شقيقي عبدالله الشقليني: في رَحيـْل توأمــةٍ غـائبــة

جمال محمد إبراهيم الشقليني

برحيل عبدالله الشِّـقلـينيــ، تراجعَ النَّسـيج الذي كان يكمل بقلمه فجـوات كـتابتي..

لم أكن طفلاً محظوظاً بعـد ولادتي، إذ وُلـد توأمـي بعدي بنحـو عام ونصف، فكانت تلك توأمـة غـائـبـة عـن طواعية، وَعَـن طيبِ خاطـر.

كنتُ أرى في أحلامي شــغـفـاً بالرَّسـم والتلـوين، وأنتَ تشاركني تلك الهواية. قلتُ له : يا عبدالله أنت توأمي لنقتسم تلك الهواية بينـنـا.. خُـذ ألـوان الـمـاءِ يا توأمي، وأترك لِي أقلام الرُّصاص، فأنا أحبُّ ان ارسـم بها “أبيض وأسود”، لوحات “بورتريه”، لأعـلام أحببتهم وأحببتُ كتاباتهم وأشكال ابداعهم ومساهماتهم، سواءً في الثقافة أوفي السياسة أوفي الفن. رسمتُ فيما رسمت، بورتريهات لأعلام مثل المفكّر العـقـاد صارم العبارة، رقـيق النّظـم، أو وجوها كوجـهِ زعيم مثل جمال عبدالناصر، صعيدي الملامح، راسخ القـوام كشجرة أكاسـيا، أو للكابلي الذي أحببتُ ضَنّهِ بالوعدِ أوان ذاك ََ. ولكَ يا توأمي عبدالله، أنْ تعبث برسـمِِ الطبيعة ما شـاء لك العبـث بأشجارها وأزاهيرها كيفما تشـاء، أو مثلما يشاء مُعلمنا التشكيلي مبارك بلال الذي اختارني رئيسا لجمعية الفنون أوان ذاك في مدرسـة المؤتمـر الثانوية..

(2)

ضحكَ توأمي في سِــرّه، وخبَّـأ عَنّي هوايتـه في قراءة لاندسـكيب الفرح ، ثم صـار مُهندســاً مِعمـارياً يتعشّـق رومانسية الأبنية والحـدائـق، وتفزعـهُ مُكعَّبات

الأسـمنت. لكنه صمَّم لي صومعتي التي أوتْ أسـرتي الصغيرة في مدينـة المهندسين بأم درمان، مثلما هي صومعته.

ثمَّ تضيق الحياة المهنية عليه، إثر القبضة “الإنقـاذية”، فيقـرَّر الخروج من وحدة الهندسة وعمائر جامعـة الخرطوم، إلى اغتراب خليجي مُثمر لهُ ولأسـرته.

وتركني توأمي أغـرّد مُنفـرداً في حـديقـةٍ لإغريقي مجهول فـرّ بجـلـده بعد أن تولَّى أمرَ الحيازات الأجنبية، “زين كــو” وقـد امَّمتها “ثورةُ مايو”(1969-1985) في أوائل “هوشتها”، بغير وجهِ حق. لكن قضتْ الأقدار بعد ذلك فاختارت أن يدير فنان تشكيلي ما أسموها “مصلحة الثقافة”، من فكرة طرأت لمنصور خالد قبلها نميري ، وتولى إبراهيم الصلحي، دار ذلك الإغريقي، فبدّل وظيفتها عام 1973، إلى دارٍ ترعى الثقافة بكلِّ مجالات ابداعها.. عرفت ضالتي في تلك الصومعة، فتملكتني عندها، صرعة ألأدب والكتابة الإبداعـية.

في صومعة الإغريقي تلك، عرفتُ صـديقين عزيزين، متّعني الله بصحبتهما وقتذاك، فحدَّثت توأمي عن تشكيليين لهما معزّة ومحبّة. الرَّاحل حســين مأمون شـريف وأخي محمد عمر بشارة. لكن توأمي لم يبتعـد عن هوايتنا التي عزَّزت توأمتنا في الرَّســم والتشكيل. هناك كان توأمي قد حمل لقبه “بيكاسـودفعته” في هندسة المعمار، ومعه ثلة من مهندسين فنانين : يوسف إدريس . سراج. منيرة حمدالنيل. عمر أبو القاسم. مادبـو . قاسم عمر..

(3)

أنا في جهتي، استهوتني مهنة الدبلوماسية وأحلام السفر إلى ما وراء الجبال والأنهار والبحــار، مثلما عشقت الكتابة والرَّســم بالحروف.

هنالك في أقاصي كلية الهندسة في جامعة الخرطوم، يُفاجئُني توأمي ببراعته المشهودة في التصميم المعماري، كما في الرَّســم والتشكيل. قالوا عن توأمي منذ أيامه طالبا في هندسة جامعة الخرطوم، أنّهُ “بيكاسـو الدفعة” في كلية المعمار. ثم شاع اللقبُ الذي أحببنا أن نطلقه عليه. ولأنَّ توأمي صـار مثل “بيكاســو”، فيمّمتُ أنا شطر صومعـة الإغريقي ، والتي أسر فؤادي فيها، الأميران البارعان في التشكيل والألوان: حســـين وبشــارة . وتلك لم تكن قسمة ضيزى.

قلتُ لتوأمي لنقتسـم هواية السَّـفـر إذاً، فلِِي مثل ما لك، أن نسعَى معاً لنجـد معادلة تختصر بناء سنواتنا، فإنَّ نصفي عنـدك ونصفكَ عنـدي، والتوأمة بيننا قـدرٌ من أقدار الله، ولن تكون أنت أبعـد مِنّي.

نظر إليّ مليّاً، فاسـتوثق أنّي إلى الخارج أقرب ، وأنّه إلى الداخل أدنى، فكنتُ دبلوماسـياً طريـداً من قوقعـة جغرافية هنا، إلى أخرى أبعد هناك. ثمَّ انبرَى هـو مُندسَّــاً في هندسة المعمار، فتآلفـنا في تركيبة لم نفلح في إنجاز تآلفها، إلا يوم اهتدى توأمي، يلاحق موهبةً ضاعتْ منه، إلى “جمعة جابر” ذات مرّة، فجلس إليه لتأسـره الموهبة التي واءمتْ طبعه الرّقـيق، فتعلَّم عزف العـود وموســقة الغِـناء فجوّدهما، وتركني في أسـفاري الدبلوماسية وصوتي مبحوح.

(4)

سألتُ توأمِي ثانيةً : هل تلك قِِســمة ضيـزَى؟ فاسـتدرك قائلاً لي : عليـك بدبلوماسيتك وبنظم الشَِّعر وبكتابة القصص، واتركني أترنَّم مع صديقي صلاح حســن أحمد ، ونُطربك أنا وهـوَ مثلما فعلـنا في أعوامنا الذهبية ، بلحـنٍ مِن “عبد الدافع عثمان فزع”، عَـن الأيام التي لا تفـتأ تمُـر وكأنَّها محضُ أحـلامٍ في الخيـال. . حين يتذكّر معي ما شغلَ “صلاحاً” بكتابته الجميلة وقتذاك، فتكون “الحياة مهنتي” جوهـرة مسلسلات إذاعة المُعلِّـم أستاذنا علـي شُــمو، ذات عام سـبعيني في القرن العشرين الذَّهبي. أجل. سيضحك صديقنا البعيد حين تخنقه الدّمعـة ساعة يصله نبـأ رحيل خِـدنه توأمي “عبدالله بيكاســو”. يااااه. .”صـلاح” الذي عـرفـته ثانيـة لمّـا قـرأت “سِــن الغزال”، لكنهُ أنكرني حينَ جئتُ لنـدن بدرجة “سـفيرٍ، ولست سفيراً” أوائل الألفية الثالثة، ربّما حسبني كوزاً مخبـولاً، ولسـتُ أنا كذلك فتحاشـاني.. لكن أينَ أصدقاؤه النيّل عبدالرحمن وعبدالرّافع وعليش. وأين هاشم حبيب الله، وأين ابن عُمـر، والمـك كباشي وعثمان الشــتَّات..أليسوا هم أصدقائي مثلما هم أصدقاؤه؟

في يوم غـائم يتشـهّى غُـيوث المحـبَّـة، التقـينا وافترقـنا وبعينيا المُني غالها الدّمعُ فما أبصرت شــيّئا. يغادر توأمي إلى الخلـيج، ويدور بيْ زَهـرُ “الروليت” إلى أصقاعٍ تتباين ألوانـهـا ومناخـاتها ورُطـاناتها.

أعجب للتوأمـة المستحيلة التي تعبث بي وبشــقيقي..!

لأمـرٍ اسـتخفََى عليّ وعلـيـهِ، يأتلـف قلمي وقلـمـه، فتجمعـنا توأمـة الابداع. كان يصدر إبداعه من مكـتبـتي، ويصدر إبداعي من مكتبـته. لو قُـدِّر لصديقٍ لِي أو لـهُ، يعـرفَ أبجـديات علم اللسـانيات، لأكدَّ أننـا نكـتـبُ من قاموسٍ واحـد وروحٍ واحـد

وقلمٍ واحـد. كانت تلتبس عليَّ كتـاباته فأتظنّى أنّي كاتبـها، ثمَّ يـتـمـلَّـى في كتـاباتي القصَصية، فهي من روحــه فلا عجــب.

يا للتوأمة المراوغة، تعـابثـنـا ونعـابثـها. .!

(5)

حــدّثتني الحاجّـة والـدتي المرحومة، عن توأمتنا الغائبـة، وكيفَ أنّي كنتُ في سِـنِّ الخامسة يومَ تبعـني عبدالله وهو في سِـنٍّ أقل من الرَّابعة، غافلَ الوالدة وسـعى ورائي وأنا أسارع إلى درس المساء في خلوة عمّنا الفاتح الشقليني ولم أكن أعلم، فضلَّ طريق العودة إلى البـيـت. أليسـتْ هـذه مغامرة من جانبـه وهو في تلـك السِّـنّ يحاول أن يمسك بتوأمـة غائبـة عَـنـهُ وعَـنّي. .؟ لا أتذكَّر تلك التفاصيل، وهو بالتأكيد سينكر مسعاه الطـفـولي في ملاحقـة توأمتـه الغائبـة معي. إنَّها توأمـة دفينة في الجـيـنات.

تعـب في شــبابه مِن عِـلّة لحقـتْ بإحدى رئتـيـه، فغادر ليقضي أشهرَاً طوالا، تحت العلاج في ألمانيـا. إستأصل الاخصائي الألماني إحدى رئتيه، ذات عـِام سبعيني في قرن فائت، وأكد له طبيـبه، انْ لا خطـر في العيش مطمئناً برئةٍ واحـدة . قال لي بعد أن عوفيَّ أنه سـعِدَ بمشاركته تلك التجربة، مع عالمٍ وطبيبٍ جليل ورمز مُتعدِّد المواهب والاهتمامات: طبّـاً وأدباً ورياضة. .هو دكتور حليـم، الذي عاش برئـةٍ واحـدة، ورحل وقد أوغل في تسـعيناته رحمه الله. .

بعدها، وطيلة سنواته التي قضاها توأمي عبدالله في دولة الإمارات، لم يشكُ إلَّا مِـن العـِلة التي لحقــتْ بأعصابه فأصـابه الرّعاش، وما كان خطيـرا، لكنها كانت

العِـلة التي حجبته عن الكتابة والرَّسـم والعـزف، وأبطلتْ تواصله مع صحابه ومحبيه، وهو الذي ظلَّ يتنفّـس برئـةٍ واحـدة في صـدره، ورئـة أخـرى افتراضية في صدور محبّـِيـه وبـنـتـيـه د. إيناس ود. فيروز، وزوجه الحانية د. نعمات عبدالله رجب .

(6)

حاصرته العِـلّة حصاراً مُحكماً في سنواته الأخيرة، فترك صُحبة هاتفه الجوّال، ثم حاسـوبه، من بعد ان تمرَّدتْ أصـابعه وعَصَـتْ على ملامسة مفاتيحه. أحسستُ بثقل انقطاعه عن محبيه وشـقائه باعتزاله. لكنه – ولرِّقـة إحساسـِّه التي أعرفها – يلحَّ عليَّ ألَّا يزعـج أصـدقاءه ومحبيه بخبر عـلـتـه. أذعنتُ لرغـبته فأخفـيتُ خبر علـته. غير الذي أشقاني، هو عجزي أن أحدّث صديقي طارق الجزولي بعلته ، وقد ألحّ يطلب تفسيراً عن احتجاب “بيكاســو” وغياب مقالاته عن صحيفة “سودانايل” الالكترونية، فعجزتُ أن أقول. َحَـار صديقي طـارق الجزولي، أن يجد مبرِّراً لاختفاء “عبدالله الشـقليني” عن “ســودانايل”.

قبيل إصـابته بالعِـلَّة ، ظللتُ ألاحق توأمي لنشـر بعض مقالاته وحكاياته في كتاب، وانا أحفظ كلَّ كتاباته في حاسـوبي، لكن مشاغلي وارتباطاتي والتزامي بمقالات ومشروعات مخطوطات معلّقة تنتظرني منذ أعـوام ، أخـرّت التزامي بمواصلة اعداد مخطوطات ابداع شـقـيقي وتوأمي عبدالله، لكنه لم يستعجلني يوما عن أمرها. .

(7)

خلال عام 2024 ، فاتحتُ كريمته، أنّي أزمع أن أفاجئ توأمي عبدالله بنشر مختارات من مقالاته وحكاياته البديعة في كتاب، وطلبتُ أن نبقي المفاجأة سِـرَّا بيننا.

التزمتْ بنيتي د. إيناس عبدالله بالعهد، وتعهَّـد صديقي د. محمد الصادق جعفر بالتعاون في التحرير وطباعة المخطوطة، وهو صاحب دار “باركود” للنشر، ولم يكن د. مرتضى الغالي ولا المهندس يوسف إدريس- صديقا الشقليني – بعيـدين عن المشروع.

لكن كان عليّ أن أعـدّ مقدمـة تعريفية وافـيـة عن المؤلف، ولا مناص من ان يطلع عليها توأمي. وهكذا خـرّبتُ المفاجـأة بقـلـمي حين طلبت من كريمته د. إيناس أن تقرأ مقدمة أعددتها للتعـريف بمؤلف الكتاب. قرأتها عليه بنيته فسالت دمعته مثلما سالت دمعتي حينَ كنتُ أكتب تلك المقـدمــة. صدر كتاب “شــاي السِّــت” عن “دار باركــود” نهاية عام 2024 برعــاية د. محمد الصادق جعفر، وتم عرض الكتاب في معارض الكُتب العديدة في الخليج ونفـد. لم تتدخّل أقلامنا -لا أنا ولا د. محمد الصادق- في نصوص توأمي عبدالله الشقليني التي ضمّها الكتاب. أما أنا فلم يتبدَّد احساسي أنّي وتوائمي، قد كتبنا تلك النّصوص معـاً بقـلـمٍ واحــد وبروحٍ واحد. ألسـنا مَجـبـولَـيْن على توأمـةٍ عشــنا نعماءها معـاً، وإنْ اســتخفـتْ عـلينا منـذ مولدي ومولـده..؟

(8)

ولعلّ الأقدار رتَّبتْ أمراً لم يكن لنا فيه يـد. كيفَ له وهو شـقيقي أنْ يحمل لقب جَـدِّي الخامس “الشقليني”، وأحمل أنا اسـمَ جَـدِّي الرّابع “عُـمــر”؟

علمتُ من والدي رحمه الله، أنَّ تسجيل المواليد في تلكم السنوات واجبٌ يُترك للقـابلـة، إذ لكلِّّ أســرة من الأســر الأم درمانيه سـنوات الخمسينات من القرن الماضي، “قابلـتها” التي تعرف شـجرة كلَّ عائلة من العائلات التي تقع تحت مسئولياتها، فيترك لها تسجيل الأسماء في دفاتر المواليد. لم يكسـر والدي تلك القـاعدة،

فاختارت القابلة لي اسـم جَـدَّي الرّابع “عُـمـر” في شهادة ميلادي، واســم الجدّ الخامس “الشقليني” في شهادة توأمي عبدالله.

يا للعجب : أيّ أقدار تفـرّق بين توأميـن، إلَّا ان يكون في الأمر معـابثـة قدرية مُربكة من قابـلةٍ كانت لها صِـلة قـرابة بالوالد رأت فـينا توأمـة غائبــة… !

صِرنا معـاً على إصرارٍ أنْ تظلَّ تلك المفارقة الطريفة باقـيـة بيننا، تُعـزِّز توأمة غـائبـة لروحٍ واحـدة، تقاسـمها بدني مع بدن شــقـيقي الذي رَحَلَ ومعه نصف جـيـنـاتي…ولـله ما أعطى ولِلـه ما أخــذ. رحل شــقـيقي عبدالله محمد إبراهيم، وترك لي لقـب جَـدّي الخامـس، وعـدداً من المخطوطات البـديعـة التي سـترى النّور بإذنه تعالى، على يدي أنا جمـال الشقليني، وبأصــابع الرّاحل الحبيـب عبدالله محمد إبراهيم، رحمه الله وأكـرم نُزله..

26 نوفمبر/تشرين 2025

jamalim@yahoo.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …