سقط كوشيب… البقية على الطريق

صدر الحكم، فارتجّ الصمت الذي طال، وتقدّم العدل بخطى بطيئة وواثقة. عشرون عاماً قضاها قرار المحكمة الجنائية الدولية في ميزان الزمن، تُسجَّل على اسم علي كوشيب، أحد أبرز وجوه الجنجويد، بوصفه مداناً بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. رقم السنوات هنا أقل أهمية من المعنى الذي حمله الحكم وهو يعبر المسافة بين الدم والنص، بين صراخ الضحايا ولغة القانون.

هذا الحكم لا يدّعي تضميد الجراح، ولا يزعم محو الرماد الذي تراكم على القرى والأجساد والذاكرة. قيمته الحقيقية أنه أعاد ترتيب العالم أخلاقياً، ووضع الجريمة في موضعها الصحيح، خارج تبريرات القوة وأساطير الحرب. قال للضحايا إن انتظارهم لم يكن عبثاً، وإن العدالة قد تتأخر لكنها تعرف بابها، وتحتفظ بأسماء الجناة مهما تغيّرت الوجوه وتبدّلت الشعارات.

شخصية كوشيب لا تقف عند حدود فرد مسلّح انفلت من عقاله؛ هي مرآة لبنية كاملة صُنعت فيها الميليشيا أداة حكم، وتحوّل فيها القتل إلى وظيفة، والإفلات إلى سياسة. في هذه المرآة ينعكس وجه التنظيم الذي رعاه ومكّنه، ويتمظهر شبح الدولة التي سلّحت وغضّت الطرف، ثم ادّعت الغفلة. الجريمة هنا لم تولد في الفراغ، بل نمت في ظل تحالفات صامتة بين السلاح والسلطة، بين خطاب الدين وسوق الدم.

رسالة الحكم تمتدّ أبعد من زنزانة تُغلق. تتجه نحو الكيزان الذين اعتقدوا أن التاريخ يُمحى بخطاب تعبوي، ونحو قيادات عسكرية ظنت أن الأوسمة تحجب السجلات، ونحو أسماء معروفة في تاريخ الانتهاكات، من البشير إلى شركائه، ومن أمروا ونفّذوا وصمتوا. ما جرى إعلان واضح بأن العدالة الدولية لا تنسى، وأن الذاكرة القانونية أطول من أعمار الأنظمة.

في زمن الحروب المتجددة، يحاول بعضهم الاحتماء بضجيج المعارك، والاختباء خلف خرائط النفوذ، والتفاوض بوهم النسيان. الحكم يبدّد هذا الوهم، ويقول إن الجرائم لا تذوب في الفوضى، وإن الدم لا يتحول إلى خبر عابر. كل تأجيل يحمل في طياته اقتراباً، وكل ملف مفتوح ينتظر لحظة النطق.

السودانيون، المثقلون بالجراح، تلقّوا إشارة نادرة على طريق العدالة. إشارة لا تكفي وحدها، لكنها قمينة بتذكير الجميع أن الساعة تدق، وأن الميزان، مهما اختلّ زمناً، يستقيم في خاتمة المطاف. هنا، يبدأ زمن المساءلة، وتُغلق أبواب الإفلات، ويُكتب فصل جديد يقول بوضوح: العقاب قد يتأخر، غير أنه يأتي.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

صبرُ السودانيين… ساحةُ حربٍ بلا سقف

يتقدّم المشهد السوداني بخطى مثقلة بالدم والرماد، حيث تتزاحم الوقائع العسكرية مع الكارثة الإنسانية، وحيث …