عبد الله علي إبراهيم
أقرأ كتاباً عن الدولة النيجيرية (2010) سمى تعاسة مواطنيها بها “الإزراء abjection”. وشرح محررا الكتاب كيف وقع لهم المفهوم. فقد مرا يوماً في إبادان بجثة متخثرة على الشارع لا يحفل بها أحد. ووجدا أنه في عام واحد أزاحت سلطات لاغوس 2465 جثة عن الطرقات. وساقهما تأملهما في هذه الحالة “من تزبيل” المواطن (صيرورته مفردة في زبالة المدينة) إلى النظر في أداء دولة ما بعد الاستعمار. ونظرا كثيراً في أدب الإزراء العالمي مثل كتاب جوليا كريستيفا المعنون “شوكة الرعب: مقالة في الإزراء”. ثم خرجا من دراستهما بوجوب أن يكون لدولة أفريقيا لما بعد الاستعمار عِلمها السياسي الخاص لا يلتزم حرفية العلم الأوربي الذي نضل به مبحرين في مفهومات أوربية مثل: ما أضرار الفدرالية؟ ما أخطار الإثنية؟ وما عقابيل الفساد؟ واتفق للكتاب أن الطريق لفهم أفضل لهذه الدولة هو أن نتحرى الفضاءات التي تلقى الدولة المواطن ويلقاها للخدمة ومحصلة ذلك. فالمواطن الجثة على قارعة الطريق قد لقي الدولة كزبالة.
والإزراء هو ما يشعر بها غالب الناس من دولة ما بعد الاستعمار. ويثقل على الناس جداً ولا حديث لهم سواه متى عاد الواحد منهم من الجمارك أو المعاشات أو ديوان الزكاة أو صندوق دعم الطلاب. وقرأت أول أمس فقط ليسن حسن بشير عن مريضة انتظرت نحو عشرين ساعة ليراها أخصائي جراحة المخ في مستشفى خصوصي. وهذا إزراء. وقد بلغ سقم وول شوينكا، الكاتب النيجيري المرموق، بهذه الدولة حداً قال به أنه لا جدوى منها ووجب حلها لأن النيجريين سيكون أسعد حالاً بدونها. فهي أصلاً لم تنشأ لخدمتهم أو نفعهم. فلتمت الدولة ليعيش الشعب (لكل دولة 56ه).
من أشكال الإزراء التي عالجتها مقدمة الكتاب الممارسة المعروفة لدينا ب”زقلونا” أو “طردونا” أو “جبرونا”. وهي ما يطلقه المستضعفون على الأحياء التي “زٌقلوا” اليها بعد أن طمعت فيها الطبقة المتملكة للسلطان. جرى ذلك بترحيل الديوم في آخر الأربعينات لتخلى الأرض لنمرة 2 أو بترحيل العشش في الخرطوم لتنهض العمارات السوامق محلها: النزهة.
ومتى عرضت حالة كهذه على نخبة السودان اليسارية سارعوا إلى القول بأنها من فعل العقل الأسلاموعروبي الذي يشمئز من “الأفارقة”. وهذا سوء إطلاع كبير على علم السياسة الأفريقية. فالأفارقة يشمئزون من الأفارقة أيضاً إذا شئت. وخلافاً لهذا الفهم العرقي البسيط نجد الكتاب رد مفهوم “الزقلنة” إلى علم طبقية سياسة الإسكان كفضاء لتعامل المواطن مع الدولة. ويتحكم في هذا التعامل قانون قائم على “زقلنة” أحياء الفقراء (والعرق عامل هام في الإفقار بالطبع) وحلول أهل الامتياز مكانها. بدا فعل القانون باستئثار المستعمرين البيض بأرض الأفارقة ليخضعوا السكن فيها لهرمية عرقية صار بها “الحي البريطاني” هو الأعلى بحدائقه الخضيبة بينما “زقلوا” الوطنيين في بيوت حضارة القطاطي أو الطين. وقد واصلت صفوة الوطنيين الحاكمة هذا القانون فصاروا يتحرقون لحيازة الأرض الطيبة ويتركون الخبيثة للمستضعفين.
وضرب الكتاب الأمثلة. فمن أوسع عمليات الزقلنة في التاريخ الحديث ما جرى في زمبابوي. فقد قامت طبقتها الحاكمة بزقلنة خضع لها 700 ألف مواطن عرفت بما تعريبه “اكنس الزبالة”. وخضع للزقلنة حي ماركو في لاغوس وكان قذى في عين أهل حي جزيرة فكتوريا الزاهر. فأمر حاكم لاغوس في 1990 بهدمه وتشتيت أهله في الآفاق لينشأ في مكانه حيان راقيان هما لكي ومدينة حدائق فكتوريا. وتمظهر فعل قانون الزقلنة، وهو تفاعل إقطاع الأرض وممارسة الشوكة، في كينيا حيث اصبحت “الزقلنة” هي الطرد من أرض ما ليس لمجرد إخلاء جماعة مغضوب عليها، بل لمكافأة أهل الولاء.
التحليل على بينة العرق الذي طغى في علمنا السياسي الفطير ((underdeveloped أخفى عنا الطبقة. فصرنا طائراً كسير جناح. وصارت “الكنابي” مبلغ علمنا ومنتهاه.
ibrahima@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم