات من قبيل “رئيس السلطة القائمة بحكم الأمر الواقع”، وظلت تتحدث عن ضرورة استعادة حكومة مدنية ذات مصداقية ونظام دستوري جديد. غير أن الجديد اليوم ليس أصل التوصيف أو الموقف، بل خروجه من اللغة الإدارية الحذرة وتقارير البيروقراطية إلى خطاب سياسي علني ومباشر، مقرونًا بأدوات ضغط وعقوبات وحديث صريح عن شكل السلطة التي ينبغي أن تأتي بعد الحرب. ومن هنا تكتسب تصريحات بولس معناها؛ فهو لم يأت بفكرة جديدة تمامًا، لكنه نزع عنها الغلاف الدبلوماسي القديم، وقالها بصورة أقرب إلى إعلان موقف؛ هذه ليست حكومة المستقبل التي تعترف بها واشنطن، وإنما سلطة تتعامل معها لأنها تسيطر على مؤسسات وأرض وموارد بحكم الواقع.
■ ثم تأتي العقوبات الأمريكية لتكمل الصورة؛ فمنذ يناير ٢٠٢٥ فرضت واشنطن عقوبات على البرهان بعد أن سبقتها بعقوبات على حميدتي، وقالت الإدارة الأمريكية إن الهدف هو تعطيل تدفق السلاح إلى السودان ومحاسبة القادة الذين يتجاهلون حياة المدنيين. والأهم سياسيًا أن الموقف الأمريكي تطور إلى القول صراحة إن مستقبل السودان لا مكان فيه لزعيمي طرفي الحرب؛ وهي النقطة التي كررها بولس هذا الشهر. وهنا يصبح السؤال أكبر من وقف إطلاق النار؛ من سيحكم السودان بعد الحرب؟ ويبدو أن واشنطن بدأت تقدم إجابتها بوضوح لا يقبل التأويل، قبل أن تسكت المدافع؛ لا البرهان، لا حميدتي، ولا حكومة عسكرية يعاد تدويرها بواجهة مدنية شكلية. وفي الضفة الأخرى من المشهد، أغلقت واشنطن بابًا آخر أمام قوى النظام السابق حين أدرجت في مارس ٢٠٢٦ الحركة الإسلامية السودانية، تحت مسمى “الإخوان المسلمون السودانيون/الحركة الإسلامية السودانية”، في قوائم الإرهاب الأمريكية، وربطت بها كتيبة البراء بن مالك بوصفها كيانًا إرهابيًا مصنفًا كذلك. وهذه ليست مسألة رمزية؛ لأن التصنيف يفرض منظومة من العقوبات ويجعل التعامل المالي والسياسي مع هذه الشبكات أكثر كلفة وخطورة. وإذا وضعنا هذه الخطوة إلى جانب حديث بولس عن حكومة مدنية بعد الحرب، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا؛ واشنطن لا تتحدث فقط عن إخراج العسكريين من السلطة، وإنما بدأت أيضًا ترسم حدودًا للقوى التي تعتبرها غير مقبولة في التسوية السياسية القادمة. ولذلك فإن غياب اسم الحركة الإسلامية أحيانًا من بيانات بولس لا يعني أن الباب قد فُتح لها؛ فالملف عند واشنطن انتقل أصلًا من الخلاف السياسي إلى التصنيف القانوني والأمني.
■ أما التحول الأخطر فهو ما يجري الآن داخل مجلس الأمن. فحظر السلاح المرتبط بنظام القرار ١٥٩١ ما زال، في صورته الحالية، متركزًا على الفاعلين والعمليات في دارفور، وليس حظرًا عامًا على السودان كله. لكن الولايات المتحدة، وهي صاحبة القلم في ملف عقوبات السودان، رفضت تمديد النظام لعام آخر كما جرت العادة، ودفعت نحو تمديد تقني قصير حتى ٩ أكتوبر ٢٠٢٦، بينما مُددت ولاية فريق الخبراء حتى ٩ نوفمبر. القرار ٢٨٢٨ الصادر في ١١ سبتمبر ليس تفصيلًا إداريًا صغيرًا؛ إنه إبقاء متعمد للملف مفتوحًا حتى تتم مناقشة تغيير أكبر في بنية العقوبات. وقد ظل توسيع نطاق الحظر خارج دارفور موضع خلاف حقيقي داخل المجلس؛ روسيا تعارضه بصورة شديدة، كما أبدت الصين وعدد من الأعضاء الأفارقة تحفظات على توسيع نظام العقوبات. ولذلك فإن الأسابيع حتى ٩ أكتوبر ليست فترة انتظار؛ إنها معركة تفاوضية حول ما إذا كان مجلس الأمن سينتقل من إدارة الحرب إلى محاولة خنق مصادر استمرارها. وهذا هو السياق الذي يجب أن تُقرأ فيه أيضًا تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حين دعا إلى محاسبة الدول التي تواصل تغذية الحرب في السودان بالسلاح، وحذّر من أن الدعم العسكري الخارجي، بما فيه الأسلحة والتكنولوجيا والقدرات التي سمحت باستخدام المسيّرات ضد أهداف بعيدة، يفاقم الكارثة الإنسانية. وعندما يلتقي هذا الخطاب الأممي مع المسعى الأمريكي لتوسيع نظام الحظر، ومع العقوبات التي تستهدف شبكات التسليح، فإننا لا نكون أمام سلسلة تصريحات متناثرة؛ بل أمام اتجاه دولي يريد أن يجعل استمرار الحرب أكثر صعوبة ماليًا ولوجستيًا وسياسيًا. وليس معنى ذلك أن واشنطن قد حسمت المعركة داخل مجلس الأمن، أو أن روسيا والصين ستقبلان بسهولة؛ لكن مجرد نقل المعركة إلى هذه النقطة يعني أن قواعد اللعبة نفسها تتغير.
