بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
البارحة كان الحزن يغمرني بسبب تراكم المعاناة التي ليس لنا من سبيل للفكاك من قبضتها والعالم كله صار يغلي على تنور ساخن. لكن اليوم استبشارا ببركة العشر الأواخر وتحسب ليلة القدر، أجد في نفسي نافذة انفراجة من نور، فحمدت الله
قال الراوي: كثيراً ما تعرضت – أنا وآخرون – خلال لقاءات الأنس، لفوائد ذكر الحنين إلى الماضي واسترجاع صور الأيام الجميلة واللحظات التي كانت تحتوينا وتغمرنا بفيض عواطف أناس نحبهم ويحبوننا. نتذكرها ونحن مشتاقون إليها. وإن باعدتنا السنين أو المسافات عن أماكن حدوثها، فإن لها جاذبية قوية “كالمغناطيس” تجرنا جراً إلى تصفح كتابها الممتع. تغمرنا بعلاج نفسي ونحن نستمتع فيها بلحظات التأمل ورؤية الصور وإن كانت قصيرة عابرة. قد يسميها آخرون حلماً أو يقظة. لكنها نوستالجيا حقيقية خالصة من الشوائب. هي “جواز السفر” عتيق، لكنه لا يشيخ. حر من القيود المفروضة على السفر، يصحبنا في حلنا وترحالنا من غير حاجة إلى تجديد أو ختم تصديق أو إذن عبور أو دخول
يختلف الناس في فهمهم أو حبهم أو كرههم لتذكر الماضي. لكن لماذا كثيرون يحنون إلى ذكريات الماضي فيتذكرون أحداثها، بل يعيشها البعض حساً وشعوراً في حلم اليقظة، معبرين على جسر يختصر مساحات المحيطات والقارات وتقادم عقود الزمن؟. كم من كاتب وقاص وشاعر كانوا يرسمون بالكلمات ليخلدوا ذكرياتهم وأيامهم ولياليهم الجميلة التي قضوها في صحبة المكان والزمان أو الحبيب. “ما بنسى ليلة كنا تايهين في سمر.…بين الزهور …. أنا وإنتَ والنيل والقمر”. صورة ناطقة تنقلنا إلى تلك الليلة التي كانت كلها ملك يد ذلك الشاعر مع محبوبته، قضوها في سمر من فيض روعته وبهجته ليس له حدود، جو رومانسي لا يعكره أي ضجيج سوى حفيف أوراق الشجر الخافت . “لا حارس ولا رقيب” أو كاميرا تصور وتسجل كانا يتجولان مرحاً بين الزهور والنيل والقمر. النيل هو رمز الحب والخير والعطاء بلا حدود، والقمر رمز الصداقة والهدوء والطمأنينة والحب والسلام. كلنا نحب القمر، نغني له ونتغنى به. في ضوئه تولد وتنمو وتزدهر ليالي الصحبة الطيبة والأنس الجميل. وشاعر آخر يصف كيف كانت أجواء ليلة سمره مع أصدقائه رائعة لا تُنسى، وكيف كان فيها تأثير “الصبوح بهجة الروح” قد بلغ بهم من النشوة “قمة”، جعلتهم نظماً ينثرون درر الكلام وهم يصورون بعدساتهم ذكريات أيام ضمتهم روحا واحدة تنعم بالحب والجمال والبهجة، أشعارهم هذه التي تركوها بعد رحيلهم ظلت تتدفق بيننا أنهاراً عذبة، جعلتهم أحياء بيننا يعيشون بل أخذتنا معهم في سياحات إلى أماكن كثيرة جداً ممتعة لا نتمكن نحن من زيارتها كما جاء في قصيدة كسلا جنة العشاق للشاعر السوداني توفيق صالح جبريل رحمه الله، التي من ضمن أبياتها قال:
نضر الله وجه ذاك الساقي
إنه بالرحيق حل وثاقي
فتراءى الجمال مزدوج الاشراق
يسبي معدد الآفاق
كان صبحا طلق المحيا نديا
إذ حللنا حديقة العشاق
نغم الساقيات حرك اشجاني
وهاج بي الهوى أنين السواقي
كسلا أشرقت بها شمس وجدي
فهي في الحق جنة الإشراق
