صبيحة الـ21 من نوفمبر: حمدوك ينتزع منصبه الدستوري ويسقط تحت أقدام الثوار !!


الخرطوم : الجريدة
قبل نهار الأمس، كانت صحيفة (الجريدة) تلهج بلغة الشارع الذي حدد خياراته جيداً منذ انقلاب الـ25 من أكتوبر، ولم تكن رهانات (الجريدة) تبتعد كثيراً عن الرهانات الكبيرة التي علقها الشارع على موقف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك من تلك الإجراءات التي أعلنها القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان ، حينما حل الحكومة وألقى بوزراء الحرية والتغيير في غياهب السجون، ثم ترك الشوارع مسرحاً للقمع المفرط والذي تساقط على إثره ما لا يقل عن 40 شهيداً خلال 20 يوماً مضت، وبحسب إحصاءات صادرة من لجنة الأطباء المركزية وعدد من تنسيقيات لجان المقاومة، وفي صباح الأمس والشوارع تتأهب لمواكب الثوار تنفيذاً لجداول لجان المقاومة التصعيدية المُعلنة، ارتفعت الأنباء تملأ منصات التواصل الاجتماعي بأن القائد العام للجيش السوداني ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك توصلا لاتفاق يحمل اسم الاعلان السياسي، توطئة لإيجاد مخرج للأزمة السياسية المُعقدة تعيد المسار الانتقالي لوجهة جديدة تقوم على إعادة حمدوك لمنصبه كرئيس وزراء بحكومة كفاءات وطنية ليست فيها استثناءات وتعمل على مراجعة الوثيقة الدستورية . إلا أن الشارع في لحظتها انقسم ما بين مُشكك في قبول حمدوك بهذه الوصفة، وما بين آخرون يرون أن يمضي الشارع في فرض خياراته حتى لو كان حمدوك ضمن الحكومة القادمة التي سوف يفرضها المكون العسكري.

(1) موكب جاكسون..
الوصول للقصر ليس مسموحاً به !!
لم تنجح الأخبار الخاصة بوصول البرهان وحمدوك لاتفاق سياسي خاص بإعادة الأمور إلى توافق جديد، لم تنجح في إبطال الدعوة لتظاهرات أعلنتها لجان المقاومة وحددت لها موقع “جاكسون” في قلب الخرطوم كنقطة انطلاق. وبالفعل احتشد الثوار في الميقات والزمان المحددين، وعلى الرغم من خلو جاكسون والشوارع المحيطة به من أية قوات أمنية كما العادة المتعارف عليها حين أية إعلان عن موكب، إلا أن الثوار صمموا أن يخوضوا المجهول ويزحفوا نحو القصر الجمهوري لإيصال صوتهم الرافض لأية تسوية مع البرهان وحميدتي وبقية المكون العسكري، كان انفعال الثوار يمضي إلى غاية اختطاف حمدوك قبل أن يُعلن إعلانه السياسي بذات الوصفة التي أطلقوا عليها الثوار – وصفة الانقلابيين- وحينما سار الموكب الكبير الذي سيره الثوار في شوارع الخرطوم وصولاً إلى ساحة القصر الجمهوري، وارتفعت هتافات الثوار الرافضة للشراكة مع العسكر والمطالبة بالقصاص لدم الشهداء، وحينما اقترب الثوار من ساحة القصر انهالت عليهم قنابل الغاز المُسيل للدموع من كل الاتجاهات ومن فوقهم ومن تحتهم، وكان ذلك عنواناً عريضاً لا لبس فيه ولا غبار، بأن ساحة القصر هي لا تسمح بوصول الثوار ، رغم أنها هي الساحة التي فُتحت من قبل لمجموعة الميثاق الوطني المنشقة عن الحرية والتغيير، ثم احتضنتهم احتضاناً عطوفاً شهد به كل شعب السودان، رغم اعتصامهم هناك إلا أنهم لم يتعرضوا لـ(علبة) واحدة من الغاز المُسيل للدموع . تفرق الثوار نتيجة لهذا القمع الكبير بين أزقة شوارع الخرطوم ، ولاحقتهم مقذوفات الغاز المُسيل للدموع أينما كانوا ولم تسلم حتى المشافي في شارع الحوادث من وصول كميات كبيرة من الغاز إلى داخلها. وفي الأثناء تفرقت الجموع وهي تملأ حناجرها بالهتاف الداوي، وتملأ صدورها بالغبن الشديد والإحباط الكثيف من رئيس الوزراء الذي ظهر وهو إلى جانب البرهان في المنصة وبحضرة قائد قوات الدعم السريع ، لكنها هي ذات الجموع التي هتفت من قبل باسم حمدوك تعود إلى منازلها تجهيزاً لمعارك أخرى لا تعلو فيها صورة حمدوك ولا يتغنى فيها الثوار باسم عودة حمدوك الميمونة!!.

(2) البرهان وحمدوك..
إعلان سياسي لم يهضمه الثوار حين تلاوته
المتابع لمنصات التواصل الاجتماعي يستطيع أن يرصد طبيعة التفاعلات التي تضج بها الوسائط، والتي تدور أغلبها في وصف ما حدث بأنه (خذلاناً) كبيراً لتطلعات قوى الثورة الحية التي لم تبارح الشوارع منذ الـ25 من أكتوبر الماضي، وعلى الرغم من أن الإعلان السياسي الذي تم إعلانه أقر بالرجوع للوثيقة الدستورية مع إدخال بعض المراجعات عليها، وأقر كذلك بعودة رئيس الوزراء الذي كان قيد الإقامة الجبرية، وكذلك أعلن عن صيغة لحكومة كفاءات تكنوقراط بدون استثناءات، إلا أن الثوار وصفوها على الفور بأنها أعادت حمدوك لمنصبه الدستوري ولكنها لم تُعيد شرعية ثورة ديسمبر، بحسبان أنها هي ذات الوصفة التي أعلنها البرهان منذ أول يوم لإجراءات الـ25 من أكتوبر. ويرى مراقبون أن الإعلان السياسي فيه نقاط إيجابية كثيرة تمثلت في الإقرار بعودة لجنة إزالة التمكين وفقاً لضوابط قانونية ومراجعة هيكلية تجعلها في مأمن في قراراتها المستقبلية، وكذلك أقر الإعلان السياسي بتوسيع قاعدة المشاركة مع منع مشاركة المؤتمر الوطني المحلول وهي ذات الوصفة التي أعلنها من قبل حمدوك خلال مبادرته المُعلنة في يونيو الماضي. كذلك أجمع المراقبون على أن الإعلان السياسي أقر بضرورة التحقيق في ملابسات الموت الذي رافق التصعيد الثوري خلال الفترة الماضية، ولم يفض الشراكة مع قوى الحرية والتغيير لكنه أدخل إليها توسعة قاعدية جديدة بما فيها لجان المقاومة ، بيد أن الأمر الذي جعل الثوار لا يؤيدون هذا الإعلان رغم أنه ألقى قرارات البرهان السابقة، هو أن البرهان لا زال هو رئيساً لمجلس السيادة ولم يتطرق الإعلان السياسي لجواز تسليم الرئاسة للمدنيين، كما أنه لم يقوم بحل مجلس السيادة الجديد، وعلى الرغم من أن الإعلان السياسي أقر بتثبيت اتفاق السلام، لكنه تطرق هذه المرة إلى ضرورة تكوين جيش قومي واحد ، وهو ذات الأمر الذي كان يجد عدم موافقة من قبل من قائد قوات الدعم السريع. إلا أن النقطة التي تُثير الخلاف الآن بامتياز هي أن الإعلان السياسي لم يزيح اللبس الخاص بتعيين المدنيين في الحكومة سواء في مجلس السيادة أو مجلس الوزراء، بحسبان أن قوى الثورة ليست موحدة الآن ومما يجعل أن تعيين الوزراء الذي يقوم به حمدوك لا توجد آلية متفق عليها في إجراء الترشيحات.

(3) حمدوك ضمن منصبه..
حقائب قوى الثورة في كف عفريت
ثمة قائل بأن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قبل بمعادلة سياسية أعادته إلى منصبه، لكنه في ذات الوقت ضحى بكل الحقائب الدستورية التي كانت من نصيب قوى الحرية والتغيير التي رشحته هو نفسه لمنصب رئيس الوزراء، وثمة قائل آخر بأن قوى الثورة الحية كانت ترى أن الحرية والتغيير خالفت الوثيقة الدستورية حينما قبلت بأن تكون الحكومة بكفاءات وطنية حزبية بدلاً عن كفاءات مستقلة، وأن الإعلان السياسي الذي قبل به حمدوك أعاد الثورة إلى وجهتها الصحيحة، بيد أن هذا القول دحضته قوى الحرية والتغيير نفسها عندما أكدت في عدد من المناسبات بأنها ظلت ملتزمة بكفاءات مستقلة إلا حين اتفاق سلام جوبا حينما اتفق الجميع على تعديل كفاءات مستقلة إلى كفاءات وطنية باعتبار أن قوى الكفاح المسلح تدخل للمشاركة في الحكومة بكوادرها التي تنتمي للحركات المسلحة اسماً ومعنى. كذلك هناك من يرى أن الإعلان السياسي يتطابق كلياً في محتواه مع مبادرة حمدوك التي طرحها في يونيو الماضي، وأن حمدوك تحدث فيها بوضوح عن توسيع قاعدة المشاركة، وتحدث عن جيش مهني واحد، وتحدث عن مراجعة لجنة إزالة التمكين، وتحدث عن العدالة الانتقالية، وهي ذات النقاط التي لم يبتعد عنها الإعلان السياسي المبرم بينه وقائد الجيش، إلا أن هناك رأي آخر يتحدث عن أن حمدوك ربما تعرض لضغوطات دولية كبيرة تريد أن تنهي هذه الأزمة عبر إعادته لحكم مرة أخرى بدلاً عن الاتجاه الذي كان يرى ضرورة تغييره، إلا أن هذا الرأي يستدرك جيداً بأن رؤية المجتمع الدولي رغم إنها كانت قائمة على عودة حمدوك لكنها تحدثت بوضوح عن قيادة مدنية للفترة الانتقالية وهذا هو ما لم يحدث في الإعلان السياسي، بحسبان أن البرهان ضمن رئاسته لمجلس سيادة بمكونات مدنية جديدة موالية له وفي ذات الأثناء حفظ مقاعد المكون العسكري بذات الوجوه القديمة مع الاحتفاظ بنائبه الفريق حميدتي، ويرى أصحاب هذا الرأي بأن الحرية والتغيير المجلس المركزي كانت قد حددت موقفها الملتزم بخط الشارع وليس بإمكانها العدول عنه طالما أن لجان المقاومة تتمسك حتى الآن بخط المناهضة لحاكمية المكون العسكري وإدخال وجوه مدنية لم تكن هي في قوى الثورة من الأساس. ويمضي هذا الرأي بأن خطة حمدوك المستقبلية سوف تتكشف أكثر خلال الأيام القادمة وسوف يظهر الموقف الدولي بشكل أوضح ،وعليه سوف يترتب موقف الشارع إما بالمناهضة المفتوحة أو بالضغط نحو إصلاحات جذرية على الإعلان السياسي الجديد.
الجريدة


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك