رهان “الدعم السريع” على انفصال دارفور

زوايا
حمّور زيادة

أعلن الحاكم العسكري لإقليم بيافرا (شرقي نيجيريا)، في مايو/ أيار 1967، استقلال الإقليم عن السلطة الاتحادية في الدولة الأفريقية التي كانت قد دخلت حينها دوامةَ الانقلابات العسكرية بعد سنواتٍ قليلةٍ من نيل استقلالها عن بريطانيا. أدّى إعلان استقلال الإقليم إلى نشوب حرب أهلية دامية استمرّت قرابة ثلاث سنوات، قبل أن تُهزم أحلام إقليم بيافرا الانفصالية، ويُجبر قادته على إعلان الاستسلام. خلال تلك السنوات، لم تكن بيافرا مجرّد تمرّد مسلّح، بل سلطة انفصالية سعت بجدّية إلى بناء كيان سياسي مكتمل: مؤسّسات مدنية، وعملة متداولة، وإذاعة رسمية، وجهاز إداري، مع خطابٍ سياسيٍّ واضحٍ يقوم على مظالم شعب الإيغبو في شرقي نيجيريا، ومطالب بحماية الهُويّة والموارد والتمثيل السياسي، غير أن ذلك كلّه لم يكن كافياً لضمان الاستمرار.

لم تكن تلك المحاولة الانفصالية الأولى في القارّة الأفريقية ولم تكن الأخيرة (ولن تكون)، لكنّها جاءت في سياق عالمي وإقليمي رافض لانقسام الدول الأفريقية التي حصلت على استقلالها وفق الحدود السياسية التي وضعها الاستعمار. كان فتح باب الاعتراف بالمحاولات الانفصالية يعني انفراط عقد القارّة التي تقف على حافة بركان. لذلك جاءت لاحقاً حكومات انفصالية استمرّت سنواتٍ من دون اعتراف، مثل إقليم أرض الصومال، والوضع في ليبيا، مع معارضة مستمرّة من المؤسّسات الأفريقية لأيّ محاولة اعتراف بالحكومات الانفصالية.

لكن ما يحدث مع أرض الصومال تحديداً هو ما يغذّي الأمل لدى حكومة الدعم السريع الموازية في إقليم دارفور، غرب السودان. إذ انتقل الحلم من السيطرة على السودان كلّه إلى حكم جزءٍ منه. السعي إلى إسقاط النظام العسكري السوداني القائم حالياً وحكم السودان كلّه هو الحلم الذي أعلنه أكثر من قيادي في حكومة “تأسيس” الموازية عند إعلانها: إنها حكومة لكل السودان، ولا تسعى إلى فصل جزء منه. لكن الواقع منذ اليوم الأول أن فكرة الدولة لم تنظر إلى الخرطوم وكل السودان، إنما نظرت إلى الانفصال. لذلك عملت في تخريب العاصمة القومية وهدمها، ثم انسحبت منها لتعلن سلطتها في إقليمَي دارفور وكردفان.

لم تحصل السلطة الوليدة في غرب السودان على أي اعتراف دولي. بل تلقّت عدّة إنذارات بعدم الاعتراف، وتهديدات بالعقوبات في حال الاستمرار في تقسيم البلد المثقل بالصراعات. لكنّها، رغم ذلك، تسعى إلى فرض وجودها حتى تصبح أمراً واقعاً مثل إقليم أرض الصومال، في انتظار الاعتراف بها مقابل ثمن تؤدّيه؛ وهو ثمنٌ قد لا تحتاج فيه إلى موقع بحري مثل الإقليم الذي انتعشت آماله في الاعتراف أخيراً. تخبرنا تجربة بيافرا بأن الزمن ليس دائماً صديقاً للمحاولات الانفصالية، إلا أن هزيمتها تحتاج إرادة سياسية وشعبية ترفض الانفصال، ومن الضروري توفّر هذه الإرادة لدى الطرفَين، حتى لو غابت عمّن يقودونهما. ولعلّها النقطة الأهم في رصيد المحاولة الانفصالية هذه؛ لأن هذه الإرادة تبدو غير واضحة، بل ربما غائبة، تحت ضجيج السلاح وخطابات الحرب والتعبئة. ووسط ذلك، تنتعش خطابات الكراهية والتحريض القبلي والتجييش العرقي مع انتشار المليشيات والسلاح.

ربما الفارق الجوهري بين مغامرة قوات الدعم السريع، بإعلان حكومتها الموازية، وفشل تجربة بيافرا، أن نيجيريا رغم الحرب كانت لديها دولة مركزية قوية أعادت ترتيب نفسها وأولوياتها لتحافظ على الوحدة، لا لتنتصر على تمرّد عسكري. لذلك اعتمدت سياسة “لا منتصر ولا مهزوم” سعياً إلى عدم تفكّك الدولة، وإن كانت رغم ذلك ما زالت تعيش آثار الاقتتال الأهلي والتمرّدات المسلحة. كما أن الدولة الشابة التي استقلت حديثاً كانت لا تزال قادرةً على توفير متطلّبات الاستقرار لمواطنيها ولم تتعرّض للتجريف عقوداً؛ وهو ما لا يتوافر للنظام العسكري الحاكم في السودان.

تعلمنا التجارب الأفريقية أن الانفصال لا يحتاج فقط إلى سلاح أو طول زمن، بل لا بدّ من فراغ سيادي، وقبول مجتمعي واسع، وتسامح دولي. لذلك تبدو الدولة السودانية بحدودها الحالية في خطر. وربما مغامرة “الدعم السريع” ليست أمراً عابراً، بل ستكون لها ارتدادات عنيفة. فرغم أن هذه العناصر لم تكتمل بعد في الحالة السودانية، إلا أن الزمن قد يوفّرها، خاصةً مع بيئة خصبة تعتبر الانفصال حلّاً سحرياً للمشكلات العميقة التي تواجه البلد الهشّ.

عن حمور زيادة

شاهد أيضاً

محكمة الجنايات الدولية تطرق أبواب السودان

زواياحمّور زيادةاتّهمت نائبة المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، نزهت شميم خان، قوات الدعم …