وهذه لوحة أخرى من رسم كلمات الشاعر المصري علي محمود طه – “ربنا يرحمه ويغفر له” – نقلنا معه في رحلة جميلة على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط. ورغم سعادته والنشوة تسري في كيانه ولسانه، لم ينس وطنه وحبه له، وحاراته ووادي نيله وحتى أهراماته “وإن كانت من حجارة قديمة طال عمرها “!. كلنا في أشواق غربتنا الطويلة مثل ذلك الرجل!. ورحم الله محمد عبدالوهاب وعبدالكريم الكابلي، لحّنوها وتغنّوا بها، فطربنا معهم:
أين من عيني هاتيك المجالي
يا عروس البحر يا حلم الخيالِ
أين عشاقك سمار الليالي
أين من واديك يا مهد الجمالِ
موكب الغيد وعيد الكرنفال
وسُرى الجندول في عرض القنال
أين من عيني هاتيك المجالي
يا عروس البحر يا حلم الخيالِ
مربي مستضحكاً في قرب ساقي
يمزج الراح بأقداح رقاقِ
قد قصدناه على غير اتفاقِ
فنظرنا وابتسمنا للتلاقي
ذهبي الشعر شرقي السمات
مرح الأعطاف حلو اللفتات
قال: من أين؟ وأصغى ورنا
قلت: من مصر غريب هاهنا
قال: إن كنت غريباً فأنا
لم تكن فينيسيا لي موطنا
أين من فارسوفيا تلك المجالي
يا عروس البحر يا حلم الخيالِ
قلت والنشوة تسري في لساني
هاجت الذكرى فأين الهرمان
أين وادي السحر صدّاح المغاني؟
أين ماء النيل؟ أين الضفتان؟
لكني أنا وصحبي، وقد تجاوزنا طور المراهقة ومتاهاته، كانت أيامنا غير تلك. فقط جمعتنا الصدفة في مدينة جامعية في أقصى شمال الكرة الأرضية. جمعتنا شعوباً وقبائلاً، أفارقة وعرباً وآسيويين وأوروبيين، فتعارفنا على بركة الله. صرنا صحبة غربة، وصحبة كد وجد، وسهر ليالٍ بين الكتب وفي ردهات المستشفيات. كنا صحبة نظيفة ومحبة أخوية صادقة في سبيل الله. إضافة إلى ذلك كانت صحبة تعاون وبحث عن أماكن بيع الطعام الحلال من لحوم ولوازم الحياة في مجتمع لا يفقه ما تعنيه كلمة “حلال”. كانت تجمعنا “فيلا” صغيرة كل يوم جمعة لأداء الصلاة، وكذلك خلال شهر رمضان والأعياد. فالمكان الذي نصلي فيه وإن غادرناه لا يموت. تبقى جدرانه حافظة لأصوات دعائنا، وسجداتنا، ولمسات جباهنا على سجاديده. من تلك الفيلا الصغيرة التي لا ننساها ونحتفظ بصورها إلى الجامع الكبير، لم تكن فقط رحلة مكان، بل كذلك كانت رحلة إيمان، وعزم قصتها تطول
كنا أيضاً طلبة يجمعنا معهد اللغة، إضافة إلى أننا طلبة دراسات عليا في تخصصات مختلفة، كل في مجال مهنته. كانت تجمعنا جامعة عريقة. كغيرنا من طلبة العلم كنا نسبياً فقراء بمقياس زمننا ذاك مقارنة برفاقنا الذين أكملوا فقط أربع سنوات دراسية في الكليات الإنسانية والنظرية، وصاروا يعملون في البنوك والسفارات والمؤسسات الحكومية. لكن الحالة – بفضل الله – كانت مستورة، وأيضاً بفضل المنح الدراسية التي حصلنا عليها من الجامعة ومؤسسات كانت تدعم مشاريع البحوث العلمية. الأهل – جزاهم الله خيراً – لم يقصروا معنا عند الطلب. النفوس والقلوب كانت طيبة جداً. ورغم الحال، أيدينا لم تكن مغلولة إلى الأعناق، ولا مجال لها لكي تبسط كل البسط. كانت الدنيا ليست همنا ولا منتهى مبلغ علمنا. كان حولنا يعيش ويحوم الجمال من “ذوات” العيون الزرقاء و”الشقر” الملهمات، كما وصفهن شاعرنا وأستاذنا أبو آمنة حامد رحمة الله عليه. ومن روائع الشعر قال: “سال من شعرها الذهب…. فتدلى وما انسكب… كلما عبثت به ريح….. ماج واضطرب”، لكننا تعاملنا مع مثل ذلك الجمال بكل أدبّ واحترام
كنا بحمد الله قبل انتشار الانترنت وحتى ظهور الإميل وتسونامي العولمة نعيش زمناً مختلفاً، زمناً كانت للساعات وقعها، وللأيام طعمها، “وللسنين” بركتها التي لا تنقص وتموت. كنا نزرع الذكريات، لا نشتريها جاهزة من “شاشات” لا تنام. كنا نصنع الصداقات الحميمية بجهد المحابر واللقاءات، لا بضغطة زر على “تطبيق” زائل. كنا نحس أننا أقرب إلى الله – كنا أفضل ورعاً وسلوكاً من حالنا في زمننا هذا. وكذلك في جملة فهمنا وإيماننا وصدق نياتنا وتعاملنا مع الآخرين وطاعتنا في الله. لم نكتف بالحصول على الدكتوراه والتخصصات العلمية وما فوق الدكتوراه، بل آفاقنا تفتحت نحو ولوج عوالم أخرى أكبر. تعلمنا أن لا نجعل أيدينا تظل مكتوفة تسجنها قواعد ومستلزمات المهنة. تعلمنا أن أبواب العلم واسعة، لكن لابد من دخولها حسب الضوابط الشرعية التي تنظمها. فالهواية لا تعني الوصول إلى درجة المهنية والكمال. تعلمنا – طالما المخ بحمد الله معافى – أن لا نتركه يتقوقع – أن نستخدمه بكل طاقته ومنطلقاً لكن في كل ما يفيد، نفكر ونسأل “لماذا؟”، قبل أن نتخذ قراراً عشوائياً في حياتنا من غير وجود دليل مقنع. تعلمنا كذلك مصاحبة الخيار الصالح من البشر،”النوع” الذي يزيده الإحراق طيبا، وتعلمنا تجنب “ما دونه”، بل نسيانه من الوجود لأنه وإن لم يضر فلا يفيد
رغم قلة عددنا وحيلتنا، تمكنا – بفضل الله – بقيادة إبن السودان البار، إمامنا وقتها، الأخ السيد عزالدين أحمد آلعبيد، رئيس جمعيتنا التي كوّناها، أن نحسن من وضعنا كمسلمين في غربة مجهولة الهوية الإسلامية والمدى. كان هدفنا الترقي من إمتلاك فيلا تجمعنا إلى تشييد أول جامع في تلك المدينة. وأيضاً أن نرفع من قيمة الجالية المسلمة وهويتها بأننا مسلمون “مسالمون”. ولنا خلق وأخلاق وأعراف راقية “إنسانية ودينية” تحكمنا. هدفنا الذي أعلناه أن نكون كمسلين “انموذجا” يحتذى، داعين للسلام والإسلام وطريقه الصحيح ولسنا مهرجين مفرقين ومخربين. والحمد والشكر لله، بتوفيق من فضله، في خلال صيف عام ١٩٩٦تم مرادنا. كان الافتتاح حفلاً كبيراً بهيجاً ومفرحاً، حضره كبار المسؤولين السويديين الذين كانوا في البداية متخوفين من فكرة تشييد جامع في تلك المدينة . لكننا أقنعناهم وطمأنناهم. ومن بعد دخل كثيرون من ابناء السويد طوعيا بإرادتهم دين الأسلام “إناثا ورجالا”، وهذا موضوع قصته يطول شرحها
ويستطرد الراوي فيقول: عثرت هذا الأسبوع على شريط فيديو قديم، كنت قد سجلت فيه للتوثيق نشاطنا في ليالي أول شهر رمضان مر علينا ونحن وقتئذ كنا نستمتع باللقاء والصلاة والمحاضرات في أول جامع يخصنا معشر المسلمين. كان واسعاً جميلاً ومريحاً مقارنة بالفيلا الصغيرة . صار – بحمد الله – علماً مشهوراً يشار إليه في تلك المدينة، وبجواره تم إنشاء محطة وقوف للباصات تُعرف باسم “محطة الجامع”. كانت احتفالية أول “ليلة قدر” مباركة في عمر الجامع الجديد، وجدتها مسجلة في شريط الفيديو القديم الذي كنت أحتفظ به طيلة هذه السنوات. وأنا أشاهد هذا الشريط في هذه الليلة الرمضانية المباركة، تذكرت قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. وتأملت، كيف أن الذكرى الجميلة هي أيضاً “قدر” من الله، نعيش به لحظات مضت في لمح البصر، لكنها خير من آلاف الشهور التي نعيشها بلا روح. هي “قدر” من الزمن اختزله الله لنا في صور ومشاعر نستعيدها في لمحة تأمل في “نور على نور”
كنا خلال كل رمضان نتطوع بالتبرع بتكاليف إفطار الصائمين “العُذَّاب” في داخل حوش الجامع. كان يأتينا قراء “حفظة” من إنجلترا خلال شهور رمضان، وكذلك “علماء” من دول عربية يحاضرون، وكنا نستفيد من علمهم. هذه الصورة قد طال عليها الزمن، لكنها بالنسبة لي كأنها حدثت ليلة الأمس القريب، أمامي حية على الشاشة وجوه أعرفها حق المعرفة، ولا أنسى حتى أصوات حناجرهم عندما يؤذنون أو يقرأون القرآن أو يحكون قصة أو نكتة. فتأثرت لأن أرواح معظمهم قد صعدت إلى السماء وتركوا فراغا كبيرا . أرجو من الله أن يكرمهم بالفردوس الأعلى. كانوا نعم الصحبة. فارق السن واللون واللغة والمهنة أو مستوى الثقافة والعادات لم يفرقنا. رحمة الله على من رحلوا عنا وكانوا حاضرين تلك الليلة أذكر منهم: (الباكستاني محمد أخلاق الذي كان فعلاً أنموذج الخلق الرفيع، الإريتري المعلم الأستاذ والأب القدوة حاج آدم بندر، السوري البشوش عمر السارة، أخي وزميلي السوداني الكريم المضياف دكتور الجعلي أحمد محمود التوم، وأخي وزميلي الرجل الرقيق الرزين دكتور عادل نورين، والمؤذن حارس الجامع الرجل الطيب الكردي وزميلنا في أيام منى وعرفات، المدعو “همبر” وغيرهم… القائمة تطول )، عليهم جميعاً رحمة الله. ورحم الله العالم السوري الزائر الشيخ الدكتور المحاضر “أحمد المفشي”
لقد شدني تناسق ووضوح وديناميكية هذه الصور التي يوثق بها ذلك الفيديو تلك الأيام الرائعة. صور تذكرني بأن رحلة الحياة ونعيمها قصير جداً لا يدوم، لكن تبقى فقط الذكريات الجميلة والسيرة آلطيبة. والذين يغادرون الدنيا تبقى ذكراهم، ولا تذهب معهم نعمة من نعم الدنيا سوى حصيلة أعمالهم صالحةً أم غير ذلك
لو كان بيدي قدرة معجزة أجرُّ بها عجلات الزمن عقوداً إلى الوراء لفعلت. ستكون أحلى رجعة إلى تلك الأيام التي كانت رائعة ببساطة الحياة وقناعتنا واكتفائنا بما في اليد. رغم التواضع، كان زمناً فيه بركة. كنا أكثر سعادة مقارنة بيومنا هذا
أعزائي القراء الكرام، أهلاً برمضان المبارك، إنكم ترونه يمضي سريعاً كما عهدناه. ومعظم أهلنا السودانيين الذين نتذكرهم اليوم بل في كل ساعة، للأسف الشديد قد شردتهم الحرب المدمرة، جعلتهم يصومونه على أرض لم يعهدوها، وحنينهم أبداً لأول منزل. ربنا يرد غربتهم سالمين، وأُهنئكم وإياهم بهذا الشهر الفضيل المبارك، غفر الله لي ولكم فيه. تذكروا كل أيامكم التي كانت جميلة تملأها البركة. لا تنسوها وأثرها الطيب في نفوسكم وقلوبكم. لا تنسوا جمال الصحبة الرحبة والرحيمة. لا تنسوا كل وجه كانت لكم معه تبادل تحية وكلمة طيبة أو ابتسامة، ولقمة عيش تقاسمتموها. فلتكن ذكراكم لهم نوراً على نور، فنور الماضي الجميل يضيء لكم حاضركم، ونور “ليلة القدر” يا رب يبارك لكم في مستقبلكم. لا تجعلوا للحزن طريقاً إلى لياليكم يعكر صفوها. تذكروا من أحببتم، وتصدقوا على كل من رحلوا، فذلك “نور في القبور، ونور في الصدور”. وكل عام وأنتم بخير وسعادة في نور الله وحفظه وربنا يجعل لياليكم كلها مع أهلكم وأحبابكم كليلة قدر لا تغيب ولا تنتهي
عبدالمنعم
هذه المرة، من حرم جامع أوبسالا – السويد:
وإن كنت اليوم في السويد قاطناً وبعيدا
فالسودان في السويداء عندي ساكناً وقريباً
هذه خاطرة – ولدت بمناسبة تذكري لمساء يوم ليلة القدر بجامع أوبسالا الجديد، الذي تم افتتاحه في صيف العام ١٩٩٦
Alarabi AA March 2026 © ،Sudanile
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم