الريح عبد القادر
انبرى صحفيو النظام العسكري الإخواني في السودان للدفاع عنه إزاء اتهامه باستخدام السلاح الكيميائي متمثلاً في غاز الكلور. ولكنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث، (ولو في غوغل والذكاء الاصطناعي)، عن المعلومات الأساسية عن غاز الكلور وطبيعة الاتهامات الموجهة.
حتى الدفاع عن الباطل لا بد أن يكون بقدر من العلم والمنطق.
انصب خطهم الدفاعي على القول إن الجيش السوداني، في الفترة التي يُتَّهم فيها باستخدام سلاح الكلور الكيميائي، كان يعاني أشد المعاناة في توفير السلاح لجنوده، فكيف يتسنى له المال الكاف لشراء سلاح الكلور؟ هذا القول جهل فاضح.
يكتب أحد أبرز هؤلاء المدافعين قائلاً:” كيف لجيش ظل لأكثر من عامين يواجه نقصاً في الذخائر والأسلحة الأساسية وتُحتجز سفنه المحملة بالمعدات في الموانئ أن يمتلك فجأة قدرات متقدمة للحصول على أسلحة كيميائية باهظة التكلفة واستخدامها؟”
يفتقر هذا الكاتب إلى أبسط المعلومات عن السلاح الكيميائي المعني. فهو يعتقد أن الكلور غال الثمن ومعقد من الناحية الفنية. وقد غاب عنه أنّ من أهم ما يتميز به غاز الكلور هو كونه رخيص الثمن ومتوفراً بكثرة ويسهل استخدامه لمن يمتلك حداً أدنى من الإمكانات اللوجستية. كيف له ألا يعلم أنّ غاز الكلور سلاح كيميائي بدائي وقليل الكفاءة العسكرية مقارنة بغازات الأعصاب الحديثة. وهو يُصنف كعامل اختناق رئوي محظور دولياً بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وبالتالي فإن الدفاع عن النظام بأنه كان غير قادر على توفير السلاح هو في الحقيقة يقوي الاتهام بدل أن ينفيه، فالجهات التي تستخدم غاز الكلور سلاحاً هي بالضبط الجهات “المضطرة” التي تعاني “من نقص الذخائر والأسلحة”.
نعم، غاز الكلور هو سلاح اليائسين والبائسين، وسلاح الضعفاء ضد الضعفاء والمساكين والأبرياء، وسلاح “الجربندية”، وهو فوق ذلك عنوان لللامبالاة بحياة الناس والبيئة.
وفي الحقيقة هناك الكثير من الأساطير والمعلومات المغلوطة عن الكلور. فهو في حد ذاته ليس مادة محظورة ومحرم تصنيعها دولياً. بل هو مادة قانونية وضرورية للحياة المدنية (تستخدم على سبيل المثال في تطهير مياه الشرب، وفي صناعة البلاستيك والمبيدات)، وإنما المحظور هو استخدامه كسلاح.
إذن فإن الاعتقاد الشائع أن غاز الكلور هو سلاح دمار شامل فتاك ينافي حقيقته العلمية. ويكفي دليلاً على عدم كفاءته العسكرية أن نعلم أنّ رائحته القوية النفاذة، ولونه الأصفر المائل إلى الخضرة، يمنحان القوات المستهدفة فرصة كافية لتمييزه والهروب منه قبل استنشاق جرعة قاتلة. ولكنه بالطبع سيفتك بالأبرياء الغافلين الذين لا يملكون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً إلى الهروب إلى مكان آمن. وهو يهلك أيضاً بالزرع والضرع. ولذلك فإنه قبل أن يكون محظوراً بالقوانين الدولية فهو محرّم بالقانون الرباني الذي يدعو ليس فقط إلى صون حياة البشر، بل أيضاً إلى صون كل كبدٍ رطبة من حيوان، وكل شجرة توفر الظل وتعطي الثمر.
وعلى ضوء هذه المعلومات الأساسية عن غاز الكلور، كان يجب أن تكون محاولة البراءة من استخدامه قائمة أولاً على المبادئ الأخلاقية والدينية: نحن لا يسمح لنا ديننا ولا أخلاقنا باستخدام سلاح يتجاوز العدو إلى الإضرار بالمواطن والبيئة.
ألم يسمع هؤلاء بحديث الطبراني وأحمد عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
” اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع”؟
ألم يسمع هؤلاء بوصية الصديق رضي الله عنه لجيش أسامة بن زيد:
“يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، أو شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له… اندفعوا باسم الله”.
والبراءة من أي اتهام هي بقبول الدعوة إلى التحقيق بإرسال لجنة لتقصي الحقائق. فمن المعروف علمياً أن آثار الهجمات بغاز الكلور لا يمكن طمسها تماماً بغسل الموقع وتنظيفه، فهذا الغاز يتفاعل مع البيئة المحيطة والمعادن والنباتات ويترك “بصمات مكلورة” مستقرة يمكن للمختبرات المؤهلة رصدها بالتكنولوجيات الحديثة.
موقف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هي الهيئة الدولية المعنية بالتحقيق في الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية. والسودان من الموقعين على الاتفاقية المنشأة للمنظمة، وليس مجرد عضو عادي في المنظمة، بل يتبوأ حالياً عضوية مجلسها التنفيذي حتى عام 2027.
ويتلخص موقف المنظمة حتى الآن في طلب التوضيحات، بناءً على طلب تقدمت به دول أعضاء في المنظمة، ولكنها لم ترسل بعثة لتقصي الحقائق، بسبب الظروف الأمنية الخطيرة الناتجة عن الحرب الأهلية المستعرة التي تمنع الوصول الآمن للمفتشين.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع ما كشفته وسائل إعلام عالمية وتجمعات حقوقية سودانية من وثائق توضح أن الجيش السوداني طور على مدى ستة أشهر ذخائر تعتمد على غاز الكلور واستخدمها ضد “قوات الدعم السريع”، لا سيما في محيط مصفاة الجيلي. وتشير الأدلة المُدّعاة إلى أن الجيش حصل على أسطوانات الكلور النقي من محطات مدنية لمعالجة مياه الشرب، وهي مواد كانت قد وصلت للسودان عبر منظمات إغاثة دولية (مثل اليونيسف والصليب الأحمر) بغرض مكافحة الكوليرا، وجرى تحويلها لتصنيع القنابل. وتظهر الرسائل المتبادلة علم قيادة الجيش بالمشروع بشكل مباشر، وإصدارها توجيهات لاحقاً بـ “إزالة الآثار” كافةً وطمس الأدلة.
استخدام “الشماعات”
أسهب المدافعون عن براءة الجيش في بيان سوءات الولايات المتحدة ومزاعمها الكاذبة لتبرير غزو العراق، بالإضافة إلى تحميل “دويلة الشر” مسؤولية الوقوف وراء هذه الحملة.
ولكن بمقدورنا أن نقول باختصار شديد إن سوءات الولايات المتحدة، وكل شرور “دويلة الشر، مهما كانت حقيقة واقعة، لن تعفيك من تبرئة نفسك.
فساد الآخرين لا يعني صلاحك؛
وثبوت ظلمهم لا يعني عدلك.
وعندما يُوجه إليك الاتهام، ليس من العقل أن تقول إنك كونت لجنة للتحقيق مع نفسك!
كيف لك أن تعتقد أنّ العالم سوف يصدق ما ستخرج به “لجنة التحقيق الذاتي” من نتائج؟
أما إذا قلتَ إنك توافق على إرسال لجنة لتقصي الحقائق فينبغي أن تهيئ الظروف الأمنية اللازمة لزيارة بلدك.
وإلا فلا مصداقية لتلك الموافقة.
كيف لا يفطن النظام، ولا المدافعون عنه، إلى أن الإصرار على استمرار الحرب هو في الحقيقة أكبر دليل على استخدام السلاح الكيميائي؟
استمرار الحرب دليل على الاستهتار بحياة الناس!
فإذا كنتَ قد أثبت للعالم أنك تستهتر بحياة شعبك برفضك وقف الحرب، فكيف تريد من العالم ألا يصدق أنك قادر على استخدام السلاح الكيمائي؟
