روح الدعابة في شعر محمد المكي إبراهيم .. بقلم: د. خالد محمد فرح
15 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
56 زيارة
Khaldoon90@hotmail.com
يوشك أن يكون هنالك تعارض تام ، وقطيعة كاملة بين الشعر الحقيقي ، وكذلك الفلسفة من جانب ، والهزل والفكاهة من جانب آخر على العموم. ذلك بأن كلا من الشعر والفلسفة هما من عظائم الأمور الوجدانية والعقلية على التوالي وجدياتها ، التي لا يصلح معها الهزل والتفكه والمزاح ، وخصوصاً من حيث المقصد العام ، أو المقاربة الكلية ، أو القالب العمومي ، وليس المقصود تلك الملامح المحددة ، اوالومضات المعينة التي لا يندر أن تنطوي على قدر يكثر أو يقل من حس الفكاهة او روح الدعابة في الشعر العالي نفسه ، وليس ذلك النوع من شعر المكايدات أو ” المكاواة ” والإخوانيات ، أو الشعر الهزلي و ” الحلمنتيشي ” الذي لم يخل منه مصر ولا عصر ، وهو ما لا يعنيا في هذا المقام.
أما كون أن الشعر الحقيقي هو أقرب ما يكون لدواعي الجد ، بل الحزن والهم والقلق والتأمل ، وربما الثورة والغضب أحيانا ، دون الهزل والتلهي ، فيشهد عليه ما يشيع بين مبدعي الشعر ونقاده المعاصرين على حد سواء ، من وصف العملية الشعرية ومكابدتها ، أو مخاض القصيدة كما يسمونها بانها: ” جمرة الشعر ” ، و” نار الشعر ” الخ.. أي أنها عملية ” مش هظار ولا لعب عيال ! “..
على أنّ كثيراً من الشعراء الحقيقيين الجادين في جميع البلدان واللغات ومن مختلف العصور ، لم تخل أشعارهم مع ذلك من تلك الومضات الفكهة. فكثير من الصور التي ينطوي عليها شعر ابن الرومي مثلاً ، هي صور فكاهية وباعثة على الضحك ، مثل وصفه للأحدب البائن الحدبة:
وكأنما صُفعتْ قفاهُ مرةً فأحس ثانيةً لها فتجمّعا
وكذلك المتنبئ ، على ركانته وجديته ، وقصده المتلئب دائماً إلى معالي الأمور ، والتجانف عن سفاسفها ، لم يخل شعره أيضاً من بعض الومضات الفكهة ، كوصفه للشحيح بمثل قوله:
بُليتُ بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه
وهل آنس المتنبئ مثل ذلك الشح وهو طفل صغير ، في جدته التي ربته ، نسبة لما يكون لدى العجائز عادةً من بعض الحرص والشح ؟.
أما أبو العلاء المعري ، فمهما اشتهر عنه وصفه بغلبة التشاؤم والحزن على نفسيته وشعره ، إلا ان شعره يتسم للمتأمل االبصير ، بروح دعابة حلوة لا يخطأها الحس والشعور. وما ذاك إلا بسبب نزعة السخرية الطاغية على شخصيته.
استمع إليه وهو يصف والده متسائلاً في قصيدته التي رثاه بها عندما توفي ، بالرزانة والتؤدة حتى في عرصات القيامة ، وقد اندفع الناس ” يتكابسون ” نحو نهر الكوثر لكي يشربوا من مائه ، وقد أخذ منهم العطش والعنت كل مأخذ في ذلك اليوم العبوس القمطرير:
فيا ليت شعري هل يخفُّ وقارهُ إذا صارَ أُحْدٌ في القيامة كالعهنِِ
وهل يردُ الحوضَ الرويَّ مبادراً مع القوم ، أم يخشى الزحامَ فيستأني ؟
ومثل هذا ” الاستهبال ” الظريف كثير في شعر المعري ، ومنه قوله يسخر من نفسه ذاتها:
دُعيتُ أبو العلاء وذاك مينٌ ولكنّ الصحيحَ أبو النزول
وبالجملة فإن حس الفكاهة وروح الدعابة يبدو أكثر فشواً في الشعر العربي التقليدي بصفة عامة ، منه في شعر الحداثة الذي تندر فيه هذه الخاصية عموماً ، ربما لاغترابه عن الروح العربية الطبعية الفطرية ، وقصده لتقليد الشعر الإفرنجي الغربي ، والنسج على منواله في كل شئ ، إلا في حس دعابة هذا الأخير ، التي تعذر عليه – فيما يبدو – أن يصطنعها اصطناعاً ، فاكتفى بالتكثيف ، والاختزال ، والتداعي ، والرمز ، والمخاتلة الدلالية ، والحوار الدرامي الخ .. أو إن شئت محض التجهم ، والغموض ، والالتواء ، والزمزمة أحيانا.
فحتى مظاهر الهزل و السخرية الكثيرة المضحكة التي ينطوي عليها شعر شاعر عربي حداثي مثل احمد مطر على سبيل المثال ، نجد أنها يغلب عليها روح الشعر العربي التقليدي ، وليس الحداثي.
على أن شعر التفعيلة الذي هو أقرب ضروب الشعر العربي الحديث آصرة بالشعر العربي التقليدي ، شكلا ومضموناً ، ربما وجدت فيه ملامح من روح الدعابة هذه.
فهذا هو الشاعر الكبير ” محمد المهدي المجذوب ” ، أمير الشعر الحديث في السودان ، وشيخ شعراء الحداثة في البلاد ، ينضح شعره بهذه الروح الفكهة في مثل قوله:
في بيت الفحل أبي السُّرة
جروٌ رباه على الكِسرة
اللهَ اللهَ على الكِسرة
بيضاء تهيج لها الحضرة … الخ
ومثل هذا كثير في شعر المجذوب.
هذا ، ولما كان الشاعر محمد المكي إبراهيم ، على علو كعبه وفرادة تجربته وتميزها ، من بين شعراء الحداثة في السودان ، أقرب تلاميذ محمد المهدي المجذوب شبهاً به ، من حيث التمكن والشاعرية ، فإنه كذلك لم يكن بدعاً في التحلي بروح فكهة لطيفة تتبدى بوضوح من خلال بعض مقاطع شعره الباذخ.
ولا غرو في ذلك ، فإن شخصية محمد المكي إبراهينم نفسها ، للذي يتهيأ له أن يقترب منه عن كثب ، تتميز بحس فكاهي رزين و مهذب وشفيف ، يذكرك بأسلوب الفنان: ” فاروق الفيشاوي ” في بعض كوميدياته ، لا بتهريج ” محمد عوض ” مثلاً و ” عواراته “.
فهو عندما يقول على سبيل المثال:
كيف تقوى العنادلُ تحت سماءٍ حديدية
مثل هذي على العندلة ،
نجده يشتق من اسم العندليب اسماً ، أو مصدراً آخر يدل على صوت هذا الطائر الغريد هو ” العندلة ” .. وتلك لعمري جسارة لغوية طريفة في بابها ، لعلها تذكرنا بجسارة ناثر وقاص وشاعر حداثي سوداني معاصر آخر ، هو الدكتور بشرى الفاضل ، الذي كثيراً ما يعمد إلى بعض التحويرات الدلالية لبعض الألفاظ ، مما يضفي عليها مفارقة وجرساً طريفا ، مثل اشتقاقه في بعض قصصه لعبارة ” أزرق اليمام ” من ” قصة ” زرقاء اليمامة ” التراثية المعروفة ، وتجريده للوصف ” أجرد ” او ” أجرود ” من اسم الجراد ، وهكذا.
ولعل من أبرز وأشهر مواضع الفكاهة والسخرية في شعر ود المكي ، قوله الذي سارت به الركبان في وصفه لبعض الناس في قصيدته ذائعة الصيت: ” قطار الغرب “:
الباعة ملحاحون وحلاّفون
ولهم آذانٌ تسمع رنّةَ قرشٍ في المريخ
ويمضي ود المكي في سكِّ المفردات الجديدة الطريفة ، تفريعاً لها واشتقاقاً من الألفاظ السائرة ، فنراه قد أورد الفعل ” يتنبّعْ ” من النبع ، في أكثر من موضع من قصائده .. مثل قوله في قصيدته ” غمائم “:
يتنبّعُ الجفاف .. أقبل الدّرتْ
والدّرتْ بدال مشددة مفتوحة وتاء ساكنة ، هو موسم استواء المزروعات ونضجها وحصادها في السودان. وهو موسم خصب وخير وبركة ، ومن ذلك قولهم في التحية ” عافية درتْ ! “.
وهذه صورة طريفة وفكهة اخرى تطالعنا في قصيدته ” أصبع الشمس “:
على اعتابنا كان النهار يحكُّ لحيته ويرمقنا
فهذا الشطر ينطوي على استعارة مكنية كما يقول البلاغيون ، حيث أن الشاعر قد شبه فيها النهار بشيخ ملتحٍ ، ولكن هذا الشيخ كأنه مستاء أو قلق ، عن سأم أو عن عجلة .. وكأنه يرمقهم بنظرة يريد أن يوحي لهم من خلالها بأنه يتأهب للرحيل.
وختاماً في قصيدته ” تعويذة ” التي كتبها بُعيد اندلاع انتفاضة أبريل 1985 ، يستخدم ود المكي لغة تراثية طقوسية ، مستقاة من الفولكلور أو الموروث الشعبي السوداني ، كما يتبدّى بصفة خاصة في عوالم العرافات ، وقارئات البخت ، والرواقي بالتعاويذ ، وبخور اللبان الذكر ، وذاك لعمري هو ملمح في غاية الطرافة:
أخرجي من ثرانا
من مدائننا وقرانا
من دفاتر أحوالنا
ومحابر أطفالنا
أخرجي من ربوع البلد
أخرجي أنت مطرودة للأبد
ولعلّ المقصودة بهذا الطرد والزجر من قبل الشاعر هنا ، هي تلك ” الدكتاتورية ” البغيضة ، التي أراد أن يعوِّذ البلاد منها ، وقد استدعى في ذلك بلا شك ، قول النساء في السودان مثل هذه المواطن:
أخرجي .. يا عين يا عنية
يا كافرة يا نصرانية
عين الفتاة تقد الواطاة .. إلى آخر تلك التعويذة التراثية الشهيرة.
/////////