نزار عثمان السمندل
تستطيع الحروب أن تفرض الصمت زمناً، لكنها تعجز عن مصادرته إلى الأبد. تحت هدير المعارك، ظل المجتمع السوداني يحتفظ بصوته، ينتظر اللحظة التي يجد فيها منفذاً إلى الشارع. تلك اللحظة بدأت تلوح ملامحها من جبيت في ولاية البحر الأحمر، ومن أم درمان، حيث خرجت المطالب هذه المرة مرتدية ثوب الكهرباء والمياه، بينما حملت في عمقها رسالة أكبر: المجتمع يعود إلى الحركة.
إغلاق الطريق القومي بين بورتسودان والخرطوم احتجاجاً على انقطاع الكهرباء لا يكتسب أهميته من تعطيل حركة المرور، وإنما من المكان الذي خرج منه. جبيت تقع داخل الحيز الذي مثل، طوال الأشهر الماضية، مركز الثقل الإداري والسياسي للسلطة القائمة، لذلك اكتسب الاحتجاج فيها معنى يتجاوز حدود الأزمة الخدمية، ويشير إلى أن التململ الشعبي بدأ يجد طريقه إلى المناطق التي بدت، حتى وقت قريب، أكثر هدوءاً.
المشهد نفسه تكرر في أم درمان بصورة مختلفة. طوابير طويلة أمام مصادر المياه، وأسر تحمل الجرار والأوعية بحثاً عن احتياج أساسي، بعد يومين من انقطاع الإمدادات عن أحياء واسعة، وقد تحول ذلك إلى عنوان لغضب يتراكم بصمت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
الحروب الطويلة تغير لغة المجتمعات. تبدأ الأسئلة من تفاصيل الحياة، لأن الإنسان يبحث أولاً عن وسيلة للبقاء. غير أن المجتمعات التي تستعيد عادة الاحتجاج نادراً ما تتوقف عند حدود المطلب الأول. الشارع يخرج من أجل الكهرباء، ثم يكتشف أن طريقه يمر أيضاً عبر أسئلة الحكم والإدارة والمسؤولية والمستقبل.
هذه الحقيقة يعرفها السودان أكثر من غيره. ثورة ديسمبر نفسها لم تولد من شعار واحد، ولم تتوقف عند مطلب واحد. تراكمت الأزمات، وتجمعت الأصوات، ثم اكتشف الشارع قدرته على إعادة صياغة المشهد السياسي بأكمله. لذلك تتابع السلطة أي عودة للاحتجاج بقدر كبير من الحذر، حتى عندما ترتبط بداياتها بقضايا معيشية خالصة.
ولا يعني ذلك أن الاحتجاجات الحالية تحمل برنامجاً سياسياً منظماً، أو أنها تمثل امتداداً مباشراً لحراك ديسمبر؛ فلكل مرحلة ظروفها وتعقيداتها. غير أن استعادة الشارع لقدرته على التعبير عن غضبه تمثل تحولاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في ظل اعتقاد ساد خلال العامين الماضيين بأن الحرب دفعت المجتمع إلى الانكفاء، وأن صوت السلاح ابتلع صوت الناس.
خلف هذه التطورات تقف أزمة خدمية خانقة. محطات الكهرباء تعرضت لدمار واسع، وشبكات النقل تضررت، وإمدادات الوقود تراجعت، بينما يعيش ملايين السودانيين ساعات طويلة من انقطاع التيار. وفي المقابل، تتفاقم أزمة المياه في مدن رئيسية، وسط ضغوط إنسانية تتعاظم مع استمرار النزوح واتساع رقعة الاحتياج.
الأرقام ترسم جانباً من المأساة؛ عشرات الآلاف من القتلى، نحو 13 مليون نازح، وأكثر من 30 مليون إنسان يحتاجون إلى مساعدات عاجلة. غير أن المشهد يحمل طبقة أخرى أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً؛ مجتمع يبدأ في استعادة ثقته بقدرته على الاحتجاج، بعد مرحلة بدا خلالها أن الحرب صادرت المجال العام بالكامل.
كل سلطة تنشغل بالحرب تراهن، بصورة أو بأخرى، على انشغال المجتمع بالحرب أيضاً. وكل شارع يخرج مطالباً بحقه في الماء أو الكهرباء يبعث برسالة مختلفة: المجتمع عاد إلى موقعه الطبيعي، طرفاً يطالب ويحاسب، لا جمهوراً يكتفي بمتابعة المعارك.
قد تبقى هذه الاحتجاجات داخل حدودها المطلبية، وقد تتسع مع الوقت إذا استمرت الأزمات المعيشية واستعصى الحل. غير أن المؤكد أن السودان يشهد بداية حركة جديدة في جسد المجتمع؛ حركة بدأت من أبسط حقوق الإنسان، وقد تحمل معها، إذا استمرت، أسئلة أكبر عن شكل الدولة، وطبيعة السلطة، والطريق الذي ينتظر البلاد بعد أن يخفت صوت البنادق.
