بعد شهورٍ طويلة من الحصار، دخلت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر بإحدى أكثر الهجمات دموية منذ اندلاع الحرب، مرتكبةً مجازر واسعة شملت إعدامات ميدانية، وهجمات ذات طابعٍ عنصري، واعتداءاتٍ على المستشفيات والملاجئ.
بريق أمل وسط أوجاع الحرب
بعد شهورٍ طويلة من الحصار، دخلت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر بإحدى أكثر الهجمات دموية منذ اندلاع الحرب، مرتكبةً مجازر واسعة شملت إعدامات ميدانية، وهجمات ذات طابعٍ عنصري، واعتداءاتٍ على المستشفيات والملاجئ. أحياءٌ بأكملها سُوِّيت بالأرض، انهارت الخدمات الطبية، وتفاقمت المجاعة مع استمرار إغلاق الممرات أمام المساعدات. وفي شمال كردفان، يعاني المدنيون المشهد ذاته؛ فالأبيض ترزح تحت حصارٍ خانق، ومدينة بارا تتناوبها السيطرة بين القوات المسلحة والدعم السريع، وكلا الطرفين مسؤول عن انتهاكاتٍ جسيمة بحق المدنيين، بما في ذلك ما سُجّل من جرائم داخل الأبيض نفسها.
وفي مختلف أنحاء السودان، يتكرّر النمط نفسه: مدنٌ محاصَرة، عنفٌ عشوائي، خطوط إمدادٍ مقطوعة، وجوعٌ يتمدّد بسرعةٍ بين الناس. لقد خنقت الحرب سبل العيش، أطاحت بالخدمات الصحية، ومحت مصادر الدخل، تاركةً الأسر، خصوصاً الأطفال، فريسةً للجوع والمرض والموت البطيء.
ورغم كل هذا المشهد القاتم، برز بصيصٌ من الأمل في الأفق. فقد أعلنت الرباعية إطاراً يتضمّن تسهيلاً عاجلاً لوصول المساعدات الإنسانية، وهدنةً تمتد لثلاثة أشهر تمهّد لوقفٍ دائمٍ لإطلاق النار، يليها مسارٌ تدريجي نحو الحكم المدني. موافقة الطرفين، الجيش والدعم السريع، لا تزال محصورة بالشق الإنساني، لكن القيمة الحقيقية لهذه الهدنة ستُقاس بمدى قدرتها على إنقاذ الأرواح، وفتح الممرات فعلياً والإبقاء عليها، وتفعيل آليةٍ رادعة للانتهاكات. فإذا ما صمدت هذه الترتيبات، يمكن لهذا الانفراج الهش أن يتحوّل من مجرد تحركٍ دبلوماسي رمزي إلى حمايةٍ ملموسةٍ للملايين من السودانيين الذين يعيشون أقسى فصول الحرب.
من الوعود إلى التنفيذ القابل للمساءلة
تعرف التجربة السودانية الطويلة مع الحروب أن أكثر ما يبدّد الأمل هو الهدن التي تُعلن بلا ضمانات. كم من اتفاقٍ لوقف إطلاق النار انهار قبل أن يجف حبره، لأن أحداً لم يضع له آلية تنفيذٍ فعّالة، ولا نظام مساءلةٍ يعمل عندما تُنتهك الالتزامات. لا ينبغي لمبادرة الرباعية أن تعيد إنتاج الدائرة المغلقة من البيانات والخروقات، بل أن تنتقل إلى تنفيذٍ منضبطٍ يَحمي المدنيين ويصون إنسانيتهم.
هدنةٌ ذات مصداقية تتطلب آليةً مستقلة للرقابة والتحقق، قادرة على توثيق الانتهاكات في حينها، واتخاذ إجراءات رادعة لا مجرد بيانات إدانة عندما يُستهدف المدنيون أو تُمنع المساعدات. المراقبة من دون صلاحيات لا تحمي أحداً، والدعوات الأخلاقية من دون عواقب قانونية تُبقي الناس في مرمى النيران.
ويجب أن يتحول الوصول الإنساني من موضوع تفاوضٍ إلى التزامٍ واجب النفاذ. الممرات الآمنة تُرسَم وتُؤمَّن في كل السودان، مع أولويةٍ للمناطق الأشد تضرراً والأصعب وصولاً، تحت إشرافٍ مستقل يضمن حيادها ويمنع توظيفها من أي طرفٍ مسلح. ويصاحب ذلك آليات فكّ الاشتباك الميداني، وخطط واضحة لإزالة العوائق الإدارية والأمنية، وجدولٌ زمني مُعلن لإيصال المساعدات ومراقبة الالتزام به.
والأهم أن يُدمَج الفاعلون المحليون والمدنيون في العملية الإنسانية برمتها، من تشخيص الاحتياجات، وتصميم التدخلات، وترتيبات الوصول، إلى التوزيع على خطوط التماس وآخر ميل، ثم المتابعة، والتقييم، وآليات الشكاوى وحماية المستفيدين. مجموعات النساء والشباب، وغرف الطوارئ، والكوادر المهنية المحلية، ليست ملحقاً رقابياً، بل شركاء تنفيذ يملكون معرفة المكان وشبكات الثقة، ويمكنهم التوسط، وتحديد الأولويات الواقعية، وتغذية صناع القرار ببيانات دقيقة وفي وقتها. فهؤلاء يمتلكون الشرعية المجتمعية والمعرفة الميدانية، ويمكنهم المساهمة في الوساطة لتسهيل إيصال المساعدات، وتعزيز التوافق حول أولويات الحماية المدنية. إن تمكينهم من المشاركة في كامل العملية الإنسانية، من التخطيط إلى التنفيذ والمتابعة، يوفّر تدفقاً فورياً للمعلومات حول الالتزام بالهدنة، ويعزز الشفافية والمساءلة.
تمتد إلى كل السودان، وتضمن أمن الممرات الإنسانية في جميع مناطقه. كما يجب أن يصدر قرارٌ ملزم يفرض تسهيل إيصال المساعدات دون أي عوائق، ويحدد بوضوح المسؤولية عن كل حالة تعطيل أو انتهاك لحق الوصول الإنساني. فمثل هذا القرار سينقل الموقف من دائرة الخطابة إلى ميدان الالتزام والمحاسبة.
إن الجمع بين الرقابة الدولية والمشاركة المحلية وآليات التحقق المستمرة هو ما سيجعل الهدنة تتجاوز حدود التصريحات إلى واقعٍ يحمي الأرواح فعلاً، ويحوّل النوايا السياسية إلى ممارسةٍ ملموسة تحفظ كرامة الناس وتفتح الطريق نحو سلامٍ حقيقي.
ما بعد الإدانات، ما الذي ينبغي فعله
تسير دورات الحرب في السودان على إيقاعٍ واحد: غضبٌ عالميٌّ حين تسقط مدينة، ثم نسيانٌ جماعيٌّ قبل أن يتبدّد الدخان. من جنيف إلى جدة إلى لندن، تبدأ كل جولةٍ بزخمٍ أخلاقيٍّ عالٍ وتنتهي إلى جمودٍ مُدار بعناية. ما ينقص ليس المعرفة بما يجري، بل الشجاعة لتغيير المنهج.
إن إنهاء هذه الحرب يتطلّب أكثر من دبلوماسيةٍ بين الدول، بل شراكةً حقيقية مع شعب السودان نفسه. فالمؤسسة الوحيدة التي ما زالت تعمل وسط هذا الانهيار هي المجتمع، بشبكاته من الشباب والنساء والمهنيين الذين يحافظون على الحياة في أصعب الظروف. هؤلاء هم حُماة بقاء الوطن، وهم أيضاً المهندسون الحقيقيون لتعافيه وإعادة بنائه. الملكية الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل مسؤولية تُمارَس. فإذا تم تهميش أصوات السودانيين، فإن حتى أكثر الهدن طموحاً ستتحول إلى هدنةٍ مُدارةٍ من الخارج، وإلى سكونٍ مؤقت يسبق الكارثة التالية.
ثلاثة أشهرٍ من الأمل لن يكون لها معنى ما لم ترافقها ضماناتٌ واضحة لوصول المساعدات، وآلياتٌ فعّالة للرقابة والمساءلة. فالرباعية، ومعها الأطراف الإقليمية، أمام اختبارٍ حاسم: هل سيحوّلون هذه الفرصة إلى أساسٍ لوقفٍ دائمٍ لإطلاق النار وإطارٍ موثوق لإعادة بناء السودان، أم سيكتفون بإدارة هدوءٍ هشٍّ حتى الانفجار القادم؟
طريقٌ نحو المستقبل، لا هدنةٌ مؤقتة
ستحدّد الأسابيع القادمة ما إذا كان السودان سيتجه نحو بدايةٍ للسلام أم إلى مزيدٍ من الانهيار. فالهدنة الإنسانية يجب أن تكون الخطوة الأولى في مسارٍ منظمٍ ومتدرّج يبدأ بوقفٍ فعليٍ لإطلاق النار وضمانٍ مستدامٍ لوصول المساعدات، ثم ينتقل إلى مرحلةٍ ما قبل انتقالية تُعنى بالاستقرار والمساءلة واستعادة الخدمات الأساسية، تليها مرحلةٌ انتقالية تعالج جذور الحرب وتعيد بناء الشرعية الوطنية ومؤسسات الدولة.
ويجب أن تبدأ المشاورات والحوارات بين المدنيين على كل المستويات المجتمعية، داخل السودان وخارجه، منذ الآن، وأن تستمر طوال المرحلة ما قبل الانتقالية، أولاً في كيفية الوصول إلى وقف إطلاق النار وإيقاف الحرب، ثم في استعادة الخدمات الأساسية، وضمان المساءلة، وبناء الثقة بين مختلف المكوّنات. وبعد تثبيت هذا الأساس، تُواصَل الحوارات لتصميم ملامح السودان ما بعد الحرب، بما يشمل إعادة مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة وبناء منظومة حكم تعبّر عن تنوّع المجتمع وكرامة مواطنيه. كما يجب أن تُسهم هذه العملية في رأب الصدع بين المجتمعات المحلية، والفاعلين المدنيين، والأحزاب السياسية، من خلال حوارٍ متواصلٍ يعيد الثقة ويصلح ما تصدّع في النسيج الوطني، ليصبح السلام ملكاً للسودانيين حقاً لا منحةً من الخارج.
وبالمعنى العملي، فإن المطلوب هو سودنة إطار الرباعية: أي أن تُصاغ تفاصيله وآلياته التنفيذية على أيدي المدنيين السودانيين أنفسهم، من خلال حوارٍ شاملٍ ومستمر يضمن أن تعكس الآليات والمعايير والمؤسسات واقع البلاد وإرادة الناس. فالمسؤولية لا تقتصر على الخارج في فرض الحلول، بل على الداخل في صياغتها.
السلام لا يُستورَد ولا يُفرَض. إنه ينشأ من داخل المجتمع السوداني نفسه، من الاعتراف بالمعاناة، ومن المشاركة عبر الانقسامات، ومن رؤيةٍ مشتركةٍ للعدالة والمساواة والحكم الرشيد. فإذا تطورت الهدنة الحالية إلى هذا المسار، يمكن للسودان أن يبدأ رحلة التعافي واستعادة مستقبله الجمعي. أمّا إن ضاعت الفرصة، فسيبقى السلام وعداً آخر كتبته الدبلوماسية على الرمال، ومحَته الرياح.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم