Sudanile-Logo-SQ

رواية 48 ملحمة أم درمان وسوق العيش.. حينما يكتب التاريخ من قاع المدينة

بقلم: عبدالله بشرى يوسف
elhashmi2004@yahoo.com

خصني الدكتور محمد المصطفى موسى بمخطوطة روايته الأولى المعنونة “48” تحت الطبع، والتي تلت مجموعتين قصصيتين (منضدة وأوراق، وكافينول) وسفر مجيد في التاريخ بعنوان “الأصداء العالمية للثورة المهدية”. ها أنذا أقلب روايته الملحمية بشغف والتي بلا شك سوف تحدث زلزالاً ثقافياً على مستوى النص والتاريخ، محركاً ساكنه ومعيداً للناس شيئاً من عبق السودان المفقود. لغتها الرفيعة الجزلة تندر هذه الأيام، ونجاحه في حياكة الأحداث التاريخية مع المتخيلة يدل على بروز روائي عالي الكعب من براثن الطب، حيث تخصص كاتبنا في الجراحة وطب الأسرة معاً.

تأخذنا “48” في رحلة زمنية مكثفة، تعود بنا القهقرى إلى خواتيم حقبة الاستعمار البريطاني وتحديداً الفترة ما بين 1937 – 1948م، لا لتروي التاريخ من شرفات القصور أو مكاتب الساسة، بل لتكتبه من “قاع المدينة”، وتحديداً من رئتها التي لا تهدأ: “سوق العيش” في مدينة أم درمان. هذا السوق الذي ظل صامداً عبر الحقب يشهد على التحولات الكبرى منذ ذاك الوقت.

في هذا العمل الملحمي، يبرع الكاتب في تحويل السوق من مجرد حيز مكاني لتبادل السلع، إلى مسرح كوني مصغر يعج بالصراعات الكبرى. هنا، في العام 1948، تتشابك خيوط الهوية الوطنية مع أطماع الرأسمالية الوافدة وصراعات الطبقة الكادحة، تحت عين الإمبراطورية التي بدأت شمسها بالتلاشي ..
شخوص من لحم ودم وتاريخ
يُحسب للرواية قدرتها الفائقة على نحت شخصيات لا تُنسى. يطالعنا “رافائيل البعلبكي”، التاجر اليهودي الذي يتلوّن كالحرباء، مرتدياً الطربوش تارة والكيبا تارة أخرى، ليجسد الرأسمالية التي لا وطن لها سوى الربح. وفي المقابل، يقف “عوض الكريم منصور”، صوت الجيل الجديد المثقف، سليل الأمير المهدوي الذي يحمل هموم “الغلابة” ووعي النخبة في آن واحد.

ولا يمكن لقارئ “48” أن يتجاوز شخصية “ماتريد”، تلك المرأة الزاندية الأيقونية التي تمثل “قانون السوق” غير المكتوب. هي ليست مجرد صاحبة “إنداية”، بل رمز للسلطة الشعبية التي تفرض هيبتها على الجميع، من العتالين إلى كبار التجار، وحتى المفتش الإنجليزي “همفري” الذي يراقب المشهد من مكتبه العالي في مبنى البلدية قبالة قبة الإمام المهدي في رمزية بالغة الجسارة والتحدي.

صراع الهوية والمصير
تتصاعد الحبكة الدرامية بذكاء هندسي، منطلقة من صراع السيطرة على تجارة السمسم، لتتحول إلى معركة كرامة ووجود. نجح المؤلف في تصوير نزال “العتالين” بين “سيد الرجال” و”الدقوني” ببراعة سينمائية تحبس الأنفاس، جاعلاً منه رمزاً لصراع الخير والشر، والأصالة والعمالة، وهو الصراع الذي استمر طوال تاريخ السودان بين الوطنيين وأذيال المستعمر.
كما تميزت الرواية بالغوص الجريء والعميق في عوالم المجتمع اليهودي في السودان آنذاك، مبرزة التناقضات بين يهود “السفارديم” و”الأشكناز”، وحالة التمزق بين الانتماء للأرض السودانية وبين إغراءات “أرض الميعاد” المزعومة، وهو ما تجلى في شخصية “إيديل” ..الفتاة اليهودية الحائرة والباحثة عن إنسانيتها بعيداً عن صراعات الدم والمال.

لغة التجاسر: الجزالة وفتح عوالم المعاني
تتجاسر الرواية على اللغة السائدة، لتقدم أسلوباً فنياً فريداً يجمع بين الجزالة والتجذر في المحلية. كتب الدكتور محمد نصه بلغة عربية رصينة، لغة تشبه رائحة الدعاش، طعّمها بذكاء بمفردات العامية السودانية المحببة (الإنداية، ككر، العتالين، القنديلة، سوق العيش)، مما أضفى على العمل مصداقية عالية وواقعية مدهشة، جاعلاً القارئ شريكاً في الحدث لا مجرد متفرج.
تكمن خصوصية هذا الأسلوب فيما يلي:

  • التجاسر على التراكيب الروائية التقليدية: تتميز لغة النص بـ البنية الجُمليّة الكثيفة، حيث تكون الجمل مركبة وطويلة، تحمل أكثر من معنى في آن واحد، لا تعقيداً بل إثراءً، وتستعيد متانة السرد العربي القديم مع روح العصر. كما يتميز النص بـ ديناميكية عالية في استخدام الفعل الماضي والمضارع لإضفاء حركة مستمرة، واستخدام المفارقة التعبيرية لإضافة عمق فلسفي.
  • “غرائب المعاني” وبناؤها من التناقض: تتجلى غرابة المعاني في قدرة الرواية على بناء رموزها من الأضداد؛ فـ “رافائيل البعلبكي” هو تاجر حداثي يحمل في داخله ماضي الجذور المقتلعة، مما يمنحه معنى “الرأسمالية الطفيلية”. أما “عوض الكريم منصور” فيمثل معنى الهوية الجامعة، مازجاً إرثه كـ “ابن الأمير” مع إيديولوجيته كـ “طالب يساري”، وهذا التوليف هو جوهر المعنى السوداني العميق.
  • أسلوب العامية المنظومة: إن استخدام المصطلحات المحلية (عتالي، ككر وغيرها) يتم ضمن جملة فصحى رصينة. هذا المزج هو ما يخلق أسلوباً تعبيرياً خاصاً بالرواية، حيث تبدو المفردة المحلية منظومة في سلك الفصحى، مما يمنحها ثقلاً أدبياً.

بشكل عام، يمكن القول إن الدكتور محمد المصطفى موسى لم يكتفِ برواية قصة، بل عمد إلى إعادة تشكيل اللغة لتناسب حجم وملحمية قصته التاريخية والاجتماعية.

خاتمة
رواية “48” ليست مجرد حكاية عن الماضي، بل هي وثيقة إنسانية تنتصر للكرامة في مواجهة الجشع، وللهوية في مواجهة الطمس. حيث تنتهي الرواية بمشهد بديع يتحول فيه المصنع المحترق إلى عيادة خيرية، في إشارة ذكية لانتصار العلم والعمل الأهلي، وبقاء ما ينفع الناس في الأرض.
إنها عمل يستحق الاحتفاء والدراسة من النقاد والأدباء، ما يؤكد أن الدكتور محمد المصطفى موسى ليس مجرد طبيب ومؤرخ وقاص فقط، بل روائي يمتلك أدواته باقتدار، مقدماً للمكتبة السودانية والعربية إضافة نوعية سيبقى صداها طويلاً.

عن عبدالله بشرى يوسف

عبدالله بشرى يوسف