أستاذنا وصديقنا فضل الله ، وليسمح لي أن أناديه بالوصفين فهو خليق بأستاذية في الصحافة لا يجادل عليها مجادل ، وفوق ذلك فقد جاز لي وأنا سفير أجاهد أن أكون إعلاميا وصحفيا (من سفاراتهم) أن أعدّه صديقا حانياً علينا في زمان ولجنا فيه إلى عالم الإعلام من بوابة المهنة الدبلوماسية.
لا أكف عن متابعة ما يكتب أستاذنا فضل الله محمد، فهو قلم حصيف هاديء على اعتدال في التناول، لا يخذله قلمٌ فينزلق إلى تطرف، أو يأخذه رأي يتبناه إلى استعداء متشنجٍ، من هنا أو من هناك.
أعجبني عموده الراتب”الخرطوم اليوم” بتاريخ الأربعاء 24 أبريل وقد اختار له عنوانا طريفاً لافتا حدّث فيه عن اختباء العصا وضمور الجزرة، وقد تناول فيه ما تواتر من أخبار عن عودة “أمريكية” لملف دارفور . وعنّ لي أن أدلي بعدد من الملاحظات ، تكمّل وقد لا تخالف الصورة التي رسمها أستاذنا فضل الله.
راوحت السياسة الأمريكية في تناولها ملفات السودان الشائكة وأبرزها قضية الحرب الأهلية في الجنوب، ثم قضية النزاع في دارفور.ولكن علينا أن نمعن النظر ملياً في مكونات السياسة الأمريكية ، فهي تتشكل في أكثر من مطبخ ، ويتناول مكوّناتها طهاة من مشارب – وربما مآكل- شتى. تحار دبلوماسيتنا حين تلمس هدوءاً من الخارجية الأمريكية ، وتفاجأ في ذات الوقت بمن يكشّر عن أنيابه في دوائر أخرى ، مثل البنتاجون وهي وزارة الدفاع، أو رجال الدبلوماسية الخفيّة (السي آي أيه) في “لانجلي” ، أو في لجان مستوحشة داخل الكونجرس العتيد . فوق ذلك وتحته هنالك قابعون في البيت الأبيض يضعون اللمسات الحقيقية لسيناريو القرار السياسي الأمريكي. هذا على مستوى المؤسسات الرسمية . لا ، لم تكن هذه الدوائر يوماً على قلب “بيت أبيض ” واحد. لا ثبات لهذه المطابخ السياسية ، إذ تعدل من لبوسها وأقنعتها بعد كل انتخابات رئاسية ، يجري في إثرها تعديل وتبديل بين الحزبين الرئيسين : الجمهوري والديمقراطي. حين يحدّثنا أستاذنا فضل الله عن “صقور الكونجرس الحانقين بلا سبب معلوم” قد لا يكون هذا الطرح صائبا . لعل الأقرب لنبض الشارع الأمريكي في هذا النظام هو الكونجرس الذي جاء به الناخب الأمريكي، وهو ناخب قد لا يرى ما يراه الدبلوماسيون ، سواء في الخارجية أو في البيت الأبيض، أو “البنتاجون” أو “لانجلي”، ولكن لا يكاد يخالف الكونجرس رأي ناخبيه.
الوصمة التي لحقت بإسم السودان لقرابة عقدين من الزمان لن يسهل محوها بمناهج الدبلوماسية . هذا أمر بديهي.
في ملاحظة ثانية، نرى أن لمؤسسات المجتمع المدني أسناناً وأنياباً حادة وناهشة. ولا أعني بالمجتمع المدني مؤسساته المحددة المعالم، ولكن قد تكون حراكاً ناعماً لا يحدّه مكتب أو يعمل تحت إمرته موظفون عاملون. لو نظرنا ملياً سنجد أن رجلاً واحداً مثل الممثل الأمريكي الأشهر “جورج كلوني” ، شكل دائرة ضغط مهولة على الإدارة المريكية ، فكان لحراكه في الجانب الإنساني لقضية دارفور، أثراً بالغاً في تشكيل السياسة الرسمية الأمريكية . وأنظر أيضا إلى منظمة (إنوف) “كفاية” الأمريكية ومن يقف وراءها . تتوسّل مثل هذه الجهات – ولعل الأصح أنها تتسوّل- للناخب الأمريكي فتجمع تحت يدها ملايين الدولارات لتغطية النواحي الإنسانية، وتقديم العون والإغاثة للنازحين في دارفور. قرأت مؤخراً رواية لكاتب أمريكي مرموق إسمه “جيمس باترسن”، يكتب رواية بوليسية بطلها المخبر إسمه “اليكس كروس” وتدور أحداثها في الغرب الأفريقي (لا الغرب الأمريكي)، فتتصل وقائع روايته إلى أطراف معسكرات النازحين في دارفور، ويحدّثك فيها عن فرسان مسلحين وعنى بهم “الجانجويد” . الأثر الذي تتركه مثل هذه الرواية التي تحدّث عن فظائع في دارفور، تفعل فعلها في تشكيل الذهنية التي ترسّخ صورة للسودان شائهة مشوّهة، ولكن نظل نعجب دائماً كيف لا يريد الأمريكي تغييرتلك الصورة !
لعلّ غياب الدبلوماسية الأمريكية باختلاف مطابخها، عن قضايا السلام في دارفور، كان بداية لدخول رسمي لممثلين من المجتمع المدني الأمريكي. خلال الأعوام الأخيرة لاحظنا بجلاء كيف تحرك الملف الدارفوري من ساحته الأفريقية إلى ساحة خليجية ، وظهر أن عرّاب هذه الحركة استشاري من منازلهم إسمه “ماكفرلين”، وفق ما أورد صديقنا الأستاذ فتحي الضو في مقال له مؤخراً.
إن من تبعث بهم الدوائر الأمريكية الرسمية لنا في السودان من سفراء أو مبعوثين خاصين، هم أناس محدودي الحركة والتأثير، ولذا تراهم يتبدلون ، ولكن سياسات الولايات المتحدة التي تحاك في المطابخ الحقيقية، لا يلحق بها تبديل بيسر. يبقى على الدبلوماسية السودانية أن تقرأ جيداً ملفات “الطهاة” الذين يتحركون في “المطابخ” الأمريكية ..
ولك تقديري أستاذنا فضا الله..
نقلاً عن صحيفة “الخرطوم”
26 أبريل 2013
jamal ibrahim [jamalim@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم