قصة اختفاء قسري (2): محاورة الكيماوي .. بقلم: الباقر العفيف
وبَدأَتْ رحلتي مع العلاج الكيمائي، ويا لها من رحلة. في مستشفى جونز هوبكنز أعطونا كمية من الكتيبات والمجلات والأوراق المختلفة تتحدث عن مرض السرطان وعن العلاج الكيماوي وآثاره الجانبية. والذي يقرأ الآثار الجانبية للكيموثيرابي وهو مقبل عليه، سيصاب بالفزع لا محالة. فالقائمة تبدأ من أعلى الراس حتى أخمص القدمين مرورا بالجهاز الهضمي وجميع الحواس: تساقط الشعر، والصداع، وانعدام الشهية للطعام، ثم الغثيان، والاستفراغ، والإسهال، وتقلصات البطن، stomach cramps، تَقَرُّح اللثة، تَغَيُّر المذاق، وتبلل الأنف، تَغَيُّر لون الجلد، وتَنَمُّل الأطراف، والفتور العام وموات الحيل fatigue.
دخلت على المبنى بمشاعر مشوشة يختلط فيها الإقدام بالتردد، والتحدي بالخوف، والتفاؤل بالتشاؤم، بيد أن ما يقود خطوي للأمام هو ما يحدوني من أمل ورجاء في الله. فنحن في أحلك الظروف نتشبث بالأمل حتى ولو كان غامضا وبعيدا. وأهلنا يقولون “الغرقان يتلافى زبد البحر”، مما يعني أن شيئا عديم الفائدة مثل زبد البحر يمكن أن يمثل بارقة أمل في لحظة ما لغريق ما. فالأمل هو رَوْحُ الله الوارد في الآية “يا بَنّيَّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من رَوْحِ الله إنه لا ييأس من رَوْحِ الله إلا القوم الكافرون”. وكذلك يقول: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون”. كل هذا يدعم بعث الأمل في النفوس حتى لو كنا لا نرى ضوءً في نهاية النفق. وكما يقولون “لولا الأمل لسقطنا على الأرض ومتنا”. وفي معنى قريب من هذا يقول الخواجات Every cloud has a silver lining أو لكل سحابة بطانة فضية”. ويعني أن في كل حدث محزن هناك ما يبعث الأمل حتى ولو لم يكن مبعث الأمل واضحا من الوهلة الأولى. وهو قريب من المعنى الذي رمى إليه المجذوب حين قال في قصيدته الشهيرة ليلة المولد:
في الثانية والنصف بعد الظهر خلَّصْتُ الكيسين الأوَّلَيْن. ومرَّا بسلام إلا من بعض الغثيان. ثم ربطوا لي الكيس الصغير الخطير. هذا يستغرق ثمان وأربعين ساعة حتى يُفْرِغَ سمومَه في جسمي، يُطْلِقُ خمسة مليجرامات فقط في كل ساعة، ولكن عندما يطلقها يَهْتَزُّ جسمي كلُّه، وتُسْتَنْفَرُ جميع حواسي، وأحسُّ كأن أبخرة تخرج من أنفي وأُذُنَيَّ وعَيْنَيَّّ، كما أشعر بإفرازات مقيتة داخل فمي. وهذا كله كوم وتقلصات المعدة كوم آخر. وهذه الأخيرة تنشط في الأمسيات وتمنعني النوم. أذكر في مكالمة مع أخي د. مالك بشير مالك، وهو دائم الاتصال والزيارة، طلب مني أن أصف له هذه التقلصات، فقلت له “بتتذكر أُمَّاتنا وهن يغسلن الهدوم في الطشت؟ بس بحس كأنه في زول خاتي مصاريني في طشت وبِدْعَكْ فيهن “. فصرخ قائلا: “لا إله إلا الله. لا خلاص كفى. الله يعينك”. وبالرغم من ذلك اعتبرتني طبيبة الأورام محظوظا لأن هذه الآثار، حسب رأيها، جاءتني في حدها الأدنى.
لا توجد تعليقات