■ وما يزيد الضغط على بورتسودان أن واشنطن تحرص في الوقت نفسه على ألا تظهر وكأنها تستبدل الجيش بالدعم السريع؛ فهي تعاقب شبكات الطرفين، وتقول بوضوح إن أيًا من قائديهما لا يصلح لحكم السودان، وتدفع نحو هدنة إنسانية تعقبها عملية سياسية مدنية. هذه نقطة يجب ألا تضيع وسط الاستقطاب السوداني؛ لأن الخط الأمريكي المعلن ليس “انتصار الدعم السريع”، وإنما إخراج طرفي الحرب من حق احتكار مستقبل السودان. ولهذا فإن اللغة الأمريكية الجديدة أشد إيلامًا لبورتسودان تحديدًا؛ فالبرهان حاول طوال الحرب أن يقدم سلطته بوصفها “الحكومة الشرعية” وأن يربط بين الجيش والدولة، بينما بدأت واشنطن تفصل بين الاثنين بوضوح متزايد؛ السودان دولة، والجيش مؤسسة، أما السلطة القائمة في بورتسودان فهي عندها سلطة أمر واقع تتعامل معها عند الضرورة، دون أن تمنحها شرعية سياسية مفتوحة. وإذا جمعنا كل ذلك؛ “سلطة أمر واقع”، “لا مستقبل للبرهان ولا حميدتي”، حكم مدني بعد الحرب، تصنيف الحركة الإسلامية، عقوبات شبكات السلاح والتمويل، مشروع توسيع حظر السلاح، وضغط أممي متصاعد على الدول التي تغذي الحرب؛ فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت لغة واشنطن قد تغيرت، بل إلى أي مدى ستتحول هذه اللغة إلى أفعال خلال الأسابيع المقبلة؟ هنا تكمن أهمية اجتماعات الأمم المتحدة الحالية وما يجري خلف أبوابها بين واشنطن والقوى الإقليمية المؤثرة في السودان؛ لأن الولايات المتحدة لا تستطيع فرض خريطة ما بعد الحرب وحدها، لكنها تستطيع أن تبني حول أطراف الحرب شبكة من القيود السياسية والمالية والدبلوماسية تجعل رفض التسوية أكثر كلفة من قبولها.
■ أما القوى المدنية، وعلى رأسها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، والقوى الأوسع المناهضة للحرب التي بدأت تلتقي حول وثيقة “عملية السلام التي نريد”، فإن ما تبذله من جهد في توحيد الصف المدني وطرح بديل سياسي للحرب يستحق التقدير؛ لكن اللحظة الحالية تتطلب البناء على هذا الجهد والانتقال به إلى مستوى أكثر اتساعًا وحسمًا. فإذا كانت الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل في الانتقال من إدارة الحرب إلى التفكير في ترتيبات ما بعدها، فإن المطلوب الآن هو تسريع تشكيل أوسع كتلة مدنية ممكنة حول برنامج واضح ومحدد؛ وقف الحرب، حماية المدنيين، إيصال الإغاثة، استعادة الحكم المدني، تفكيك دولة الحرب، وبناء جيش قومي مهني واحد لا يخضع لحزب أو قائد أو مليشيا. وقد خطت القوى المناهضة للحرب خطوات مهمة في أديس أبابا حين انتقلت من مجرد رفض الحرب إلى بلورة تصور لعملية السلام التي تريدها؛ والمطلوب اليوم هو أن يتحول هذا الجهد إلى جبهة مدنية وطنية واسعة، موحدة الخطاب، قادرة على مخاطبة واشنطن والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والرباعية بصوت سوداني واضح، وأن تقدم نفسها باعتبارها صاحبة المشروع الوطني لما بعد الحرب، لا مجرد طرف في ترتيبات يصوغها الآخرون. فاللحظة لا تطلب من المدنيين أن يبدأوا العمل، فهم يعملون بالفعل؛ وإنما تطلب منهم أن يوحدوا ما يعملون عليه، وأن يحولوا الجهد المتفرق إلى قوة سياسية وطنية تفرض حضورها في صناعة السلام وشكل الدولة التي ستخرج من الحرب. لذلك فإن ما نشهده اليوم ليس إعلان حرب أمريكية على بورتسودان، ولا قرارًا معلنًا بإسقاطها؛ لكنه مرحلة انتقال من النصح إلى المحاسبة، ومن المجاملة الدبلوماسية إلى تسمية الأشياء بأسمائها، ومن الحديث عن وقف الحرب إلى الحديث عمّن يملك حق الحكم بعدها. وإذا مر توسيع حظر السلاح، أو تبعته عقوبات إضافية، أو تحولت عبارة “سلطة الأمر الواقع” إلى لغة ثابتة في الخارجية والبيت الأبيض والمؤسسات الدولية، فسنكون أمام تحول أكبر بكثير من تصريح لمسعد بولس؛ سنكون أمام سياسة أمريكية جديدة تقول للبرهان وحميدتي والحركة الإسلامية وشبكات الحرب كلها؛ لقد انتهى زمن شراء الوقت، وبدأت مرحلة ما بعد الصبر. ويبقى السؤال؛ هل بدأت واشنطن بالفعل مرحلة ما بعد الصبر، أم أننا لا نزال أمام الرسالة الأخيرة قبل أن تبدأ الفاتورة الحقيقية للحرب؟
